“قصرٌ يعج بالنساء، وسلطان محاطٌ بالحريم، وخلافةٌ عثمانيةٌ شهوانية وساقطة” .. هذا ما أرادوا أن يلوثوا به عقلك عبر شاشة التلفاز من خلال حلقات امتدت لأكثر من ثلاث سنوات من المسلسل التركى “القرن العظيم”، والذى تم تحريف اسمه عندما تمت دبلجته وبثه فى أرجاء الوطن العربى إلى “حريم السلطان” (لاحظ كم التشويه الذى طرأ على الاسم) ، ذلك المسلسل الذى ملأ أسماع وقلوب وعقول ملايين العرب ليبث سموم الفكر “الأتاتوركى” من جديد، ولكن هذه المرة، ليس فى تركيا فقط، ولكن فى كل ربوع العالم العربى.

 

تعال نغلق معا شاشة التلفاز الخبيثة ونجلس سويا بين جدران مكتبتنا الإسلامية الزاخرة لنقلب معا فى صفحات التاريخ ونتعرف على أحد أعظم ملوك البشرية قاطبةً ، هذا القائد الفذ والملك الشجاع الذى قلما يجود الزمان بمثله، “سليمان القانونى”، أو كما سماه الغرب فى أدبياته “سليمان الرائع” أو “سليمان العظيم”.

 

من هو؟

هو واحد من أعظم ملوك الإسلام، بل من أعظم ملوك الأرض على مر العصور، يكفي أن تعلم أن دولته هي الأقوى والأعظم في تاريخ البشرية (بإستثناء ملك نبى الله سليمان)، هو السلطان سليمان خان الأول بن السلطان سليم الأول بن محمد الفاتح (فاتح القسطنطينية)، تولى مقاليد الأمور فى الدولة العثمانية عام 1520م وهو لم يتجاوز بعد السابعة والعشرين من عمره.

 

وحكم لفترة امتدت لثمانية وأربعين عاما، وبلغت خلالها الدولة قمة درجات القوة والسلطان؛ حيث بسطت سلطانها على كثير من دول العالم في قاراته الثلاث، وامتدت هيبتها فشملت العالم كله، وصارت سيدة العالم يخطب ودها الدول والممالك، وأصبحت القوة العظمى في العالم بأسره بلا منازع، وامتلكت أعتى الجيوش والأسلحة، وأصبحت صاحبة السيادة في البحار والمحيطات، حتى قال المؤرخ الانجليزي (هارولد) عن السلطان سليمان القانونى: ” إن يوم موته كان من أيام أعياد أوروبا”.

 

عهده

كان عهد السلطان سليمان القانونى رحمه الله هو العهد الذهبى للدولة العثمانية على الإطلاق ، وشهد عهده حركة علمية كبيرة في شتى مجالات الحياة ، ونبغ كثير من المبدعين، وارتقت النظم والقوانين التي تسيّر الحياة في دقة ونظام، دون أن تخالف الشريعة الإسلامية التي حرص آل عثمان على احترامها والالتزام بها في كل أرجاء دولتهم، وارتقت الفنون والآداب، وازدهرت العمارة والبناء، وكان السلطان سليمان مشهورا ببناء المدارس.

 

كما أنه رممّ رحمه الله سور القدس القديم الموجود الى الآن، وهو صاحب العيْن الموجودة بعرفة لخدمة الحجيج، وكذلك بنى فى دمشق المدرسة والتكيّة السليمانية، والتى مازالت موجودة إلى الآن وتعرف باسم (التكية السليمانية)، وأمر بتشييد القلاع فى طريق الحج لحماية المسلمين، وكان اهتمامه بالعمران والجمال السبب الذى جعل اسطنبول أو الآستانة عاصمة الخلافة وحاضرة الدنيا، ولم يكن لها في الدنيا نظير فى ذلك الوقت.

 

القانونى

أكثر ما اشتهر به السلطان سليمان واقترن باسمه هو وضعه للقوانين (ولذلك لقب بالقانونى) التي تنظم الحياة في دولته الكبيرة، وقد راعى فيها الظروف الخاصة لأقطار دولته، وحرص على أن تتفق مع الشريعة الإسلامية والقواعد العرفية، ولم يطلق الشعب عليه لقب القانوني لوضعه القوانين، وإنما لتطبيقه هذه القوانين بكل عدالة وصرامة، فلم يكن يفرق قى تطبيقها بين كبير وصغير ولا بين عامة وخاصة.

 

ولهذا يعتبر العثمانيون الألقاب التي أطلقها عليه الأوروبيون في عصره مثل: الرائع، والعظيم، قليلة الأهمية والأثر إذا ما قورنت بلقب “القانوني” الذي يمثّل العدالة.
دولته

ضم السلطان سليمان القانونى إلى الإمبراطورية العثمانية عددا كبيرا من أهم عواصم القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا ، فضم الى الخلافة العثمانية “أثينا” و”بلجراد” و”بوخارست” و”القاهرة” و”تونس” و”الجزائر” و”مكة” و”المدينة و”القدس” و”دمشق” و”بيروت” و”بغداد” وغيرها الكثير من عواصم الأرض، ولم يكن عهد القانوني العهد الذي بلغت فيه الدولة أقصى حدود لها من الاتساع، وإنما هو العهد الذي تمت فيه إدارة أعظم دولة بأرقى نظام إداري.

 

كم صرفتنـــــــــــا يد كنا نصرفها                            وبات يملكنــــا شعب ملكناهُ

استرشد الغرب بالماضى فأرشده                    ونحن كان لنا ماض نسيناهُ

 

معركة موهاكس

إذا سافرت يوما ما إلى المجر، فإنى أنصحك ألا تذكر اسم السلطان سليمان القانونى ولا اسم معركة موهاكس أبدا، فإلى الآن يوجد مثّل شعبى فى المجر يقوله أهلها إذا حدث لهم أمر سيىء ، يتساءلون متعجبين : “أسوأ من هزيمتنا بموهاكس؟!” ، حتى إن بعض الكتّاب سمّى هذه المعركة بأنها المعركة التى أدخلت الرعب على أوروبا.

 

استشاط السلطان سليمان غضباً عندما علم أن الدولة الصفوية الشيعية الخبيثة قد اتفقت مع المجر ضد الدولة العثمانية، وفى 20 من ذى القعدة من عام 1526 م بدأ في التحرك لغزو المجر على رأس جيش قوامه مائة ألف جندى حتى وصل إلى وادى موهاكس بالمجر وعسكر هناك منتظرا جيش أوروبا، وكان يمر بين جنوده يوم المعركة ليحمسهم ويذكرهم بفضل الشهادة، وكان مما قال لهم :” وكأن برسول الله ينظر اليكم الآن”، فلم يتمالك احد من الجند دموعه، وبكى السلطان وبكى كل من حضر.

 

وعلى الجانب الأخر، أتت أوروبا بفلذات أكبادها فى جيش قوامه مائتى ألف مقاتل تجمعوا من المجر وألمانيا واسبانيا وكرواتيا وصربيا والتشيك، ووضع السلطان سليمان خطة بارعة، وبدأ القتال، واشتد، وتقدم الأوروبيين حتى وصلوا إلى المكان الذى يقف فيه السلطان، وحاولوا قتله، وبالفعل أصابوه فى صدره بسهم، إلا أن السهم لم ينفذ الى صدره.

 

وفى ذلك الوقت أُطلقت مدافع المسلمين بسرعة ومهارة فائقة للغاية مما أصاب الجيش المجرى بحالة من الذهول والهلع والرعب وفرّ المجريون المعروفون ببسالتهم وضراوتهم أمام طلقات المسلمين وسيوفهم، وفرّ ملكهم لويس الثانى، حتى غرق فى بحر الدانوب أثناء فراره، وانتصر المسلمون انتصارا لم يُسمع بمثله فى أقطار الدنيا، كل ذلك فى معركة، لم تستغرق من عمر الزمان أكثر من ساعة ونصف!

 

وبعد هذه المعركة تبدلت حسابات أوروبا، وتغيرت خريطة المنطقة، وما اجترأت إحدى من دول أوروبا أن يقوم بأى عمل ضد المسلمين بعد هذه المعركة الفاصلة فى تاريخ أوروبا. حتى قال المؤرخ الألماني الشهير (هالمر) عن السلطان سليمان: “كان هذا السلطان أشد خطرا علينا من صلاح الدين نفسه”.

 

بارباروسا

عندما تقرأ هذه الكلمة ، بالطبع سيرتسم فى ذهنك ذلك القرصان ذو اللحية الحمراء والعين الواحدة، ذلك الرجل الذى يعتدى على السفن ليسرق أهلها، وهذا تزييف أخر للتاريخ قام به الغرب بجدارة حتى يحفر فى أذهاننا وأذهان أبنائنا أن هذا الرجل ما هو إلا قرصان، سارق، لص يغير على الاخرين.

 

وما هذا الرجل إلا البطل المسلم ” خير الدين بربروس” وقد أطلق عليه الأوروبيون لقب “باربروسا” أى (ذو اللحية الحمراء بالايطالية)، كان هذا البطل ذعرا للأوروبيين على السواحل المطلة على البحر المتوسط ووبالا عليهم، حتى أن سكان السواحل الأوروبية فى إيطاليا أو أسبانيا عندما يريدون إسكات أطفالهم يقولون: “اسكت وإلا جئنا لك ببربروسا خير الدين”.

 

وقد أسند السلطان سليمان إلى خير الدين القيادة العامة للأسطول الاسلامى، وخلال سنوات قليلة استطاعت الدولة العثمانية أن تفرض سطوتها وسيطرتها على كل البحر المتوسط ولم ينازعها فى ذلك أحد، وقد قاد خير الدين حملات حربية رائعة ضد الدول الأوروبية على السواحل الاسبانية والإيطالية وحرر مدينة تونس وتلمسان وغيرها من مدن السواحل الإسلامية التى احتلتها أوروبا.

 

أصبح خير الدين بربروس مصدر رعب وهلع للنصارى على السواحل، حتى أنه قام ذات مرة بأخذ 36 سفينة فقط واتجه بها الى الساحل الغربي للأندلس ولم تستطع الأساطيل الأسبانية أو أي أسطول اوروبى آخر أن يتدخل خوفا منه.

 

وفاته

عند دفن السلطان سليمان، وجدوا فى قبره صندوقا يحوى رسائل متبادلة بينه وبين العلماء يستفتيهم فى بعض الأمور، فبكى شيخه وقال: “أتعبتنا حيا وميتا، تريد أن تلقى ربك بريئا حتى تتبرأ من كل شىء فعلته وتلصقه بظهورنا”، فكيف بالله عليك يُوصف مثل ذاك الورع بزير نساء؟!

 

إن أوروبا التى تستقبل اليوم قوارب اللاجئين السوريين بالعطف والاحسان تارة، وتارةً أخرى بالشدة والحزم ، كانت ومنذ عقود قليلة هى نفسها أوروبا التي تستقبل أخبار الخلافة العثمانية بالكثير من الإجلال والرهبة، أو ربما استقبلت جيوش المسلمين كفاتحين ، فالبون شاسع بين هذا الاستقبال وتلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!