يقول جورج أنطونيوس في كتابه (يقظة العرب): إن أول عمل منظم في حركة العرب القومية بدأ عام1875، بقيام خمسة شباب من الذين تلقوا العلم في الكلية السورية البرتستانتينية في بيروت بتشكيل جمعية سرية.

وقد كان ذلك قبل تولي السلطان عبد الحميد بسنتين، وكانوا جميعا من النصارى، إلا أنهم أدركوا ضرورة إشراك المسلمين والدروز معهم، فاستطاعوا بعد مدة من الزمن أن يُدخِلوا 22 عضوًا ينتمون إلى الطوائف المختلفة ويمثلون خواص المتنورين في البلاد.

يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه (الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترَى عليها): أفاقت الحكومات والشعوب الأوروبية التي خضعت للدولة العثمانية لتجد نفسها تخضع ولأول مرة في تاريخها لحاكم مسلم، ومن ثم عملت جاهدة على تصفية هذا الوجود الإسلامي العثماني من أراضيها.

إعدام الشرق والطريق الثالث

بداية أقول: ما سقطت دولة من الدول، إلا إذا سرَى تحت إهابها داءان: داء الضعف، وداء الخيانة. أما بقية الأدواء فتأثيرها يأتي تباعًا.

وُلِدَ عام 1842، تولى الخلافة عام 1876، إنه السلطان المظلوم، إنه الحاكم الذي يوم أن جلس على عرشه شعر وكأن الكون كله يحاربه رغبة في القضاء عليه وعلى دولته. إنه السلطان عبد الحميد الثاني الذي تولى الخلافة وسط أجواء عالمية صعبة معقدة؛ فلقد كانت أطماع العالم الغربي في العالم الإسلامي قد بلغت أوجها، ولقد كانت الأوضاع الداخلية غير مستقرة، فضلًا عن الرغبة العربية في الخلاص من الحكم العثماني تأثرًا بنزعات القومية المستوردة التي لعبت بعقول بعض قادة الرأي والمثقفين والأدباء وأصحاب الأطماع في أقطار مختلفة كانت خاضعة لحكم الدولة العثمانية، ومن ثم كان لِزامًا عليه محاربة كل تلك الأطماع والتقلبات؛ حتى يستقر مُلكه، وحتى يبقى على عرشه. فيا تُرى هل استطاع ذلك؟

إذا ما ألقينا نظرة سريعة على الأوضاع الداخلية والخارجية، فسوف نقف على حقيقة المحنة التي عاشها ذلك السلطان. فلقد بدأ عهده بمواجهة مشكلات متعددة كتمرد الصرب والجبل الأسود، وكان الوضع في جزيرة كريت مضطربًا.

وفي عام 1877، أي بعد جلوس السلطان عبد الحميد على عرشه بعام تقريبًا، أعلنت روسيا الحرب على العثمانيين، وتلك الحرب كانت بمثابة النكبة على الدولة العثمانية وقتئذ؛ إذْ لم تكن النتيجة خسارة الأرض وفقط، كلا، بل صاحَب ذلك عملية تهجير لمليون مسلم عثماني من بلغاريا إلى إسطنبول، ومما لاشك فيه أن تلك الهجرة قد ساعدت على إبراز المشاكل الاجتماعية، وهذا ما يجعل الدولة مضطرة إلى الاستدانة من الخارج، فضلًا عن أنها كانت مثقلة بالديون، وقد وصلت ديون الدولة العثمانية إلى 300مليون ليرة ذهبية عام 1881، وهذا رقم ضخم جدًا وقتئذ، ولقد استطاع السلطان تخفيض هذا الدين ليصبح أقل من ذلك بنسبة كبيرة.

وتجدر الإشارة هنا إلى العروض المادية والمساعدات الضخمة التي عرضها اليهود من خلال الصحفي اليهودي النمساوي تيودور هرتزل على السلطان عبد الحميد ليمكنهم السلطان من بعض الامتيازات على أرض فلسطين، لكنه قاومها رافضًا إياها، رغم الاحتياج، وذلك كى لا يفرط في شبر واحد من الأرض المقدسة. ولقد أدى تمسكه بهذه المبادئ إلى  إشعال نيران الغضب في صدور اليهود وأعوانهم من الدول الأوروبية، على سلطان المسلمين.

كل ذلك وغيره تسبب في إرباك الداخل، وأيضًا صنع مناخًا يساعد كثيرًا على نسج المؤامرات. وهنا تُفتَح أمام الأيادي الخارجية العابثة كل الثغرات.

لم يقف السلطان مكتوف الأيدي؛ فشرع في الإصلاح وفق التعاليم الإسلامية لمنع التدخل الأوروبي في شئون الدولة، ولقد كان رحمه الله حريصًا على تطبيق الشريعة، وقام أيضًا بإبعاد الكُتَّاب والصحافيين عن العاصمة، وقاوم كل الاتجاهات العربية المخالفة للحضارة الإسلامية في ربوع الدولة. لقد حقق السلطان عبد الحميد نتائج عظيمة مبهرة أدت إلى تكالب العالم الغربي على دولته بغية تفتيتها.

عام 1890 كان الظهور الأول لحزب الاتحاد والترقي، وهو أول حزب سياسي في الدولة العثمانية، وكان تجمعًا سريًا في بدايته مكونًا من خلايا طلبة الحربية والطبية العسكرية. تأسس ذلك الحزب بهدف معارضة الحكم والتخلص من السلطان. وعند اكتشاف تلك المؤامرة نُفي بعض أعضاء الاتحاد والترقي وفرَّ البعض الآخر.

في فبراير (شباط) 1902 عُقِد في باريس, قيل عنه أنه مؤتمر للأحرار العثمانيين، وإلى هذا المؤتمر حضر كل معارضي السلطان عبد الحميد تقريبًا، وعلى رأسهم أعضاء الاتحاد والترقي. وكان من ضمن قرارات هذا المؤتمر تقسيم الدولة العثمانية إلى حكومات مستقلة ذاتيًا على أساس عرقي قومي. طالب المؤتمرون أو المتآمرون من الدول الأوروبية التدخل لإنهاء حكم السلطان عبد الحميد وإقصائه عن العرش.

افتتح الاتحاد والترقي فروعًا كثيرة في أنحاء مختلفة، وكان التركيز على الأقطار العثمانية بهذه الفروع التحق الضباط الشبان من رتبتي ملازم ويوزباشي، ثم بدأ دخول ضباط آخرين من أصحاب الرتب الكبيرة، حتى تردد أن كل ضباط الجيش العثماني الثالث الذي كان متواجدًا في منطقة البلقان في عام1908، منضمون إلى الاتحاد والترقي، وكان من بينهم أركان حرب قول أغاسي (مصطفى كمال أفندي أتاتورك فيما بعد).

لقد كان عصر السلطان عبد الحميد شاهدًا على حياكة المؤامرات تلو المؤامرات الداخلية والخارجية لإسقاط الدولة وبطبيعة الحال لابد وأن يكون للدعوة دور من خلال العلماء والدعاة، فلقد أرسلت الدولة العثمانية وعَّاظها وعلماءها إلى الأمصار والأقطار لتحذر من تلك النزعات التغريبية المدمرة التي يتبناها أعضاء الاتحاد والترقي وغيرهم, هذا مع توضيح ادعاءاتهم البرَّاقة المُزيفة والإشارة إلى التوترات التي تشهدها الدولة والتي كانت من تدبيرهم وصناعتهم، ثم التحذير من افتراءاتهم على السلطان كقولهم بأنه حرق المصاحف ولما كانت تلك التحذيرات تؤتي ثمارها لجأ أعضاء الاتحاد والترقي إلى الجيش المُعسكر في مقدونيا يلتمسون منه العون حتى لا يتمكن السلطان عبد الحميد منهم.

أصدر القائد الأعلى للقوات في مقدونيا أوامره بتحرك جيشَى مقدونيا الثاني والثالث نحو القسطنطينية، وأُسْنِد إلى مصطفى كمال أتاتورك قيادة أركان الحرب، وفي الفترة ما بين مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 1909 تم عزل السلطان، وهذا التأريخ بحسب ما ورد في كتاب الطريق إلى بيت المقدس، ثم مذكرات السلطان عبد الحميد الذي رفض إصدار الأوامر لجيشه أن يدخل في حرب تراق فيها الدماء. ولقد تم تحديد إقامة السلطان بفيلا في مدينة سالونيك التي كانت تعج بالاتحاديين، ثم نقلوه أثناء الحرب العالمية الأولى إلى اسطنبول معتقَلًا.

وهنا تجدر الإشارة إلى خلاف واضح حول دور كمال أتاتورك في عزل السلطان عبد الحميد الثاني، فإن الدكتور جمال عبد الهادي قد ذكر في كتاب الطريق إلى بيت المقدس أن عزل السلطان كان على يد جمعية الاتحاد والترقي التي كان أتاتورك أحد أهم أقطابها، أما صاحب كتاب الذئب الأغبر، فقد ذكر أن أتاتورك كان رئيسًا للأركان وقتئذ.

وأقول: إن الذي سطع نجمه بعد ذلك هو أتاتورك، ثم إن أعداء المسلمين غالبًا ما يبحثون عن مركز القوة داخل الدولة المستهدفة، ثم يحددون مجموعة يتم تكليفها بالمهمة, ومن بين تلك المجموعة يقع اختيارهم على الزعيم الذي سوف يصَدِّرونه للجماهير بعد ذلك.

رحم الله السلطان المظلوم الذي قال عن المؤامرات التي حيكت له من جانب أعدائه: لم تكن لديَّ الطاقة ولا القوة لمحاربة الدول الأوروبية، لكن الدول الكبرى كانت ترتعد من سلاح الخلافة.

وخوفهم من الخلافة جعلهم يتفقون على إنهاء الدولة العثمانية.

وأخيرًا فهذا هو الفيلسوف التركي رضا توفيق، وهو من كبار الاتحاد والترقي، وكان أحد أهم المعارضين للسلطان عبد الحميد قد كتب قصيدة اعتذار للسلطان المظلوم بعد وفاته قال فيها:

عندما يذكر التاريخ اسمك

يكون الحق في جانبك ومعك يا أيها السلطان العظيم

كنا نحن الذين افترينا دون حياء

على أعظم سياسيي العصر

قلنا إن السلطان ظالم وإن السلطان مجنون

قلنا لابد من الثورة على السلطان

وصدَّقنا كل ما قاله لنا الشيطان

وعملنا على إيقاظ الفتنة.

إعدام الشرق والطريق الثالث.. أُكمِل ما تبقى في مقالات قادمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الذئب الأغبر مصطفى كمال .. لأرمسترونج
يقظة العرب .. لجورج أنطونيوس
مذكرات السلطان عبد الحميد
الطريق إلى بيت المقدس للدكتور جمال عبد الهادي
الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية .. للدكتور مصطفى حلمي
الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها .. للدكتور عبد العزيز الشناوي
تجديد الفكر القومي .. للدكتور مصطفى الفقي
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!