في سوريا حاليا، لم يعد الأمر مسألة ثورة أو مسألة دعم حقوق شعب في الديمقراطية، ولا حتى محاربة الإرهاب، ولا الحفاظ على النظام حتى، وما يبدو عليه الوضع ظاهريا، غير ما تبدو عليه الأمور باطنيا، وما يعتقد أنه من يؤثر ويأخذ بزمام المبادرة، غير من يتحكم بخيوط اللعبة الحقيقة.

وغير من يحرك فعليا الأمور من وراء الستار، أكان ذلك بوعي أو بغير وعي، مباشرة أو حتى إيحاء.

المؤكد أيضا أن الوضع في سوريا وصل إلى مرحلة اللاعودة، ومن المستبعد جدا إذا لم يكن من المستحيل أن تعود سوريا ما قبل 2011م إلى ما كانت عليه بعدها، ونحن هنا لا نتحدث من منطق الترهيب وزرع الخوف أو إثارة الإحباط لدى الشعب السوري، إنما الحقائق والنظرة الواقعية لما تسير عليه الأمور في الميدان هي ما توحي بذلك للأسف الشديد.

ومادام سقوط الدولة حتمي فالصراع أصبح على أشده لاقتسام الكعكة، وما دامت مفاوضات الكواليس لم تجد نفعا ولم تؤت أكلها، أصبح اللعب على المكشوف وفرض الأمر الواقع هو آخر الحلول لتصفية الحسابات بين كل الأطراف.

ما يجري سياسيا وظاهريا هو حتما لا يعبر عن الصورة الحقيقية لمجريات الأحداث، وإلا لما فشلت كل التنبؤات والتوقعات من لدن كل المتتبعين والمحللين حول مجريات الأحداث، فلا النظام سقط مبكرا، ولا الحلف الأطلسي تدخل ـ للدفاع عن الشعب السوري ـ كما حلم بذلك البعض، ولا حتى روسيا اكتفت بالتنديد والرفض كما عهدنا عليها في كثير من المواقف المشابهة، إذ ها هي جيوش القيصر الجديد تدخل دمشق واللاذقية على مرأى ومسمع  من الجميع.

فما الذي جرى إذن؟ دعونا نناقش الأمور ـ ظاهريا ـ أولا:

من خلال تتبع بعض من مواقف الأطراف الرئيسة في الملف، نجد أنه بعدما راهن خصوم الأسد على أن الموقف الروسي لن يزيد عن الدعم السياسي والدبلوماسي على أبعد تقدير، إلا أنه بدا أن كل الحسابات كانت خاطئة، حتى الأمريكية منها، فرغم ما تملكه الأخيرة من إمكانات ووسائل استخباراتية هائلة، إلا أنها  لم تستطع التنبؤ بالتدخل الروسي ـ المفاجئ ـ بشكل مباشر في الحرب إلى جانب نظام الأسد، وهو ما حدا بالكونغرس إلى تشكيل لجنة للتحقيق في فشل أجهزة المخابرات في هذا الأمر.

ضمنيا يمكن تفسير موقف القيصر الجديد للكريملين بما حدث لروسيا نتيجة مواقفها “اللينة” من صراعات إقليمية مماثلة (العراق، ليبيا… أو حتى في أوكرانيا)، إذ يبدو أن بوتين لن يقبل أن يلدغ من ذلك الجحر مرة أخرى، فبعد تجاوزه وتجاوز مصالح بلاده في كثير من هذه الصراعات، والتي كان آخرها إسقاط حليفه السابق معمر القذافي، وهو ما شكل ضربة موجعة له  ولمصالح بلاده الاستراتيجية خاصة في شمال إفريقيا.

فسوريا بالتالي تشكل خطا أحمر بالنسبة له؛ كونها آخر المعاقل وآخر الأوراق المؤثرة التي يمكن المراهنة عليها من التي بيده في سياسته حول المنطقة، وهو بالطبع ما لا يستطيع القيصر لا التفريط فيه ولا السماح به، أو القبول بالخروج صفر اليدين ضمن الصفقات التي تتم في الكواليس كما وقع في السابق، وهو حتما شيء لن يستسيغه الأخير ما دامت (إمبراطوريته) هي القوة الثانية في العالم ، وبالتالي يجب أن يتماشى نصيبها من الصفقة مع حجمها وتأثيرها العالمي، أو على الأقل هكذا يراها ويحسبها زعيم ساسة الكريملين.

موقف إمام ولاية الفقيه في إيران شأنه في ذلك شان القيصر الروسي، مع تباين فقط في الدور والحجم، فهو بدوره لا يريد أن يخسر أهم ورقة في صراع ـ إمبراطوريته ـ هو الآخر نحو الهيمنة في المنطقة، فسقوط الأسد دون حصول إيران على النصيب الذي يتماشى مع حجمها الإقليمي أمر لا يمكنها تقبله أو تجاوزه؛ لأنه ببساطة يعني نهاية الحلم ” الامبراطورية الفارسية” في  إعادة حكم المنطقة واستعادت دورها التاريخي، وهذا ما يفسر كيف رمت إيران بكل ثقلها السياسي والدبلوماسي والعسكري في سوريا.

فسقوط نظام الأسد يعني ضمنيا سقوط حزب الله، الذراع الطولى لإيران في وجه أمريكا عبر تهديده المباشر لمدللتها إسرائيل، وهذا ما يفسر أيضا دخول حزب الله الحرب إلى جانب الأسد والقبول بالتضحية بكل الشعبية والاحترام الكبيرين، واللذين كان يتمتع بهما سابقا في المنطقة، وهو ما شكل له آنذاك غطاء ودعما شعبيا ساعداه سياسيا ومعنويا في حروبه ضد إسرائيل سيفتقده حتما خلال مواجهاته المقبلة.

على الاتجاه الآخر نجد تركيا التي رمت بكل ثقلها أيضا للإطاحة بنظام الأسد، فبعدما راهنت على الدعم الغربي في ذلك، وجدت نفسها وحيدة بين القوى الكبرى المتحمسة للخيار العسكري، (أو على الأقل فرض منطقة حظر جوي كأبسط الحلول)، إلا أنه يبدو أن حسابات السلطان أردوغان غير نظيرتها من حلفائه الغربيين، فتركيا أردوغان في حدود مشتركة مع سوريا وبالتالي هي المعنية الرئيسية الأولى والمباشرة بالمشكلة والحل، وبالتالي فأي حل أو أي صفقة من ورائها من المؤكد ألا يقبل به السلطان حتما.

وبالتالي أيضا كان لابد من اتخاذ تدابير أو إجراءات حتى وإن كانت أحادية في هذا الجانب ، عبر بعث إشارات تحذير لباقي القوى الأخرى تارة عبر التوغل البري المحدود في سوريا أو عبر طلعات جوية داخل أجوائها، وبالتالي فالسلطان يرى ألا حل بدون تركيا ولا حل بدون مراعاة لمصالحها القومية.

نأتي الآن إلى مواقف الأطراف الأخرى خاصة مواقف دول الخليج ، فالمعروف أن السعودية لا مصلحة لها لا في بقاء الأسد ولا في عدمه، فلا هي حريصة على حقن دماء الشعب السوري ولا إقامة نظام ديمقراطي ولا أي شيء من هذا القبيل، إذ يبقى  التفسير الوحيد لفهم موقفها من القضية، هو ربطه بالعقلية السائدة لدى معظم الحكام في الخليج في تسيير نظام الحكم، وهي الحيلولة ألا تنزل كلمة ـ شيخ القبيلة ـ أو كبير القوم على الأرض وما دام الملك السعودي قال يجب تنحية الأسد فلا يمكن العودة ولا التراجع عن هذا القرار حتى وإن تطلب الأمر الدخول في حرب من أجل ذلك.

قد يكون هناك دافع آخر، لكن يبقى في نظرنا غير كاف لتفسير الموقف السعودي، والمتمثل في سعي الأخيرة لتصفية حساباتها مع إيران التي ترى هي الأخرى بقاء الأسد من عدمه مسألة وجود وبالتالي فالموقف السعودي نابع فقط من أن إيران تدعم الأسد وضدا فيها يجب تنحيته، ولو كان غير ذلك لكانت السعودية من أشد المدافعين عن بقائه كما فعلت مع نظام السيسي في مصر.

غير أنه إذا تفهمنا موقف إيران من الصراع فإنه لا يمكن تفهم موقف السعودية بشكل واضح اللهم إذا كانت تتزعم التيار الداعي لتنحية الأسد بالنيابة عن قوى كبرى أخرى، خاصة إذا علمنا ومن خلال تجارب ومواقف سابقة للعربية سعودية أنها لا تخرج في معظمها عن المواقف الأمريكية شأنها في ذلك شأن الإمارات العربية المتحدة.

هذه الأخيرة من غير المفهوم في سياستها بتاتا ما الذي تريده بالضبط؟ ليس فقط في سوريا، لكن في المنطقة برمتها، فحتى عداؤها لتيار الإسلام السياسي، وتزعمها للتيار المعادي والمحارب الشرس لأي وجود له في المنطقة، إلا أن ذلك لا يمكننا رده فقط لتخوفاتها من انتقال موجة الاحتجاجات والمظاهرات نحوها أو حتى إيجاد هذا التيار لموطئ قدم داخل البلد والذي قد يرى فيه النظام تهديدا له، وإنما لابد من وجود سبب أو دافع آخر أكبر من ذلك يمكن من خلاله تبرير السياسة ـ التدميرية ـ التي تنهجها هذه الدولة في المنطقة.

اللهم إلا إذا كانت هي الأخرى تخوض هذه الحروب بالنيابة عن قوى أخرى بشكل غير مباشر أو حتى بشكل غير واع ومن يدري؟ وهذا ما يجعلنا نطرح أكثر من علامة استفهام مرة أخرى عن الأسس التي يبنى عليها صناعة القرار السياسي في الخليج بشكل عام، وفي هاتين الدولتين بشكل خاص (السعودية والإمارات

أما بالنسبة لدولة قطر فمن سوء قدر جغرافية هذا البلد أن جعلته بين جارين بنظامين من قبيل السعودية والإمارات؛ فعلى الرغم من أن موقفها مع هاتين الأخيرتين متقارب حيال نظام بشار الأسد، إلا أن حسابات كل دولة غير حسابات الأخرى، لكن وللأمانة فقط فقد كانت قطر الدولة العربية الوحيدة، ربما، التي وقفت ودعمت التحولات السياسية في المنطقة.

كما أنه يحسب لهذه الدولة ولزعيمها أنها وقفت أمام كل الضغوطات والتهديدات التي طالتها وطالت مصالحها نتيجة تبنيها للعديد من المواقف في هذا الاتجاه، لكن لا يجب أن نغفل أيضا أن أمير البلاد السابق الشيخ حمد بن جاسم كان لاعبا سياسيا ماهرا، وحتى ابنه تميم من بعده، وهو ما مكن هذه الدولة الصغيرة المساحة من نسج علاقات قوية مع دول ومنظمات عديدة، وتمكنها من التأثير وفرض مواقفها على دول عظمى وفي مناسبات عديدة، معتمدة في ذلك على عائدات ثروتها النفطية الهائلة، وعلى وجود ذراع إعلامي كبير ومؤثر بشكل كبير في المنطقة وربما في العالم ككل.

وبالتالي فموقفها من الأزمة السورية لا يمكن ربطه فقط بالموقف السعودي، بقدر ما يكون مرتبطا بقناعات ذاتية مرتبطة بسياستها في المنطقة الداعمة للثورات والاحتجاجات ضد الأنظمة التسلطية، وبالتالي يمكن أن ندرج موقفها إلى جانب مواقف باقي الدول الكبرى الأخرى، مع الاختلاف طبعا في حجم التأثير في ذلك.

نأتي الآن إلى الجزء الباطن من الصراع، فلو أضفنا إلى كل هذه المواقف الموقف الأمريكي ـ الغامض ـ لحد الآن والمكتفي بدور المشاهد أو المندد في أحسن الأحوال خاصة بالتدخل الروسي ، يبقى السيناريو الأسوأ والكارثي على الإطلاق هو الدفع بتركيا بدعم من حلف شمال الأطلسي وبتمويل من الخليج إلى خوض حرب ضد نظام الأسد وداعميه المباشرين (إيران، حزب الله، روسيا …)، وهو ما سيجعل الأمور تتحول من حرب بالنيابة كما هي حاليا إلى حرب مباشرة مع احتمال كبير في أن تتحول إلى حرب إقليمية وربما حتى حرب عالمية ثالثة، والتي لا يستطيع أحد التنبؤ بحدود امتدادها ولا حتى النتائج المترتبة عنها.

وفي هذه الحالة ستدخل المنطقة في آتون من الصراعات أشد شراسة وأعنف مما هي عليه الآن، هي في غنى عنها أصلا، ولن تسلم أي دولة من لهيب النار التي لن تمنح كثيرا من الوقت للأطراف للتفكير في الحل السياسي الذي سيصبح أبعد إلى التحقق، إذا لم يكن شبه مستحيل حينئذ.

فكيف يتوقع أن تكون النتائج بعد ذلك إذن؟ في هذه الحالة حتما ومما لا يدع أي مجال لأدنى شك أن  الجميع سيخسر، سيقتل أبرياء آخرون و ستشرد شعوب جديدة وستدمر بلدان جديدة ومعها ستدمر المنطقة أشد التدمير، وسنشهد تقسيما جغرافيا جديدا وعلى المقاس.

لكن خمنوا معي من يكون الطرف الوحيد الذي قد يستفيد من هذا السيناريو؟ بالطبع هو الذي كان يبدو أنه متفرج ومكتف بدور المشاهد، و الذي ربما هو من كان الممسك الحقيقي والمحرك الفعلي للكراكيز.

فالنتائج قد تبوح في الأخير عن الطرف المتحكم في خيوط اللعبة من وراء الستار من يدري؟ لكن فكروا معي أيضا، لو صدقت هذه التنبؤات التي لا تبدو بعيدة التحقق كما يتصور، فقط كم من عصفور ستضرب أمريكا من هذا السيناريو، خمنوا لو خسرت روسيا هيبتها العسكرية وبالتالي نفوذها في المنطقة وربما في العالم؟ ثم تخسر إيران كل أوراقها ودورها ، وتخسر تركيا قوتها واقتصادها الذي بني في الأساس على سياسة صفر مشاكل، وتخسر السعودية أموالها وذخيرتها.

ثم فكروا معي كم من السلاح ستبيع أمريكا من جراء ذلك؟ وكم من عقود الإعمار ستربح شركاتها من مشروع مارشال جديد للشرق الأوسط؟ والأهم من كل هذا وذاك كم من الوقت سيلزم بعد ذلك لصعود قوة في المنطقة معارضة أو مهددة للمصالح الأمريكية، فقط فكروا أكثر فقد يكون هذا هو الجزء الباطن من هذا الصراع، فببساطة هكذا تفكر أمريكا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد