من التعسُّف اختزال صورة تركيا في أربعة أصابعَ رَفَعَها أردوغان، ملوِّحًا بأحداث ميداني رابعة العدوية (المستشار هشام بركات حاليًا) والنهضة في مصر، بوصفه مناصرًا لقضايا الإخوان المسلمين من ضمن اهتماماته بترسيخ صورته سلطانًا للمسلمين، متوسلًا بمجد الأجداد، لا سيما إذا وضعنا في مقابل الصورة التعاون التركي– الإسرائيلي (3 مليارات دولار حجم التبادل التجاري بينهما، وعلاقات عسكرية في أعلى مستوياتها). هل كنت تعلم أن تركيا الدولة الأولى.. نعم، الأولى، التي اعترفت بدولة إسرائيل عام 1949، كما أن تركيا تستعين دومًا باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لعرقلة أي مشروع لإدانة مذابح الأرمن، بالإضافة إلى معاونة إسرائيل لتركيا في القبض على أوجلان (زعيم حزب العمال الكردستاني)، علاقة حديدية لا يفلُّها ضرب سفينة مرمرة في عام 2010 (قُتل فيها تسعة أتراك أحدهم أمريكي تركي)، ولا يضيرها انسحاب أردوغان من مؤتمر دافوس (حينما كان رئيسًا للوزراء)، سرعان ما انطلقت أبواق الصُّلْح في الجانبين، واندمَلَتْ الجراح قبل أن تنفتح أصلًا، فعلاقة ستين عامًا لا تُختَصَر في موقِفَين!

كما لا يمكن اختزال صورة تركيا في ذلك الفتى الواقف على أبواب أوروبا يصرفه كبراؤها عن الانضمام إلى السوق المشتركة «اليورو»، واتفاقية «الشينغن»، ويضحكون عليه بالانضمام إلى نادي الأقوياء عسكريًّا «حلف شمال الأطلسي»، وفي كل مرة يُخرِج من جيبه ورقة اللاجئين (التهديد بإغراق أوروبا بالمهَجَّرين السوريين)؛ فيسارع الغرب لتقديم العلكة له (بعض الأموال والاستثمارات).

في الحقيقة جزء رئيسي من صورة تركيا– أردوغان هي علاقة الدولة (الآسيوية الأوروبية) بداعش قبل 2015 (رفضت تركيا أن تنضم للدول الإسلامية المحارِبة لداعش، وفتحت صنبور متطرفي التنظيم ليتسرب المقاتلون عبر حدودها إلى سوريا والعراق)، وقصف أطفال ونساء حزب العمال الكردستاني جنوب شرقي البلاد تحت ذريعة (مطاردة إرهابيين)!

تركيا أردوغان ليست أضنة، ولا إنجرليك، وليست ميدان تقسيم، ولا هي أوغلان، أو الكيان الموازي، وليست آسيوية خالصة، ولا هي أوروبية خالصة بالقدر ذاته.

عرَّف تركيا

تركيا هي آية صوفيا (إذا أردنا اختزالًا مُخِلًّا)، الكاتدرائية التي صارت مسجدًا، والمسجد الذي أضحى متحفًا، والمتحف الذي يدعو «شباب الأناضول» إلى إعادته مسجدًا.

أقصد أن تركيا هي إحالات الزمان، ومآلاته، هي صورة زمان ينام على كتف أخيه، حدوته كوزموبوليتانية إن شئت، لكنها «كوزمبوليتانية الزمان» لا السكان، إن جاز التعبير، «كوكتيل» حضارات، يزيدها «السلطان أردوغان» تحيُّرًا وتخبُّطًا!

غزاها الفرس، وتسلَّمها المسلمون، وتسامقت خلافة، وتحولت إلى العلمانية الماركسية التي ترفض الدين وتعاديه، ثم جنرالاتية، قبل أن تعوِّض في أحضان جماعة العدالة والتنمية ما فاتها من جماعة الاتحاد والترقي.

وجهاتها متعددة، ومتضاربة أحيانًا، لكن طرفًا واحدًا يشدّ اللجام، ويجبرها على السير في طريق يناسبه، ولا يمكننا هنا أن ندعي براءته من تهمة البحث عن المجد الشخصي، والمصلحة الذاتية.

ولئن سألت كيف تتعاون تركيا مع إيران في سوريا، رغم العداء السافر -المعلن على الأقل- بين إيران وإسرائيل، ومساندتها حماس في فلسطين؟! فهذا من قبيل نظام «آيا صوفيا».

وكيف تتفق مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين على الرغم من أحلام الزعامة التي تداعب كل منهما، فهذا أيضًا من قبيل نظام «آيا صوفيا». تركيا تنضم بوضوح إلى خصم الأمس بوتين؛ إمبراطوريتان، زعيمان، وهدفان يتصلان أحيانًا (سوريا وأوروبا) ويختلفان أحيانًا (الدواعش وإسقاط طائرة السوخوي)، لكنه اختلاف نظرات المحبين، والشيء ينجذب إلى ضدِّه.

الحقيقة حتى نكون منصفين، فإن أردوغان يجلس على تاريخ من خدمة المجتمع التركي، وتحقيق شيء من تطلعاته؛ إصلاحات اقتصادية ومالية، مكَّنت له من مدّ أيديه في كامل تركيا، وهو ما يخوِّل له حرية الحركة، والمبادرة، دون كثير خوف من ردة فعل مجتمع تعددي بطبعه، ويحتل فيه تَيَّارا اليسار والعسكريتارية مكانة لا تُمس، بل إن من أسهم في بقاء أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، على ما يتعاوره من اتهامات بالفساد المالي له ولعائلته، وافتئات على المبادئ الديمقراطية، هم تيار اليسار والأتاتوركيون على خلافهم معه نفسيًّا وفكريًّا وتوجُّهًا، كما سنرى!

أوروبا والانقلاب

عجيب أمر تركيا! والأعجب استغلالُها الانقلاب الفاشل (يوليو 2016)، لا أقول: الوهمي، لاتخاذ إجراءات تزيد من التمكين لجماعة وطرف وفرد ووجهة واحدة، على حساب ألوان طيف من المجتمع التركي كله. وقد كان زعماء الانقلاب طلبوا في بداية خروجهم من أطراف متنفذة في المعارضة التركية (الأتاتوركية) الإسهام في إنجاح هذه (الحراك)، فكان لرفضهم وقصف البرلمان فيما بعد دور في إثارة غبار الارتباك داخل المعسكر الموالي للانقلاب.

رأَتْ القيادة التركية أن ما أطلقت عليه «الكيان الموازي» بقيادة عبد الفتاح غولن (الزعيم الروحي الصوفي، رئيس جماعة خدمة الذي كان حليفًا للنظام الحالي في تركيا قبل أن يختار بنسلفانيا الأمريكية منفى اختياريًّا له) هو المسؤول عن محاولة الانقلاب الفاشلة، التي أثمرت تعزيزًا لصورة أردوغان في تركيا، وإجراءات غير مسبوقة وُصفت بـ«القمعية والانتقامية».

وبعيدًا عن نظرية المؤامرة، واحتمال أن يكون لأردوغان يد في هذه «المسرحية»، كما أطلق عليها البعض، فإن المتمعن في مآلات هذه المحاولة، يعرف أنها صبَّت في صالح النظام السياسي القائم في أنقرة.

هل دبرت أوروبا الانقلاب التركي؟

ربما ظن الأوروبيون (سواء بالدعوة إلى ذلك أو المناصَرَة أو حتى التشجيع الصامت) أن انقلابًا محدود الأثر يعيد ترتيب البيت الداخلي التركي سيمنح الفرصة لمحو مشكلة اللاجئين من الدماغ الأوروبي المسكون بهواجس هجرة «المسلمين»، مع إزاحة فكرة إصرار «السلطان أردوغان» على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أن تقديم «الخوَّات» والرشى لجناب السلطان تحت عنوان مساعدة اللاجئين السوريين على الأراضي التركية (يبلغ عددهم مليونين ونصف المليون نسمة) هو مُسَكِّن يؤخر الغزوة التركية التي ستُغرِق أوروبا في فيضان بَشَرِيِّ سيتسرب عبره المتطرفون والداعشيون إلى قلب أوروبا!

لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن أوروبا، وأعاد السلطان– الرئيس ترتيب البيت التركي بما يضمن ديمومة الحكم، وإمساك حزب العدالة والتنمية بتلابيب البلاد (عُزل 3000 قاضٍ، وفصل 15 ألف موظف من أشغالهم، وإغلاق 5000 مدرسة، بالإضافة إلى تسريح آلاف العسكريين والقادة على خلفية «مناصرة الكيان الموازي المسؤول عن محاولة الانقلاب»).

أوروبا بعد «خدمة»

تكاد الساحة التركية الآن تخلو لأردوغان، بعد قطع نفوذ جماعة خدمة «الكيان الموازي»، فأدار وجهه إلى أوروبا ليصفي حسابات قديمة، وأعلنها صريحة من غير مداورة (إما تأشيرة الهجرة والسوق الأوروبية أو إلغاء اتفاقية الهجرة إلى أوروبا). تركيا تقامر: إما كل شيء أو لا شيء، أعطونا أو سنغرقكم! أعقب ذلك اتهامات من تركيا لألمانيا وهولندا والنمسا بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية»، مما استدعى من دول أوروبا موقفًا حاسمًا، وها هي هولندا تمنع هبوط طائرة وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو على أراضيها، وبالأمس أعلن أردوغان الامتناع عن استقبال أي مواطن أو مسؤول هولندي.

سيناريوهات النهاية

ماذا ستسفر عنه معركة السلطان مع أوروبا؟! ومن سينتصر، هل أردوغان داخلًا في الحلف الأوروبي متخليًا عن حلفاء الأمس، ومبدِّلًا توجُّهه الإسلامي بالكامل؟ أم تنتصر أوروبا (وهو الحل الأقرب) وتظل تلاعب أردوغان وتستنزف منه مزيدًا من الوقت، منتظرة أن يترك الخلافة (الرئاسة) لغيره ممن يسهل ثنيهم؟! أم أنه سيلعب مع أحد وزرائه لعبة بوتين– ميدفيديف (أنا مرة رئيس وأنت التالية)؟!

جميع هذه السيناريوهات محتملَة، العجيب أن قومًا جالسين في أصقاع الأرض البعيدة يعلمون كل هذا، ويشاهدون هذه المسرحية، وما زالوا ينظرون إلى أردوغان بوصفه الخليفة المأمول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد