السلطان عبد الحميد الثاني هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، تولى عرض الدولة وهو في سن 34 من عمره. تلقى تعليمًا منتظمًا في القصر السلطاني على أيدي نخبة مختارة من أشهر رجال زمنه علمًا وخلقًا. كما كان محبًّا للقراءة والمطالعة، كثير الصمت، قليل الكلم، جيد الاستماع إلى الغير.

وتدرب على استخدام الأسلحة وكان يتقن استخدام السيف، وإصابة الهدف بالمسدس، ومحافظًا على الرياضة البدنية، وكان يتابع السياسة العالمية بعناية فائقة ودقة نادرة.

استوى عبد الحميد الثاني على العرش، فوجد خزانة مفلسة، وجندًا عزلًا، وعناصر مولعة بالقومية الجميلة، وشعبًا تواقًا للحكم البرلماني، وإلى جانب ذلك مؤامرات دولية على الدولة العثمانية من الداخل والخارج، فشرع في إصلاح الدولة وفق التعاليم الإسلامية لمنع التدخل الأوروبي في شؤون الدولة.

1- تخفيض الديون

استلم عبد الحميد الثاني الحكم، فوجد أن العجز في الميزانية العثمانية لذلك العام (1875)، قد بلغ 5 مليون ليرة عثمانية، وأن ديون الدولة نفسها فقد بلغت 300 مليون ليرة.

وهذا ما دفع بالسلطان إلى اتخاذ تدابير مالية صارمة، بدأها بنفسه وبالقصر السلطاني. وبدأ حملته ضد الإسراف في الدولة بترك الكماليات في قصره من البذخ والترف. وعجزت الدولة عن إيواء المهاجرين المسلمين ممن طردهم الأوروبيون من أراضي الدولة في البلقان. فقام السلطان ببناء مساجد ومساكن لهم من ماله الخاص. واتخذ العديد من الخطوات الحازمة، فتمكن من خفض الديون من 300 مليون ليرة إلى 30 مليون ليرة فقط.

2- تعطيل مجلس المبعوثان

وجد السلطان عبد الحميد الثاني بعد حكمه أن الثوار الذين عزلوا عمه، ثم أخاه، دفعوه إلى إعلان أول مجلس نيابي عثماني، هو مجلس المبعوثان، وبسببه دفعت الدولة إلى حرب خاسرة مع روسيا. فنتبه السلطان أن الثوار عن طريق هذا المجلس قد ورطوا الدولة في كوارث كان من الممكن تجنبها، لذلك أعلن السلطان بعد توليه بحوالي عامين، تعطيل العمل بمجلس المبعوثان إلى أجل غير مسمى عام 1878.

3- انبهاره بالتقدم العلمي

انطبع في ذهن عبد الحميد أثناء رحلته إلى أوروبا: أن فرنسا دولة لهو، وإنجلترا دولة ثروة وزراعة وصناعة. أما ألمانيا فهي دولة نظام وعسكرية وإدارة. وإعجابه بالتقدم العلمي والتقني، دفعه أثناء سلطنته إلى الاهتمام بإدخال المخترعات الحديثة في دولته في مختلف نواحي الحياة منها: شراؤه غواصتين، وكان سلاح الغواصات جديدًا، وأدخل التلغراف إلى بلاده من ماله الخاص، وأنشأ المدارس الحديثة، وأدخل إلى البلاد أول سيارة وأول دراجة، وأخذ بنظام القياس المتري. كما وقف بحزم ضد سريان الفكر الغربي في البلاد.

ولم يعرف عن عبد الحميد الثاني تأثير أي حاكم أوروبي عليه، مهما كانت درجة التقارب بين البلدين.

ويقول الروائي التركي (ناهد سري أوريك) مؤلف رواية «عند سقوط عبد الحميد»: إنه لم يفهم حقيقة السلطان عبد الحميد إلا متأخرًا، لكنه عندما فهمه قدره واحترمه، ويقول «لم يكن عبد الحميد مجنونًا يخاف من ظله، دمويًّا ظالمًا كما ادعوا عليه، وضللونا بل كان على العكس تمامًا».

4- محاربة الماسونية والصهيونية

عندما اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني العرش، كانت النخبة المثقفة المسيطرة على الإدارة والإعلام أعضاء في المحافل الماسونية، وبالذات في محفل «سر» الأرمني التابع للمحفل الفرنسي الكبير، وكذلك رؤوس جمعية الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة، حتى إن السلطان نفى رئيس وزرائه الماسوني مدحت باشا. وكان يرى أن فكر الماسونية علماني الوجهة مخالف لتكوين الدولة الإسلامية والفكر الإسلامي. وبذلك أعلنت الصهيونية الحرب على السلطان.

فقام ثيودور هرتزل زعيم الصهيونية بزيارة إلى إسطنبول بعد حصوله على تأييد أوروبي من (ألمانيا، بريطانيا، فرنسا)، وطلب من السلطان عبد الحميد الثاني تسليم فلسطين لتوطين اليهود، ويروي هرتزل في مذكراته أنه عرض على السلطان العثماني 20 مليون ليرة تركية ثمنًا للتنازل عن فلسطين، فكان رد السلطان واضحًا بالحرف الواحد:

«لا أستطيع أن أتنازل على شبر واحد من الأراضي المقدسة، لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي. وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم. إذا مزقت دولتي، من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولًا في جثتنا، ولكن لا أوافق على تشريح جثتي وأنا على قيد الحياة».

5- إنشاء الجامعة الإسلامية

لم تظهر فكرة الجامعة الإسلامية، في معترك السياسة الدولية إلا في عهد السلطان عبد الحميد، فقد تكلم في مذكراته عن ضرورة العمل على تدعيم أواصر الأخوة الإسلامية بين كل مسلمي العالم في الصين، والهند، وأواسط أفريقيا وغيرها.

كانت فكرة الجامعة الإسلامية في نظر السلطان عبد الحميد يمكن بها أن يحقق أهدافًا منها:

– مواجهة أعداء الإسلام المثقفين بالثقافة الغربية، الذين توغلوا في المراكز الإدارية والسياسية والعسكرية الحساسة.

– محاولة إيقاف الدول الاستعمارية الأوروبية وروسيا، عندما تجد أن المسلمين قد تكتلوا في صف واحد.

– تأخذ الوحدة الإسلامية الجديدة دورها في التأثير على السياسة العالمية.

ولقد التفت مجموعة من العلماء ودعاة الأمة الإسلامية إلى دعوة الجامعة الإسلامية من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومصطفى كامل من مصر، وأبي الهدى الصيادي من سوريا، وعبد الرشيد إبراهيم من سيبريا، والحركة السنوسية في ليبيا وغيرها.

6- مراقبته للمدارس ومحاربته للسفور

عندما تولى السلطان عبد الحميد السلطة رأى أن المدارس، ونظام التعليم، أصبح متأثرًا بالفكر الغربي، فتدخل في شؤونها ووجهها إلى الدراسات الإسلامية من خلال:

– وضع دروس الفقه والتفسير والأخلاق في برامج الدراسة.

– الاقتصار فقط على تدريس التاريخ الإسلامي بما فيه العثماني.

– جعل مدارس الدولة تحت رقابته الشخصية ووجهها لخدمة الجامعة الإسلامية.

– اهتم بالمرأة وجعل للفتيات دارًا للمعلمات ومنع اختلاطهن بالرجال، وحارب السفور، وهاجم تسرب أخلاق الغرب إلى بعض النساء العثمانيات.

– إنشاء مدرسة العشائر في إسطنبول لإعداد أولاد العشائر العربية وتعليمهم.

7- إنشاء خط سكة حديد الحجاز

اعتبر السلطان عبد الحميد أن هذا المشروع سيؤدي لإعلاء شأن الخلافة ونشر فكرة الجامعة الإسلامية، من خلال إجبار الولايات المتباعدة على الاندماج في الدولة والاشتراك في الدفاع عن الخلافة، وتسهيل مهمة الدفاع عن الدولة في أي جبهة من الجبهات التي تتعرض للعدوان. وبلغت تكاليف المشروع أزيد من 4 مليون ليرة عثمانية.

وكان أول قطار قد وصل إلى محطة سكة الحديد في المدينة المنورة من دمشق عام 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنسبة لملايين من المسلمين في أنحاء العالم.

8- تشكيل جاهز مخابرات

استطاع السلطان عبد الحميد أن يشكل جهازًا استخباراتيًّا قويًّا لحماية الدولة من الداخل وجمع معلومات عن أعدائه في الخارج، وفي هذا الصدد يقول: «أسست هذا الجهاز المرتبط بشخصي مباشرة، لا ليكون أداة ضد المواطن، ولكن لكي أعرف وأتعقب الذين خانوا دولتي».

وكان نجاح هذا الجهاز في إبطال مخططات الأعداء باهرًا، فعندما حرضت بريطانيا الأكراد، ودفعتهم للانفصال عن الدولة العثمانية. كانت المخابرات تتابع الأمور بدقة متناهية، ووضع السلطان خطة مضادة تتمثل في:

– حماية المواطنين الأكراد من هجمات الأرمن الدموية ضدهم.

– إرسال وفود من العلماء إلى عشائر الأكراد للنصح والإرشاد، وإيقاظ الأكراد تجاه الأطماع الغربية.

– تأسيس الوحدات العسكرية الحميدية في شرق الأناضول من الأكراد، للوقوف أمام الاعتداءات الأرمنية.

وبهذا استطاع التصدي لهذا المشروع البريطاني الخبيث بتأليب الأكراد على الدولة العثمانية.

ومن المواقف التاريخية التي سجلت لصالح السلطان عبد الحميد: أنه كان يملك القوة لوقف مواصلة جيش الاتحاد والترقي الماسوني والقادم من سلانيك لإسقاطه، ومع ذلك فقد أمر السلطان بألا يخرج الجيش المتمركز في إسطنبول من ثكناته، كما أصدر أمرًا بعدم الاشتباك مع الجيش القادم. وفي هذا يقول:

«لم أحب أن أريق دماء جنودي. كنت أرى أن الأمة لم تعد تثق بي».

ونختم بقول سعيد الأفغاني: «يرحم الله عبد الحميد. لم يكن في مستواه وزراء، ولا أعوان ولا شعب. لقد سبق زمنه. وكان في كفايته ودرايته وسياسته وبعد نظره، بحيث استطاع وحده بدهائه وتصرفه مع الدول، تأجيل انقراض الدولة ثلث قرن من الزمان. لو وجد الأعوان الأكفاء والأمة التي تفهم عنه لترك للدولة بناء من الطِّراز الأول».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد