الإنسان وليد الأزمة، فمنذ خروجه عاريًا من المجاهيل الأفريقية منذ ما يقارب مليوني عام، وتحديدًا من غابات كينيا، وهو يطور أدواته لمواجهة المزيد من الألم، وليحافظ على وجوده حيًّا بين جملة المخاطر دائبة الفتك، وعلى حد تعبير الباحث العراقي طه باقر أن 99% من حياته عاشها الإنسان في مرحلة ما قبل الحضارة، ولكنه بدأها في بلاد الرافدين، أبدع فيها الكائن البشري أهم المنجزات الحضارية على المستوى الإنساني وما زال حضورها قويًّا إلى يومنا هذا، وسنلحظ ذلك خلال هذا المقال وما سيتبعه، ومقالين آخرين سأثبت رابطهما في مكانه.

على تخوم ما قبل التاريخ

قبل اكتشاف الزراعة، لم يكن الكائن البشري خارج المنظومات الضابطة لحركة وعيه؛ ففي تلك الحقبة التي تنقل بها الإنسان على شكل قطعان بشرية متنقلة تلتقط ما يعترض طريقها، وتدل الكشوفات أن إنسان تلك الفترة قدس الأم (الجدة)، ورفعت القيمة المادية للأشياء، وروحنت كل شيء رأته العين، وأنشأ الوعي البشري ضمن مجتمعه، القطعاني تحت قداسة الأم طوطمًا على ما يبدو، أريد به تمييز القطيع البشري من جهة كما كان له أهمية ما في حماية تلك المنظومة الاجتماعية البدائية من التفكك والتلف، لينتهي دوره إبان العصر الحجري الوسيط والأدنى تمامًا مع تفكك النظام المجتمعي القطعاني، وعمليًّا بدأت تباشير العصر الجديد مع اختراع الفأس اليدوية إبان العصر الحجري القديم، ولم تكن تلك الفأس اليدوية للاستخدامات الزراعة إنما لنبش الأرض واستخراج الجذور، وعلى ما يبدو أن الفأس اليدوي والأسلحة القزمية دفعت عجلة التطور البشري من الناحية الجسدية، تخللها مرحلة مهمة من التطور حين سكن الإنسان الأول الكهوف، مؤمنًا لذاته ملجأ من المفترسات كما سخر النار لتغيير نوعية غذائه، ويمكن اعتبار أن مرحلة إنسان الكهوف تمفصلت على اكتشاف النار وسيلة لتعديل القوانين الطبيعية للغذاء لصالحه.

حتى العصر الحجري الوسيط في بلاد الرافدين الذي أحدث ثورة هائلة في التطور البشري، حين اكتشاف الزراعة، ولم تكن هذه السلسة من الاكتشافات التي أدت إلى استصلاح الأراضي بمحض الصدفة كما يحلو للبعض أن يقول، بل كما يقول ستراوس إن «هذه النظرة الساذجة تنتج عن جهل كامل لتعقيد وتنوع العمليات المتعلقة بالتقنيات الأكثر بساطة»[1] بل نتيجة لتتفكر في الأدوات بناء على الحاجة أما الصدفة كانت لها مهمة إعطاء الإنسان الملاحظة ضمن حركة جدلية بين الواقع وآليات تفكيره المتكاملة ووعيه للكون والعالم وذاته.

فتأسست حياة المدينة «دويلات المدن» التي فرضت تجمعًا بشريًّا على مصالح مشتركة شكل الثقافة الأولى لجنوب بلاد الرافدين.

اللغة السومرية:

يجمع المؤرخون على وجود لغة سومرية هي الأقدم إلى جانب اللغة الأكادية وعائلتها، وغالبًا ما توصف تلك اللغة على أنها غريبة لا تنتمي إلى أي عائلة لغوية، ولكن يمكن التذكير أننا ما زلنا نتكلم عن فجر الحضارات، وبالتالي لا يمكن افتراض قاموس لغوي متكامل للسومريين؛ فالمقطع الصوتي الواحد في السومرية دل على الكثير من المعاني، لافتقار اللغة في بداياتها إلى أساليب تمنحها القدرة على توليد الأصوات الجديدة لملائمة المعاني، ولعل الأكاديين وهم أصحاب اللغة «السامية» المكتوبة الأقدم، استطاعوا تطوير المقاطع الصوتية في لهجة من لهجات بلاد سومر وتصريفها؛ الذي مكنهم من تجاوز نهج الإلصاق الذي اعتمدته السومرية القديمة، مما يدعونا إلى إعادة النظر حقًّا بما يتداول وكأنه يقين على أن الشعب السومري غريب، ولا يجد أحد من الباحثين عائلة لغوية ينسب إليها السومرية، رغم التشابه الكبير بين السومرية والمصرية القديمة في بعض الألفاظ المحورية في الميثولوجية مثل لفظ «كي» الذي يعني الأرض، كما أن مصر سميت «كي مي» أي أرض السواد وغيرها من الألفاظ التي توحي بتقارب لغوي من حيث القيم الصوتية، بل يذهب عبد المنعم المحجوب إلى أن السومرية أصل كل لغات المنطقة في السياق المنطقي التطوري نفسه الذي أوردته، كما يعيد محجوب النظر إلى أسم سومر في اللهجة الشعبية السومرية «كنانغ»، وبما أن الحرف الصامت الأخير يحذف حسب القواعد السومرية سيكون اللفظ «كنآن» [2] أي كنعان، وكما يبحث في اللغة السومرية ويحاول إثبات أن الكلمات السومرية تحولت إلى جذور في اللغة العربية قد تم تصريفها في كتابه «ما قبل اللغة».

السامية

هذا ناهيك عن مصطلح السامية المضلل ذي الجذور اللاهوتية الذي ورد أول مرة في سفر التكوين الآيات (من 21 إلى 31) بأن آشور وآرام وعابر أبناء سام بن نوح، أما بالمعنى الثقافي الذي أطلق على جملة تلك الثقافة التي تكاد أن تكون واحدة هو العالم الألماني شلوتزر سنة 1781 [3]، ومما يدعو إلى أن الأكادية هي لهجة سومرية تطورت، وجود الكثير من الأسماء الأكادية في ثبت الملوك أشتهر منهم «ميسلم» الذي توسط الصلح بين إمارتي أوما وكيش، بينما جاء في التقذيع على أمير أوما أنه استعان بالأجانب على لكش بهدف خرق الهدنة بينما لم ير السومريون في «ميسلم» وغيره من الأكاديين على أنهم أجانب، وأكثر من ذلك ترى أن (الساميين) أنفسهم ينسبون أنفسهم لبطل الطوفان السومري «أوتا نبشتيم» أو «زيو سودرا» حسب اللفظ السومري، كما أن اللغة السومرية الإلصاقية بقيت حية حتى عهد متأخر في المعابد والمؤسسات المدنية التي ستكتب الضرائب والعقود، بل حتى الأساطير باللغتين على اعتبارها لغة ثقافة بل تجد بعض النصوص البابلية ترجمت إلى السومرية.

وتشير ملحمة «جلجامش» حين قرر خوض معركته مع «خمبابا» المتوافق عليه أنه في جبال لبنان، نُصح باصطحاب «أنكيدو»، ليس لقوته وحسب، بل لأنه خبر تلك البلاد، بما يوحي إلى أصول «أنكيدو» السورية بما هو شعب، بمعنى أن الأسطورة الرافدية رمزت عن شعب كامل بشخصية، الذي يفهم منه أن الأسطورة عبرت عن التحالف التاريخي بين شعوب المنطقة بشخصيات رمزية، الأسلوب الذي استمر على ما يبدو حتى عصور متأخرة والذي يظهر في الأقاصيص التوراتية التي اعتمدت الأسلوب ذاته في سرد القصص التاريخية عن طريق الترميز بالشخصيات عوضًا عن الشعوب، الأمر الذي يعيد فهمنا لشخصيات أنبياء بني إسرائيل على أنهم قبائل متجاورة نسجت أقاصيص عن صلة قربي، لتعزيز التحالف العسكري آنذاك.

بالتالي يمكن فهم الإشارة التي وردت في النص السومري أن اللغات تعددت بفعل التقدم الحضاري التي فعل فعله في اللغة أيضًا.

«العالم بأجمعه والشعوب بتوافق تام تمجد أنليل بلغة واحدة إلا أنه عند ذلك الأب- السيد، الأب- الأمير، الأب- الملك أنكى».[4]

وهنا يبدو النص غير واضح للقراءة، ولكن يفهم أن تدخل الإله الغاضب أنكى فعل شيء يستوجب تعدد اللغات، وهي إشارة مهمة لتلك النقلة الحضارية وآثارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] كلود ليفي ستروس: العرق والتاريخ، تر: د. سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، لا. ط، لا. تا، لا. م، ص 45
[2]– عبد المنعم المحجوب: السومرية هي أصل كل لغات المنطقة واليهود جزء من الأمة العربية: حاوره: وليد الزريبي، القدس العربي: عدد 6333, 2تشرين أول, 2009، ص10
[3] – د. حسن ظاظا: الساميون ولغاتهم، دار القلم، دمشق، دار الشامية، بيروت، ط2, 1990، ص9.
[4]– قاسم الشواف: ديوان الأساطير، دار الساقي، بيروت، ط1، 1997، ج2، ص365.
عرض التعليقات
تحميل المزيد