بلغت نسبة الانتحار ذروتها في ظل السياق الصحي الحالي وما تسبب به من تداعيات على الإقتصاد والصحة النفسية للأفراد. كما جرت العادة أقوم قبل كتابة كل مقال بعدة بحوث حول الموضوع، كي أستطيع الحصول على معطيات دقيقة تمكنني من التحليله والنقده بكل موضوعية، غير أنني لم أجد دراسات كافية حول الموضوع.

الظروف السياسية، والإقليمية، والاقتصادية التي تعيشها الدول العربية على الدوام لم تتح مجالًا للاهتمام بهذه القضية. فهي في نظر الجهات المختصة قضية هامشية لا ترقى لأن تحظى بمراكز مختصة لدراستها وميزانيتها… إلخ.

بالرغم من هشاشة المعطيات إلا أن بعض التشريعات العربية جرمت الانتحار وجعلت عقوبته الحبس مع غرامة مادية في بعض الحالات. فلسفة المشرع هنا غير مفهومة بتاتًا؛ فالمنتحر انتهت حياته وبالتالي تسقط عنه أية عقوبة قانونية، أما من حاول الانتحار وفشل في ذلك فهو أساسًا لم يستطع العيش في ظروف «عادية» فلا أتصور أن يقوى على ذلك داخل السجن.

من باب الحكمة أن نضع حلولًا قانونية لمسوغات الانتحار، لا أن نُشرع قوانين جائرة لا تفرق بين الأخضر واليابس ولا تزيد الطين إلا بلة. فمحاربة أي آفة مهما كانت مستعصية تستوجب التركيز على أسبابها لا على عواقبها.

من خلال تجربتي المتواضعة في عالم القانون، استنتجت أن أغلب المشاكل في هذا العهد مصدرها الجرائم الالكترونية؛ من ابتزاز وتنمر وتشهير. دون أن نغفل عن بيع الوهم والتغرير الذي يقوم به «مؤثرو» مواقع التواصل. وما يترتب عنه من كوارث على الصحة النفسية والعقلية وزيادة العزلة ومعدلات الاكتئاب نتيجة عدم رضى الفرد عن حياته ومقارنتها مع حياة «الرفاهية الوهمية» التي يروج لها رواد هذه المواقع. فالسلطة التشريعة يجب أن تفنن هذا الفضاء الإلكتروني لأنه يعيش تسيبًا خطيرًا له وقع مباشر على المجتمع.

خلال سنة 2008، انتحر 30 موظفًا في شركة اتصالات فرنسية، عندما فتحت الحكومة بحثًا لمعرفة الأسباب؛ توصلت الى أن التحرش والتنمر الوظيفي كانا السبب المباشر وراء ذلك. فسنت قانونًا صارمًا جدًا لمحاربة ذلك، يصل إلى حد إشراك المسؤلية القانونية لصاحب الشركة إذا لم يكرس كل جهوده في توفير جو عام يحمي فيه موظفيه من الظغط النفسي وانتهاك الكرامة الإنسانية.

ظروف العمل تعد عاملًا أساسيًا في التأثير على نفسية الإنسان، وبالتالي تدخل القانون في توفير الحد الأدنى من شروط العمل الكريم.

الكحول والمخدرات بالرغم من أنها ممنوعة في أغلب الدول هذا إن لم نقل كلها، إلا أنها ما زالت من الأسباب الرئيسة للانتحار، وبالتالي يجب اعتماد سياسات لمكافحة ذلك تتكلف بالموضوع من منع الوصول إليها إلى المعالجة الطبية للأشخاص الذين وقعوا في مشكلة الإدمان.

الحد من إمكانية الحصول على وسائل الانتحار (مثل المبيدات الحشرية، والأسلحة النارية، وبعض العقاقير)، ذلك يعد حلًا وإن كان ترقيعيًا.

جعل الولوج للأطباء النفسيين حقًا لجميع الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية وذلك من خلال إدماجه في التغطية الصحية، فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة العضوية، بل قد تكون سببًا مهمًا في التأثير عليها.

معالجة الانتحار بطريقة مسؤولة في وسائل الإعلام تناقش الموضوع طبيًا وقانونيًا وإنسانيًا؛ لأنه لا يليق أن يكون في السلطة التشريعية العربية كل هذا المقدار من عدم الكفاءة ومن الخيارات القانونية العشوائية والضارة في بعض الأحيان، وبالمقابل لا نجد حتى برنامجًا تلفزيًا ناقش الموضوع من مختلف الزوايا.

بعض العوامل كذلك تساهم بشكل مباشر في الموضوع والتي من غير الممكن أن تشملها الحلول القانونية مع الأسف، هي الشعور بالوحدة والتخلي والهجر من طرف محيط الشخص الذي يفكر بالانتحار وتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات استهلاكية، تنتهي بمجرد انتهاء المصلحة، لا تحتمل احتواء الآخر، يبحث فيها الفرد عن راحته قبل كل الشيء، ويبرر أنانيته في التعامل بكونه شخصًا لا يحتمل الناس السلبيين، وفي الحقيقة سعيك نحو راحتك النفسية لا يعفيك من واجباتك الإنسانية تجاه الآخر، هذا إذا أردت أن تغادر خانة الرعاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد