للإخوان قصة هي من أهم قصص التاريخ الحديث للأمتين العربية والإسلامية، ولا يتخيل أحد أن تروى قصة الأمة ولا تنال فيها قصة الإخوان بابًا بل أبوابًا من كتاب التاريخ الكبير لهذه الحقبة.

جماعة الإخوان منذ نشأتها في ثلاثينيات القرن الماضي وهي جماعة محط أنظار وأفكار العالم أجمع، وقد تأكدت هذه الأهمية وهذه المحورية من خلال تاريخ ومواقف وتوجهات هذه الجماعة.

وكما يؤكد المنفلوطي في حديثه عن العظمة في نظراته، فإن أي أحد ينال من اهتمام الناس وحديثهم الشيء الكثير، فقد أوتي شيئًا من العظمة، سواء كانت هذه العظمة عظمة في الخير والنفع، أو عظمة في الشر والضر.

وقصة الإخوان قصة فيها عناوين كثيرة، منها عناوين للنجاح وأخرى للفشل، هذا إذا ما نظرنا نظرة منصفة بعيدة عن التعصب الأعمى والحقد الأعمى. نظرة التعصب لهم التي تراهم مجموعة من الملائكة، لا يعتريهم النقص والعيب ولا يخطئون. ونظرة التعصب عليهم التي تراهم مجموعة من الشياطين، ليس عندهم إلا الشر والعيوب. ودائمًا ما تضيع الحقيقة بين التفريط والإفراط، بين التطرف في الحب والتطرف في الكره. نحاول هنا أن نكون منصفين، وأن نذكر أهم عناوين النجاح في سفر الإخوان التاريخي في مقابل أهم عناوين الإخفاق.

ونبدأ بعناوين النجاح:

1- الوجود

مجرد وجود الإخوان في حد ذاته نجاح كبير، فوجودهم إنما يعني وجود فكرة إسلامية في زمن سقطت فيه دولة الإسلام، وسقط عزها ومجدها، وكان من الجائز عقلًا أن يسقط الدين، أو تسقط الفكرة التي بنت به حضارة زاخرة حكمت العالم لأكثر من ألف عام. لكن العجيب هو ألا يسقط الدين، وأن تبقى جذوته مشتعلة في نفوس معتقديه، ولا ينقص من لهيب هذه الجذوة إخفاق ولا هزيمة. والعجيب بعد ذلك أن توجد الفكرة التي تعتمد على هذا الدين كمرجعية حضارية في أوج الهزيمة الحضارية له. ولننظر إلى التاريخ الذي يقول إن جماعة الإخوان المسلمين قد تأسست في عام 1928، أي بعد أربعة أعوام فقط من سقوط الخلافة الإسلامية على يد كمال أتاتورك، وذلك بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والحضارية الكبيرة أمام الغرب.

ولعل ذلك من توفيق القدر، الذي كتب لهذه الفكرة أن تحيا يوم أن قبرت الخلافة، حتى تحمل الراية، فتبقى دولة الإسلام في نفوس وقلوب وعقول الناس إن هي غابت عن واقعهم وحياتهم.

2- البقاء

الإخوان كفكرة، مفادها أن تعود دولة الإسلام دولة قوية حاكمة بشريعته، فكرة منذ أن وجدت والعداء مزروع لها في كافة الاتجاهات، من خارج بلاد الإسلام من عدوه اللدود الخارجي، ومن أذنابه وأتباعه في الداخل.

وعداء الخارج لهذه الفكرة عداء تاريخي متمكن، مرده الحقد الديني والصراع الحضاري، وعداء الداخل هو عداء تابع لذلك في بعضه، فالعلمانيون واليساريون يبقى كرههم للفكرة الإسلامية كرهًا لا يقل بحال عن كره الخارج، والحكام وأذنابهم يبقى رفضهم للفكرة الإسلامية رفضًا لفكرة تهز كراسيهم وتنافسهم على منصة الحكم.
وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من أنها فكرة حوربت بكل ما أوتي أعداؤها من قوة، إلا أنها فكرة كتب الله لها البقاء لأكثر من ثمانين عامًا، بقيت فيها قوية حية، لم يزدها الزمان إلا قوة، ولم تزدها المحن إلا عافية.

2- الانتشار

والأمر لم يقتصر على الوجود والبقاء، بل تعدى ذلك إلى الذيوع والانتشار، فقد أضحت جماعة الإخوان بعد أكثر من ثمانين عامًا أكبر الحركات الإسلامية حجمًا وانتشارًا، وانتشارها لم يقتصر على البلاد العربية والإسلامية فقط، بل وصل إلى الدول الأوروبية والأمريكية، وأصبح وجود الإخوان هناك وجودًا قويًا، يحاول أن يصنع جماعة ضغط على حكومات هذه البلاد، ليجابه الضغط الصهيوني الكبير المتمثل في جماعات ضغطه المتنفذة هناك.

وفي البلاد العربية والإسلامية غدت فروع الإخوان فيها اللاعب الرئيس في الساحة الإسلامية السياسية، وأحزابها هي الأحزاب الأكثر عددًا والأكبر قوة في هذه البلاد، وهي المنافس الحقيقي للأنظمة الحاكمة فيها.

4- قوة التنظيم

من أكبر ما نجح الإخوان فيه على مدار تاريخهم هو صناعة هذا التنظيم القوي، التنظيم الذي يعتقد أنه أقوى تنظيم سياسي موجود على ظهر الأرض قاطبة الآن. فالأحزاب السياسية أحزاب ضعيفة التنظيم في كل أنحاء العالم، وهي أقرب إلى التجمع السياسي منها إلى التنظيم الحركي، وبقية الجماعت الإسلامية المنظمة لم تكن بحال من الأحوال على نفس درجة قوة وتنظيم الإخوان.

حتى أن إحدى الجهات الغربية المخابراتية قد تحدثت يومًا عن أن حركة المقاومة الإسلامية حماس هي الحركة الأقوى تنظيمًا وانضباطًا في العالم، ومعروف أن حركة حماس هي فرع لجماعة الإخوان في فلسطين، وأن جماعة الإخوان في كل أنحاء العالم هي على نفس شاكلة حماس من حيث البنية التنظيمية، ولا تنفرد حماس عنها إلا بوجود جناحها العسكري.

5- الوسطية والاعتدال

الإخوان قدموا على مدار تاريخهم أفضل صورة للإسلام الوسطي المعتدل، في أفكارهم ورؤاهم وفي نظرتهم للآخر، الآخر المسلم (العلماني والليبرالي واليساري)، والآخر الديني (الأقباط والنصارى)، والآخر الإسلامي (السلفي والجهادي والتبليغي)، والآخر الحضاري (الغربي والشرقي)، وحتى في نظرتهم للآخر الجنسي (المرأة).

وإن أكثر ما صب على الإخوان غضب وهجوم بقية التيارات والحركات الإسلامية هو هذه الوسطية وهذا الاعتدال، والذي اعتبرته تلك التيارات تفريطًا في الأصول وتمييعًا في المواقف والآراء.

6- الثراء الفكري

على غير ما يروج له البعض، فإن حركة الإخوان المسلمين هي من أهم الحركات التي قدمت فكرًا ومفكرين في هذا القرن المنصرم، بل لنقل إنها أكبر الحركات الإسلامية في ذلك وأغزرها إنتاجًا فكريًا وبحثيًا.

وإذا ما أردنا أن نعدد سريعًا لندلل على ذلك فسنقول: في مجال الفقه الإسلامي قدم الإخوان في بدايتهم واحدًا من أهم المؤلفات الفقهية في القرن العشرين، كتاب فقه السنة للسيد سابق، والذي ذاع ذيوعًا لم يكتب لغيره من كتب الفقه، ثم أتى من بعد ذلك الفقيه المجدد الإمام يوسف القرضاوي والذي تربع على عرش الفقه والفتوى والتجديد بلا منازع في القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين.

وفي التفسير يأتي تفسير الظلال لسيد قطب كأهم كتاب تفسير على الإطلاق في هذا القرن. وفي مجال التاريخ والسيرة يأتي أعلام الإخوان كأهم رواد لهذا البحث (منير الغضبان والصلابي وغيرهم).

وفي مجال الفكر الإسلامي عمومًا وفلسفته يأتي أقطابهم وأقطاب هذا الباب بلا منازع، سيد قطب ومحمد قطب ومحمد الغزالي ومصطفى السباعي وسعيد حوى وفتحي يكن ومحمد الراشد ويوسف القرضاوي وغيرهم. وفي مجال السنة لهم أعلامهم الكبار أمثال عبد الرحمن الساعاتي وعبد الفتاح أبو غدة.

وعمومًا فإن النتاج المكتوب الذي خلفه علماء ومفكرو الإخوان هو الأكبر والأغزر من بين كل التيارات والحركات الإسلامية الأخرى.

7- الموازنة بين النضال الدعوي والخدمي والسياسي والجهادي

حركة الإخوان منذ نشأتها وهي تنادي بالشمول، وبعدم أخذ جانب من الإسلام وترك بقية الجوانب، ولقد قدمت بذلك النموذج الأكبر في محاولة الموازنة بين نواح أربعة، ناحية النضال الدعوي والإصلاحي، وناحية النضال الخدمي والاجتماعي والنقابي، وناحية النضال السياسي والحزبي والبرلماني، وناحية النضال الجهادي والقتالي.

وحاولت الجماعة في موازنتها هذه أن تعرف لكل ناحية منها مكانها وزمانها. فقدمت بذلك الصورة الأبرز في محاولة الجمع بين هذه النواحي والموازنة بينها. ونحن نقول هنا محاولة الجمع والموازنة، ولا نقول أنها استطاعت أن تجمع وتوازن بنجاح كامل بينها جميعًا.

8- مقاومة طغيان الحكام

لم نجد في هذا التاريخ الحديث وقوفًا ضد طغيان الحكام وظلمهم مثلما وجدنا من جماعة الإخوان المسلمين، وكأن الله قد كتب عليهم ذلك، فدفعوا من أجله أبهظ الأثمان من دمائهم وحرياتهم وأموالهم، واجتمع على العداء لهم ومحاربتهم كل الحكام، منسقين في ذلك فيما بينهم، ومورس على الإخوان أبشع ألوان القتل والسجن والتعذيب، حتى قال الأستاذ محمد قطب عن ذلك: إنه يشبه ما حدث للمسلمين في الأندلس على يد الأسبان فيما عرف تاريخيًا بمحاكم التفتيش.

9- مشروعهم الحضاري الكبير

الإخوان يختلفون عن باقي الحركات الإسلامية في أنهم يقدمون مشروعًا حضاريًا شاملًا لنهضة الأمة، ويحاولون في ذلك أن يقدموا رؤية لكافة أبعاد هذا المشروع الحضاري.

ولا يكتفون بالمناداة بعودة الشريعة الإسلامية إلى دنيا الحكم والقضاء، بل يغوصون في أغوار المشاكل الحضارية التي تعيشها الأمة، ويقدمون رؤيتهم للحل، في ضوء الأصول والأبعاد الإسلامية المستمدة من المصادر الإسلامية المعتبرة (القرآن والسنة والإجماع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد