2_ عناوين الفشل

أما عن عناوين الفشل في قصة الإخوان:

1_تقديس التنظيم:

وصل الأمر بالإخوان في نظرتهم لأهمية الجماعة والتنظيم إلى حد يقترب من التقديس، وهم فعلا يتحدثون في أدبياتهم عن وجوب العمل التنظيمي، وأظن أن الأكثرين منهم يرونه وجوبا شرعيا، وذلك يعني إثم من لا يعمل داخل تنظيم أو جماعة من أجل خدمة المشروع الإسلامي.

ومن أكبر عيوب الإخوان في ذلك أنهم يقدمون مصلحة المحافظة على التنظيم على أي مصلحة أخرى مهما كانت. وفي معركتهم الحالية مع الانقلاب العسكري، ليس مستبعدا أن يقدم الإخوان يوما على التراجع خطوات إلى الوراء، إن هم أيقنوا أن في حركتهم الثائرة المستمرة خطر على بقاء التنظيم وتماسكه.

مقبول منهم أن يحافظوا على تنظيمهم بقدر ما يستطيعون، لكن غير المقبول هو هذه المبالغة في المحافظة، وجعل قضية بقاء التنظيم وتماسكه قضية القضايا.

2_ضعف آليات المحاسبة والعقاب داخل الجماعة:

أكثر ما يحدث المشاكل داخل التنظيم الإخواني، هو عدم وضوح آليات المحاسبة والتقييم وإيقاع الجزاءات على المقصرين والمخطئين والمفسدين من داخل الصف الإخواني.

وهذه النقطة خاصة، هي أهم النقاط التي يتكئ عليها التاركون للجماعة في هجومهم الشرس عليها، فإن معظم هجومهم يتمحور حول فكرة سيطرة فصيل داخل الجماعة على مقاليد الأمور فيها، والتصرف بغير حساب أو مراجعة، وكم نادى الكثيرون بوجود هيئة قضائية مستقلة داخل الجماعة، غير أن هذا الاقتراح لم يجد له مكانا على أرض الواقع؛ فكانت الخلافات، وكانت الخصومات.

3_ ضبابية التنظيم الدولي:

للإخوان عنوان كبير في قصتهم اسمه ( التنظيم الدولي ) يكثر الاستفسار عنه من الإخوان أنفسهم… هل هو موجود أم غير موجود.

والمقطوع به أن التنظيم الدولي للإخوان هو تنظيم موجود فعلا، هدفه التنسيق والتكامل بين فروع التنظيم المختلفة في البلاد المختلفة.

لكن إن كان وجود هذا التنظيم الدولي للإخوان هو عنوان نجاح لهم، حيث التماسك التنظيمي بين مختلف الإخوان في كافة أنحاء العالم، إلا أن ضعف هذا التنظيم الدولي واهتراءه والمشاكل الكبرى في وجوده ووظيفته وشكله وآلياته هو عنوان فشل. يجب على الإخوان أن يفعّلوا هذا التنظيم أكثر، وأن يبتوا في شكله وصلاحياته.

4_الخارجون منهم عليهم:

دائما ما أقول: يبدو أن للعمل في جماعة الإخوان سحر يجعل الجماعة هي كل حياة أفرادها، ويبدو كذلك أن الخروج من الجماعة هو لون من ألوان السحر أيضا، لكنه سحر انقلابي عجيب.

الذي ينظر لتاركي جماعة الإخوان من أبنائها يرى العجب العجاب، يرى أغرب انقلاب فكري ومواقفي على الإطلاق.
ويكفينا لكي ندلل على ذلك أن نذكر قيادات الإخوان الذين تركوها، وكيف هو موقفهم منها الآن ومن معركتها مع الانقلابيين.

فأمثال محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح ومختار نوح وكمال الهلباوي وثروت الخرباوي، لا يتورعون عن دعم الانقلاب، بل وتأييد مذابحه وقمعه، والدفاع عن السيسي بكل ما يستطيعونه.
في رأيي أن هذه الظاهرة تحتاج إلى دراسات تحليلية نفسية وحركية، بل لا أبالغ إن قلت أنها ظاهرة تستحق رسائل جامعية تتعرض لها بالإحصاء والتحليل وإبداء النتائج، وخصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أنها مشكلة إخوانية عامة، وغير مقتصرة على فرع الجماعة في مصر.

5_طول الزمان وعدم تحقيق الغاية:

طال عمر جماعة الإخوان لما يجاوز الثمانين عاما، وما زال الإخوان في طريقهم الطويل،لم يصلوا لغايتهم.

والثمانون عاما هو عمر كبير لجماعة وحركة تسعى لإقامة دولة، ولا يقر المنطق السياسي أن تقوم جماعة سياسية وتظل ما يقارب القرن من الزمان ولا تستطيع أن تصل لغايتها السياسية في الوصول للحكم.

الإخوان يعللون ذلك بأنهم بصدد إقامة دولة محورية في حياة الأمة، بل في حياة العالم أجمع، ولعلهم مصيبون في ذلك، غير أن طول الزمان بهذا الشكل يمثل جانبا من جوانب الفشل التي تكتب في قصة الإخوان.

6_ النمطية في الوسائل والتفكير:

كثيرا ما يتهم الإخوان بعيب جوهري خطير، وهو نمطيتهم في التفكير، وكذلك في اتخاذهم للوسائل التي يريدون بها تحقيق الأهداف والغايات.

وهذا العيب وإن كان لا يخلو من مبالغة ومزايدة، إلا أنه من عيوب الإخوان الحقيقية، والتي ربما تكون قد خسرتهم الكثير.
على الإخوان أن يدركوا أن الزمان يمضي وأن الحال يتغير، وأن المناسب اليوم لا يصح غدا، بل ويصبح غباء وجنونا بعد غد.
على الإخوان أن يحدثوا مراجعات حقيقية في منهجهم وفكرهم ووسائلهم كل حين.

لا يعني هذا القطع بأن الزمان قد تجاوز أفكارهم ورؤاهم ووسائلهم، ولكن المقطوع به هنا أن فكرة المراجعات فكرة ضعيفة جدا عند جماعة الإخوان، حتى وإن كانت موجودة.

7_المبالغة في محاولات احتواء الجميع:

منذ أن أسس الإمام حسن البنا جماعة الإخوان وهو يسعى للم الشمل في كافة الاتجاهات والنواحي، في الصف الإسلامي وفي الصف الوطني، ثم في الصف القومي العربي وصف الأمة الإسلامية.

ومضت الجماعة على ذات المنهج إلى الآن، لكن العيب الكبير في هذا، أنهم في سبيل ذلك، ربما يفرطون في بعض الأصول أو الفروع.

وهم في ذلك  يخدعون المرة بعد المرة، ويتأكد لهم أن خصومهم من الفصائل العلمانية واليسارية لن تصفو سريرتها للإخوان ولا لمشروعهم الإسلامي أبدا، غير أنهم يتمادون بمبالغة كبيرة في محاولة الاحتواء هذه.

وحتى مع الصف الإسلامي، فالمعروف أن أغلب التيارات الإسلامية الأخرى، وخصوصا السلفية منهما، تنظر للإخوان نظرة انتقاص، وتحكم عليهم بالتمييع في الدين، ومع ذلك يسعى الإخوان لاحتوائهم حتى ولو كان ذلك على حساب بعض أصولهم أيضا.

وفي الأزمة المصرية الحالية، وقع الإخوان بين شقي الرحى، وأرادوا احتواء الجميع، فلم يفلحوا لا يمينا ولا شمالا. الوضوح في المواقف والرؤية أصلح للإخوان من الضبابية من أجل هؤلاء أو أولئك.

8_ سلمية الاستسلام والمثالية المبالغة:

الإخوان حركة إسلامية سلمية، تسعى إلى التغيير بالإصلاح والنضال السياسي. ليس في أدبياتها فكرة التغيير الثوري من الأساس. وموقفها من ثورات الربيع العربي أنها دفعت إليها دفعا، ولم تكن ترغب فيها أو تخطط لها، غير أنها لما رأت بوادرها، وأدركت أنها لن تستطيع أن تتجاوزها، كانت على قدرها، ولعبت أهم دور في إنجاحها، ولولاها لما تطلبت هذه الثورات أكثر من يوم أو يومين من أجهزة الأنظمة الأمنية للقضاء عليها وإخمادها.

التغيير بالإصلاح والنضال السلمي هو طريق سلمي اتخذه الإخوان في محاولة الوصول إلى هدفهم الكبير، لكن سلميتهم هذه تصبح سلمية بطعم الاستسلام في بعض من المواقف.
حدثنا مؤرخو الإخوان عن أن الحارس الشخصي لعبد الناصر كان من الإخوان، وبرغم ما فعله عبد الناصر بهم وبالوطن وبالمشروع الإسلامي كله، لا يقدم الإخوان على الخلاص منه.

وكذلك تحدث عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة عن أن الحارس الشخصي لابن علي كان من الإخوان، وكان بن علي شبيها بعبد الناصر في الحكم بالإعدام على قيادات الحركة هناك، وكذلك كان في السجن والتعذيب والتنكيل.

وفي محنة الإخوان الحالية، سلميتهم هي أعظم ما قدموه في ثورتهم على الانقلاب، لكن المبالغة في هذه السلمية قد يكون أعظم ما سيتسبب في نهايتهم ونهاية قضيتهم.

فرق كبير بين السلمية والاستسلام، وفرق كبير بين المثالية المقبولة والمثالية المبالغة المرفوضة، ويجب على الإخوان أن يراعوا هذه الفروق، حتى لا يتلاومون حين لا ينفع الندم.

9_ التعويل شبه التواكلي على الفعل السماوي:

الأمور تسير بقدر الله، لكن الله لا يسير الأمور إلا بأسبابها، وقد أمرنا أن نأخذ بهذه الأسباب، حتى لا نقع في دائرة التقصير.

لكن الإخوان والصف الإسلامي عموما، ومن فرط التعلق بالله، ومن فرط الإيمان به وبتصريفه للأمور حيث يشاء، يقعون في أكبر العيوب، وهو الاستسلام شبه المطلق لهذا القدر الإلهي، أو هكذا يبدو.

الإخوان في حركتهم الثورية الحالية، تراهم يمضون فيها ولو استمرت لعشرات السنين، وكلما تساءل المتسائلون (إلى متى؟)، قال قائلهم: (الأمور بيد الله).

نعم هذا حديث صحيح قطعا، لكنه في أحيان كثيرة يكون داعية للتواكل، ولضعف الأخذ بالأسباب. فالمفروض أن يأخذ الآخذ بالسبب، فإن لم يوصل السبب للنتيجة، كان عليه أن يعاود النظر فيما يقدمه من أجل تغييره أو تطويره.

فمعنى أن يمضي الزمن ولا يقدم السبب نتيجة، معنى ذلك أنه سبب ضعيف يحتاج إلى تقوية، ولا يصح حينها أن نستمر عليه بشكله و كيفه، ثم نوكل الأمور إلى الله، فإن في ذلك تواكلا ظاهرا لا ريب فيه، إلا أن نعجز عن تقديم الأكثر، وهذه تحتاج إلى بحث ونظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد