يقال إن «التاريخ هو العمق الاستراتيجي لمن يبتغي صناعة المجد في الحاضر والمستقبل». ولطالما اعترض على عبارة الدراما التاريخية، وذلك لسبب بسيط، وهو أن العمل الدرامي ليس من وظيفته السرد التاريخي. إذ لا بد أن يأخذ على عاتقه تبليغ المشاهد رسالة وعي.

ويخطئ من يظن أن العمل الثقافي بصفة عامة هو مجرد تخليد لزمن ما، أو لشخصية معينة، بل الأمر أضحى يتعدى مجرد الذكرى ليصل لبناء لإعادة طرح ما كان مستورًا ومغيبًا بفعل من انتصر وكتب التاريخ على هواه. فتصبح تلك «الحقيقة» التي أظهرها المنتصر محل تساؤل ومجرد وجهة نظر.

ويبدو أن سردار أكار مخرج مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني «عاصمة عبد الحميد باللغة التركية Payitaht Abdülhamid» قد فكر في كل ما قيل. واتجه مع مؤلفي السيناريو لوضع وجهة متجددة للدراما التركية، التي تطل على ماض ليس بالبعيد جدًّا. فترة الثلاث عشرة سنة الأخيرة للسلطان عبد الحميد الثاني – رحمه الله- كانت فترة جد معقدة وصعبة على الأمة الإسلامية كاملة. قبلها بقليل كانت الأمة قد فقدت أحد أهم أجزائها مثل تونس 1881، ومصر 1882، وقبلهما بلغاريا والبوسنة.

فكانت إذن الصورة التي انطلقت فيها أحداث المسلسل فرصة حقيقية لأي حاكم لأن يختبر مهاراته وحنكته في إدارة الدولة. لكن، بقدر ما كان هذا العمل الدرامي متسقًا مع الفترة الزمنية التي تدور فيه أحداثه، بقدر ما كانت أضواؤه الآنية ورسائله لواقعنا هذا واضحة المعالم، ولا ينكرها إلا من أصر على تناول المسلسل من زاوية ضيقة بحتة. علاوة على تفنيده لبعض السخريات التاريخية مثل مقولة السلطان الأحمر، فإنه سلط الضوء على إحراجات آنية، هدفها لفت النظر لما هو مستور تحت ستائر الكواليس. وهذا ما أشرت إليه في أول المقال، بأن العمل الثقافي يتجاوز مصطلح التخليد، ليصل لوظيفة توعوية ذهنية تنبه لوقائع نعيشها يوميًّا تفك شفرتها وتبسط رموزها.

هذه الرسالة تظل دائمًا هي محور كل مشهد من مشاهد هذا المسلسل الذي يتجاوز بكونه عملاً دراميًّا فنيًّا، ليستدعي في كل من يشاهده ببصيرته أن تكون له عين على ما هو دائر حوله عبر إشارة التاريخ. إن المغزى من هذا القول هو أن فهم الحاضر لا يكون إلا عبر الغوص في خفايا التاريخ وليس التأريخ.

إن شخصية السلطان عبد الحميد تخفي في داخلها عوالم عدة، تتكامل فيما بينها لتصل نحو طرح يجدر تأكيد السؤال فيه بإلحاح: أي صورة يجب أن تكون للحاكم؟ أي منهجية ناجعة لقيادة الدولة زمن الأزمة؟ لا أحد يفوته وهو يتابع المسلسل أن السلطان عبد الحميد كان دائمًا محاطًا بثلاث شخصيات رئيسية، تمثل كل واحدة منها منحى ومعنى.

الشخصية الأولى شخصية تحسين باشا: هذه الشخصية ملازمة للسلطان تقريبا في كل مشاهد المسلسل. وما يميز تحسين باشا أن يبدو رقيق القلب هادئ الطباع، وهو ما يوحي بالرحمة التي يجب أن تتوفر في الحاكم، وأن يكون لين القلب ليجتمع الناس من حوله، ولا يكون فظًّا فيكون منفرًا.

ويستنتج من ذلك أن الشدة لا تكون حلًّا في بعض المواقف التي تستوجب التعامل بهدوء دون إحداث الضوضاء. وشخصية تحسين باشا تكمن محوريتها أيضًا في كون وجود شخص يلازم الحاكم، يكون مركز تجمع لأسرار عميقة. وليس من فراغ أن يصطحب السلطان «صديقه» للحلقات الصوفية ولصلاة الفجر دائمًا، لما يمثل ذلك من راحة للنفس وصفاء للروح، يكون فيها الشخص مع أقرب الناس لقلبه.

الشخصية الثانية تناوب على أدائها أكثر من شخص، فبدأها الغازي عثمان باشا، ثم استلمها رئيس المخابرات أحمد جلال الدين باشا: تمثل الشدة والقوة. فما من حاكم إلا ولا بد أن يكون خيار القوة مطروحًا بيده. فعنصر الشدة أو القوة هي التي يحقق بها الحاكم سلطته.

وهذه القوة ليست قوة عشوائية، بل هي مدروسة في المجال، والزمان، والمكان. فعندما يكون الحل الدبلوماسي عاجزًا عن تحقيق الهدف، هنا تتدخل القوة. معنى ذلك أن الهدف وتقدير الموقف هما اللذان يحددان مرماها. ومهما تعددت الأساليب المعتمدة على مر شخصيات المسلسل، فإن إحاطة السلطان بشخصيات مثل عثمان وأحمد جلال الدين وتخللهما فهيم، ومراد، وخليل خالد يجعل العقل الباطني للمشاهد يدرك أن القوة المدروسة الموجهة مكون أساسي محوري في حسم الملفات التي تهدد سلامة الدولة والمواطن.

الشخصية الثالثة هي شخصية محمود باشا: هذه الآلة السياسية هي وجه الذكاء والفطنة. وأصبح الرأي السياسي وما يسمى بالتكتيك والخداع عنصرًا مهمًّا في منهجية التعامل مع العدو، خصوصًا عندما يتجول في المحيط.

مغزى وجود شخصية محمود باشا هي أن الرؤية السياسية لا يجب أن تغيب عن فكر الحاكم، وإذا ما حاد عنها وجب إرجاعه إليها من طاقم مستشاريه والبطانة التي حوله.

ورغم طرافة شخصية محمود باشا «أكل الدجاج بنهم والبسطرمة، وبعض السلوكيات الملفتة للنظر» فإن الجدير بالملاحظة هو أن المشاهد لا يستطيع التمييز بين حالة الجد وحالة الهزل التي يكون عليها العقل السياسي، وهذا مهم جدًّا في العلاقة بالعنصر التي تمت الإشارة له، وهو خداع العدو وتلبيس الأمر عليه. وهذا ما مكن السلطان من عدة اختراقات في صف العدو. وآية ذلك في الحلقة 82 عندما عجز أحمد جلال الدين باشا «عنصر القوة» في اعتقال الذين ينوون تشكيل حكومة موازية في باريس، وتمكن محمود باشا «الذكاء السياسي الذي يخدع العدو» من استدراجهم واعتقالهم.

نلاحظ بالتالي تجمع ثلاثية السكينة، القوة، الذكاء في محيط السلطان، لم يكن بالأمر العبثي. بل إنه تصميم من مؤلف والمخرج بأن يكون المشاهد على وعي بالحركية الدائمة بين عناصر الحكم والرؤية التي يقوم عليها الحكم، وكذلك الوعي بالتحرك الجماعي ضرورة لهذه الثلاثية في كل مواضع المسلسل.

إن رسالة مسلسل عاصمة عبد الحميد تتجاوز حتى إصلاح بعض المعطيات التاريخية، ليستقر على فكرة حضور الغائب في الشاهد. معنى ذلك أن يتكون في ذهن المشاهد جذور الواقع المعقد المبهم الذي يعيشه، والذي يبذل مجهودًا لفهمه. فيشير له التاريخ ببعض المؤشرات والومضات الخفية بأنه أمام مشهد مشابه لما هو في المسلسل، لذلك تتكرر بعض المقولات التي تمثل مفتاحًا لفك شفرة الحاضر، وأن ما وصلت إليه الأمة الآن يمتد جذوره لما لتلك الفترة التي تكونت فيها جبهة غربية، شتت الأمة، وصنعت عداوة مختلقة بأكبر مركز للقوة السياسية في الإسلام.

هذه الثلاثية تمتد لتستقر في وجدان كل مسلم بأن يكون لينًا ورحيمًا مع أخيه، شديدًا على كل من يلعب على بعض الفوارق العرقية أو المذهبية رغبة في تمزيق صف المسلمين، له من الذكاء والفطنة أن يفهم ويعي مكونات واقعه ويفككه في ذهنه من أجل التعامل معه بما ينبغي له أن يكون.

إنها دعوة لاستحضار معاني التجميع والتوحد في استرجاع دعائم قوة المسلمين، وذلك من خلال التذكير دائمًا أن المصير والتاريخ واحد، وأن ما يجتمع عليه المسلمون أكثر مما يفرقهم وأن الخلاف مؤقت واستثناء. لذلك، إنه من الحتمي القول إن الرهان ثقافي يرتكز على عنصر امتداد التاريخ في النظر والتحقيق لدى كل شخص يعيش في البلاد العربية والإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد