على الرغم من الجدل الواسع الذي طال استفتاء التعديلات الدستورية التركية، فيما بين مؤيد ومعارض، حتى بعد إعلان النتيجة بالموافقة، وفي ظل معارضة واسعة، سواء من داخل تركيا أم من خارجها متمثلة في دول الاتحاد الأوروبي، التي تقول بأن تلك التعديلات سترسخ لمنظومة ديكتاتورية، وسواء اتفقنا مع ذلك أم اختلفنا، فإننا يجب أن نشيد بذكاء وقوة رجب طيب أردوغان الذي قد حسم الأمر لصالحه واستطاع أن يستغل الانقلاب العسكري ضده أفضل استغلال، ويندم منفذوه في كل لحظة على مساعدتهم له، ولم يستغل الانقلاب فقط، بل استغل أيضًا حالة الغضب الأوروبي على هذه التعديلات الدستورية – التي يبدو أنها بداية لمزيد من التأزم والتصعيد من الجانبين- في حشد جموع الأتراك حوله .

لقد قدموا له على طبق من فضة الذريعة لسلطة تنفيذية أقوى نظرًا لما تشهده البلاد من انقسامات وصراع أهلي وفشل في السياسات الائتلافية.

وعندما يصبح النظام الجديد ساري الفعل في الانتخابات المقبلة، المتوقع إجراؤها 2019، فإنه سيمثل التغيير الأكبر في السياسات التركية منذ جمهورية أتاتورك، وسيتمكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تعديل 18 مادة في الدستور تعطيه صلاحيات واسعة وسلطة مطلقة تجعل منه ديكتاتورًا بنص الدستور.

«للمرة الأولى يعدل الأتراك دستورهم دون انقلاب عسكري». – رجب طيب أردوغان

وبالعودة قليلاً للوراء نجد أن هذا الاستفتاء هو السابع لستة استفتاءات جاء أغلبهم نتاجًا لانقلاب عسكري.

استفتاء 1961

‎ في عام 1960، حدث انقلاب في تركيا بقيادة مجموعة من الضباط وعلى رأسهم الجنرال جمال غورسيل ضد حكومة الحزب الديمقراطي المُنتخبة، وذلك – كما قد برروا- للتخلص من حكومة الحزب الديمقراطي التي أصبحت في آخر عشرة أعوام في قمة الديكتاتورية.

‎وبعدها بعام واحد تم تشكيل لجنة تسمى «لجنة الوحدة الوطنية» وتألف قوامها من مجموعة من الجنرالات التي شاركت في الانقلاب، ودعت تلك اللجنة عام 1961 شعب تركيا إلى استفتاء على دستور يجعل من تركيا «جمهورية»، وتمّت الموافقة على الاستفتاء بنسبة 61.7%.

استفتاء 1982

‎في عام 1980، كانت تركيا تتأهب لانتخابات رئاسية جديدة، فكوَّنت مجموعة من الأحزاب وقتها عرفت باسم «لجنة التجمُّع الوطني» للتوافق على مرشح رئاسي يستبدل الرئيس «فهري كوروتورك»، إلا أن هذه اللجنة قد فشلت في مهمتها، الأمر الذي دعا الجيش التركي للتحرك في سبتمبر من العام نفسه ليطيح بالحكومة ويعلن إدارة شئون البلاد من خلال «مجلس الأمن الوطني».

‎ شكَّل مجلس الأمن الوطني بعد ذلك لجنة مكونة من 160عضوًا لإعداد دستور جديد للبلاد، ليس من ضمنهم كلّ من شارك في لجنة التجمع الوطني، وكل الشخصيات التي كان لها دورٌ في أحزاب قبل الانقلاب.

‎وكان أبرز ما جاء في هذا الدستور هو منع مؤسسات المجتمع المدني من العمل داخل تركيا، وتحديد آليات عمل الأحزاب ومنعها من الاتصال المباشر مع المدنيين إلا من خلال الحكومة، بالإضافة إلى منح الجيش السلطة الرئيسية في البلاد، وكذلك منح وزير الدفاع في مجلس الوزراء مكانة كبيرة، وكانت نتيجة الاستفتاء هي الموافقة بنسبة 91.4%.

استفتاء 1987

بعد انقلاب عام 1980، كانت النتيجة أن أصبح للجيش سلطة مطلقة، فشكل جنرالات الجيش حزبًا جديدًا ليكون الحزب الحاكم تحت اسم «حزب الوطن»، كما تم منع ما يقرب من 242 سياسيًّا من ممارسة الحياة السياسية في تركيا لمدة 10 سنوات، وبعد مفاوضاتٍ طويلة بين المعارضة السياسية وحزب الوطن الحاكم، وافق الحزب في عام 1987 على عقد استفتاء لتعديل المادة الرابعة من الدستور والتي تنص على منع السياسيين الذين شاركوا في التجمع الوطني قبل انقلاب 1980 من ممارسة السياسة.

ودعا «حزب الوطن» الشعب التركي للتصويت بـ«لا»، بينما المعارضة كانت تدعو للتصويت بـ«نعم»، وانتصرت المعارضة حينما خرجت نتيجة الاستفتاء بفوز «نعم» بنسبة 50.2%.

استفتاء 1988

عادت الحياة السياسية مرة أخرى لتركيا بعد استفتاء 1987 الذي نجح في إزالة المنع السياسي بعد 10 أعوام من تحكم الجيش بشكل منفرد بالسلطة، الأمر الذي جعل الساسة والمعارضة يطالبان بعقد استفتاء لانتخابات رئاسية مبكرة، ولكن نتيجة الاستفتاء كانت بالرفض بنسبة 65٪‏.

وجدير بالذكر أن هذا الرفض هو الوحيد في تاريخ استفتاءات تركيا وحتى الآن.

استفتاء 2007

في عام 2007، كانت فترة الرئيس العاشر «أحمد نجدت» قد شارفت على الانتهاء، وكان الرئيس يتم اختياره من قبل البرلمان وليس الشعب بانتخاباتٍ عامَّة، وقد رشح وقتها حزب العدالة والتنمية عبد الله غول لرئاسة الجمهورية؛ لأن حزب العدالة والتنمية كان يملك ثُلثي مقاعد البرلمان فكان من السهل عليه تعيين رئيس للجمهورية.

وقتها حكمت المحكمة الدستورية التركية بأن غالبية أعضاء البرلمان لا تمنح الحزب صلاحية تعيين الرئيس، وقامت بتعديل النصاب القانوني لاختيار الرئيس، ليصبح 367 عضوًا من أصل 550، بعد أن كان يكفي حصول المرشح على نسبة 50٪‏+ 1 من إجمالي أعضاء البرلمان.

كان من الصعب على حزب العدالة والتنمية التأكد بنسبة 100% أن مرشحهم هو من سيكون رئيس الجمهورية، لأن حزب العدالة يمتلك 332 مقعدًا فقط في البرلمان، ولأن حزب الشعب الجمهوري – الحزب المُعارض الوحيد آنذاك- رفض تعيين عبد الله غول؛ لذا فقد لجأ حزب العدالة والتنمية لاستفتاءٍ شعبيّ يتم خلالهُ انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبي بدلاً من البرلمان.

وقد جاءت نتيجة هذا الاستفتاء «نعم» بنسبة 68.95%.

استفتاء 2010

جاء هذا الاستفتاء على خلفية رغبة تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي لطالما كان حلمًا بالنسبة للحكومة التركية، ولا عجب فبدخولها تضمن الحصول على عدة مميزات أهمها تحرُّك مواطنيها بحرية داخل دول الاتحاد الأوروبي، ذلك بالإضافة إلى التمويل الكبير الذي ستحصل عليه حال دخولها، وإعفاء المنتجات من السوق الأوربية من الضرائب .

لكل ذلك دعت الحكومة التركية لاستفتاء شعبي يضع تعديلات على الهيئة التشريعية بشكل يلائم مقاييس الاتحاد الأوروبي، وقد قاطع حزب السلام والديمقراطية – الداعم للأكراد- هذا الاستفتاء لأنه – على حد تعبيرهم- لا يتضمن أي مواد دستورية تضمن للأكراد حقوقهم.

‎وقد وافق الشعب التركي على هذه التعديلات الدستورية بنسبة 57%.

بتلك النظرة السريعة على تاريخ استفتاءات تركيا نجد أن أردوغان قارئ جيد للتاريخ؛ لذا استطاع أن يطوعه لخدمته ويسطر لتركيا تاريخًا جديدًا لا نملك معه إلا أن ننتظر ونرى كيف سيتعامل رجل تركيا القوي مع السلطة المطلقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد