“وكم لأمير المؤمنين مآثر *** بهن صنوف الناس تدري وتعلم

ويشهد حتى الأجنبي بفضله *** فكيف يسيء الظن من هو مسلم

سلام على العهد الحميدي إنه *** لأسعد عهد في الزمان وأنعم

بهذه الأبيات رثى الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي السلطان عبد الحميد رحمه الله, هذ الاسم الذي مثل لجيلي الشخصية المفترى عليها تاريخيا, أو الشخصية المستبدة المكرسة  لحالة الظلام والتخلف كما يحلو للقوميين والعلمانين أن يرددوا, وقد رسموا في مناهجنا الدراسية تلك الصورة وحولوها لشكل نمطي للحكم الاستبدادي.

أما وقد اهتزت الصورة النمطية لعبد الحميد رحمه الله كمستبد, وتضعضعت أمام الدراسات الجدية لعصره خاصة بعد تفتت الاتجاه القومي, فإن المدافعين عنه من الإسلاميين تناولوا بالعموم شخصيته بالمدح والتبجيل من باب الرد بالرد, وقلة هم من درسوا أفكاره بشكل نقدي واستعادوا المفيد منها وأظهروا الخاطئ فيها لتحدث من خلالها فائدة في عصرنا الحالي.

رحم الله السلطان الذي توفاه الله في التاسع من شباط 1918 فقد كان اسمه شئنا أم أبينا فاعلا مؤثرا في تاريخ بلادنا وأمتنا, وأنا هنا لست بمعرض الرثاء للسلطان في ذكرى وفاته, ولكني سأقترب منه بفكرة الجامعة الإسلامية, خاصة وأننا نمر بعصر جديد من التشرذم الذي حول المنطقة الإسلامية في الشرق الأوسط لمجموعة من الكانتونات المتصارعة في ما بينها صراع الوجود.

حقيقة ربما لا يكون السلطان أول من تحدث عن الجامعة الإسلامية, ففكرة وحدة المسلمين فكرة أصيلة في شرعهم وإن غابت كثيرا عن واقعهم, لكن عبد الحميد كان أول من أطر هذه الفكرة في العصر الحديث في قالب واقعي مستفيدا من مركزه كرأس لأحد أكبر دول العالم في وقتها, فقد أدرك حجم المخاطر التي تهدد الكيان العثماني المتراجع في ذلك العصر.

سعى السلطان نحو وحدة تشد كل مركبات الأمة سواء من هم رعايا عثمانيين أو من كانوا بعيدين يخضعون لاستعمار الإنكليز أو الفرنسين.

عاد السلطان للتركيز على منصب الخلافة باعتباره منصبا جامع للمسلمين, وعمل على نشر الدعاة خاصة من رجال الطرق الصوفية مستفيدا من تأثيرهم على عموم الناس للتبشير بالفكرة في كل البلاد مواجها الفكر القومي الذي بدأ يفرق بين المسلمين,  فأولى الولايات العربية أهمية كبرى فتطورت الكثير من المراكز وشهدت نهضة اقتصادية جيدة مقارنة بوضع الدولة كدولة صاحبة دين كبير وتتعرض للحرب تلو الأخرى, فالناظر لحال حلب وبيروت كمثال في العهد الحميدي يدرك ذلك.

أم درة تاج ذلك السعي الحميدي كان في مشروع سكة حديد الحجاز الذي مول بأموال إسلامية, وهو انتصار كبير وفكرة مهمة أن تتخلص من القروض في تمويل المشاريع الحيوية الضخمة, ولا شك أن الإنكليز وعوا خطورة هذه السكة فأوعزوا للثوار العرب بتدميرها ولم نعد نرى من ذلك الخط سوى محطاته الرئيسية في المدينة المنورة ودمشق وغيرها من المدن, فيبدوا أن الفيتو عليه لا زال قائما إلى يومنا هذا, أو أننا لم نعد نولي التواصل بين شعوبنا أية قيمة.

أدرك السلطان خطر الهويات الجديدة القديمة على وحدة المسلمين فعمل على احتواء الشيعة من جديد وتطويق خطر الدولة القاجارية, خاصة وأن إيران منذ عهد الصفويين سببت أرقا شديدا للمسلمين السنة, وقد قال في ذلك: “عدم وجود تفاهم مع إيران أمر جدير بالتأسف عليه, وإذا أردنا أن نفوت الفرصة على الإنجليز وعلى الروس فإنا نرى فائدة في وجود تقارب إسلامي في هذا الأمر” وقد كان لهذه السياسة أثرها التي رصدها لنا السفير البريطاني في إيران في أحد تقاريره: “إن الكراهية والغيرة القديمتين بين المحمديين السنة والشيعة قد تضاءلت كثيرا في الوقت الحاضر، رغم أنها لم تصبح بعد من مخلفات الماضي، وهذا الوضع الجديد يُعْزَى إلى أعمال السلطان الذي يقوم سفيره في طهران بالاحتفاظ بعلاقة وثيقة بقادة الاتجاه الديني، كما يقوم السلطان نفسه بإرسال هدايا إلى كبار العلماء الإيرانيين, ويقال بأن واحدا من أبرزهم عميل سياسي سري له. وقد فوجئت لسماع الثناء على السلطان الذي كان إلى فترة قريبة يعد مستحقا للعنات بصفته خليفة عمر، ولا بد أن هذا الثناء ليس مخلصا جدا”.

على المستوى الثقافي دعم السلطان انتشار اللغة العربية وساعد في طباعة الكتب الإسلامية ونشرها في الولايات كونها هي الوعاء الجامع الرابط للإسلام باعتبارها لغة كتابهم, بل أشار على الصدر الأعظم خير الدين التونسي بجعلها اللغة الرسمية للدولة لكنه لم ينفذ مسعاه تحت ضغط رجال الدولة الأتراك.

لو فكرنا بهذه الفكرة والسياسة وما يجري حاليا من تدمير ممنهج لدولنا دونما عمل إسلامي موحد, للاحظنا مدى التراجع الذي أصاب الأمة كشعوب وحكام,  فالحديث عن مصير إسلامي مشترك لم يعد يتجاوز البروتوكولات, بل إن العداء الطائفي والمذهبي والطرقي داخل المذهب الواحد تجذر لدرجة تؤدي يوما بعد يوم لمزيد من التدمير والتخريب والتفرقة, وصرنا بدل الالتفاف حول دولنا نلتف حول السيد الأمريكي ونحارب بعضنا في فلكه.

أما على المستوى الثقافي فقد تراجعنا كعرب نحن الذين ظللنا ردحا من الزمان نأخذ على الأتراك تغير لغتنا ونشر التركية بيننا عن دعم اللغة العربية ممهدين لانهيارها وانتشار الإنكليزية حتى في الثقافة الشعبية.

في النهاية فإن الفشل قد أصاب الجهود الحميدية وتمكن أعداؤه من تدمير ما بنى لأسباب موضوعية كثيرة لا تنتقص من جهود السلطان, وربما نناقشها في مقال آخر ولكنها تبقى تجربة رائدة يمكن الاستفادة منها والبناء عليها.

إن المطلوب منا في هذه الايام الصعبة هي العودة لنفسنا ولثقافتنا واكتشاف الجامع بيننا لبناء عقد اجتماعي جديد يحمي الجميع, وإن ضمن الأطر المجتمعية الموجودة حاليا كحالة طارئة نرغب في تغييرها, وعقد إقليمي بين دول المنطقة يصل لدرجة فهم المصالح المشتركة والخطر المشترك. ويبتعد عن فكرة إفناء الآخر وإبادته, أو عدم المبالاة لمعاناته في أحسن الأحوال.

نحتاج عبد الحميد أن يعيش بيننا كأفراد حتى ننتج دولا يحكمها أمثاله.

[i]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد