مقدمة لا بد منها

كانت الحروب – على مر التاريخ- صراعًا بين دولتين، ولكن القرن العشرين – قرن التكتلات- تميز بنوع جديد من الحروب، أُطلق عليها اسم “الحروب العالمية”؛ حيث دار الصراع خلالها بين مجموعتين من الدول!

وقد شهد القرن العشرون حربين عالميتين، خرج العالم من أخراهما بخسائر لم يسجل التاريخ مثلها (بشريًّا وماديًّا)، وعانى من اهتزازات سياسية واقتصادية غيرت معالمه وقلبت موازين القوى فيه، بل إن العالم أجمع ظل يترقب برعب نشوب “حرب عالمية ثالثة” لفترة طويلة بعدها سميت بفترة “الحرب الباردة”!

وتتميز “الحروب العالمية” عن الحروب التقليدية بعدد من الصفات كالتالي:

(1)    “الحرب العالمية الأولى” تميزت بأنها:

1-    أول حرب ينتقل فيها القتال من دائرة محدودة بين جيوش محترفة إلى صراع شامل تُعَبَّأُ فيه كل إمكانيات الدول المتحاربة (البشرية والاقتصادية والحربية والمعنوية).

2-    أول حرب تدور في الأبعاد الأربعة مجتمعة (البرية والجوية والبحرية وتحت السطح “الغواصات”).

3- تحولت فيها الأسلحة إلى أدوات فتك ودمار شديد؛ فاجتمع فيها استخدام الرشاش والمدفعية الميدانية والثقيلة مع الغاز السام، كما ظهرت لأول مرة الدبابة والطائرة المقاتلة القاذفة.

(2) ثم جاءت “الحرب العالمية الثانية” لتثبت أن قدرات الإنسان في التدمير دائمًا ما تفوق التصور؛ حيث تميزت – فوق ما ذُكر في “الحرب الأولى”- بالتالي:

1- شملت في صراعاتها أرض قارات العالم القديم (أوروبا وآسيا وأفريقيا) ومياه أكبر ثلاثة محيطات (الهادي والأطلسي والهندي).

2-    دارت معاركها في 18 مسرحًا (بينما دارت “الحرب الأولى” في مسرحين رئيسين فقط).

3-    عدد الدول المشاركة فيها من الجانبين 59 دولة – تنتمي إلى قارات العالم الست-: 50 دولة في جانب (الحلفاء) خاضت 17 منها المعارك، و9 دول في جانب (المحور) خاضت 7 منها المعارك.

4-    ضخامة حجم القوات المتحاربة (قرابة 70 مليونًا)، وارتفاع عدد الخسائر البشرية من العسكريين (قرابة 17 مليونًا بنسبة 24% من القوات المتحاربة، أي ربعها تقريبًا)، فضلًا عن عدد القتلى المدنيين الذي يقارب عدد القتلى من العسكريين.

5-    شملت كل أشكال المعارك: هجوم خاطف، ومعارك عميقة، ودفاع، وحصار، وانسحاب، ومطاردة، وإبرار جوي، وهجوم على شواطئ.

6- شملت كل أنواع الأراضي: صحاري ومزارع وجبال وغابات ومدن وأنهار ومناطق متجمدة.

7-    ظهور السلاح النووي الذي كان حاسمًا في إنهاء الحرب، وأحدث آثارًا عميقة وجذرية غيرت الخريطة السياسة للعالم وتسببت في قيام كيانات ومؤسسات دولية وتوازنات عالمية جديدة.

أما أهم الأحداث التي دارت خلال الحربين العالميتين؛ فأحاول إيجازها فيما يلي.

الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) World War I

في بدايات القرن العشرين ظهرت في أوروبا سياسة الأحلاف الأوروبية الكبرى التي تعتمد على مبدأ توازن القوى لكي تفرض وجودها على الساحة؛ ومن ثم تنامي سباق التسلح بين هذه التحالفات التي كان من أهمها تكتلان رئيسان – انقسمت أوروبا خلفهما- وهما: “دول الوفاق الثلاثي” (بريطانيا – فرنسا – روسيا)، و”دول الحلف الثلاثي” (ألمانيا – النمسا – إيطاليا)(1). وهكذا انقسمت أوروبا إلى معسكرين، وأصبح التهديد بالحرب بين دولتين تهديدًا بين كتلتين!

وقد وقعت منذ عام 1906م عدة أزمات في أوروبا بين “دول الوفاق” و”دول الحلف” مهدت لنشوب “الحرب العالمية الأولى”، وكان أخطر هذه الأزمات ما حدث في (البلقان)(2): عندما قررت (النمسا) ضم (البوسنة والهرسك) إليها؛ فأعلنت (روسيا) – التي تعتبر نفسها الأم لشعوب (البلقان)- التعبئة العامة لكي تحتفظ بهيبتها(3)، وانتهت هذه الأزمة بانتصار “الحلف الثلاثي”، لكنها هزت النظام القائم في أوروبا بعنف مما قرب الحرب بدرجة كبيرة.

وانطلقت الشرارة الأولى لها بالفعل عقب اغتيال طالب صربي متطرف لِوَلِيّ عهد (النمسا) وزوجته في سراييفو عاصمة (البوسنة) في يونيو عام 1914م، وتطورت الأحداث بسرعة على النحو التالي:

1-    انتهزت (النمسا) الحادث وأعلنت الحرب ضد (صربيا).

2-    أعلنت (روسيا) التعبئة العامة لحماية الصرب، ورفضت الإنذار الألماني بوقف هذه التعبئة، فأعلنت (ألمانيا) – حليفة (النمسا)- الحرب على (روسيا).

3- ثم أرادت (ألمانيا) تنفيذ خطة قديمة لها لغزو (فرنسا) – وُضِعَت قبل تسع سنوات-؛ فأعلنت الحرب على (فرنسا) لأنها مرتبطة بتحالف مع (روسيا).

وسرعان ما انتشرت هذه الحروب المحلية لتشمل القارة الأوروبيـة كلها؛ فكانت بدايـة “الحرب العالمية الأولى” التي شارك فيها ثلاثون دولة، واستمرت أربع سنوات ونصف السنة، وكانت أهم أحداثها:

1-    عام 1914م: دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب (ألمانيا) ضد (روسيا) التي قامت مع حلفائها بمهاجمة ممتلكات الدولة العثمانية في الشرق الأوسط، واستولوا على الممتلكات الألمانية في الشرق الأقصى والمحيط الهادي.

2-    عام 1915م: قامت (إيطاليا) بمعاونة الحلفاء – بعد إعلانها الحياد في البداية- وذلك طمعًا في الحصول على أراضٍ في أوروبا وأفريقيا؛ فأعلنت الحرب على (النمسا)، ولكنها هُزِمت هزيمة ساحقة، واستطاعت (ألمانيا) و(النمسا) تحقيق انتصارات على الحلفاء واحتلال (بولندا) ومعظم مدن (لتوانيا) وإخضاع البلقان بعد هزيمتهم للصرب.

3-    عام 1916م: نشبت معركتان كبيرتان بين (ألمانيا) و(فرنسا) على الأراضي الفرنسية، وخسر كل فريق ربع مليون من مقاتليه تقريبًا، كما قضت هذه المعركة على الجيش الألماني القديم، وأصبح الاعتماد على المجندين من صغار السن! وقام الروس بحملة شديدة على القوات النمساوية والمجرية؛ فشجع هذا الانتصار (رومانيا) على إعلان الحرب على (النمسا) و(المجر)؛ فردت (ألمانيا) بإعلان الحرب على (رومانيا)، واكتسحتها في ستة أسابيع، كما انتصرت (ألمانيا) على (بريطانيا) في معركة بحرية باستخدام سلاح الغواصات.

4-    عام 1917م: استفزت المعركة البحرية الأخيرة (الولايات المتحدة الأمريكية) ودفعتها لدخول الحرب، خصوصًا بعد أن علمت أن الألمان قاموا بمحاولة لإغراء (المكسيك) لكي تهاجم (الولايات المتحدة) في مقابل ضم ثلاث ولايات أمريكية إليها! واستفاد الحلفاء من الإمكانات والإمدادات الأمريكية الهائلة واستطاعوا تضييق الحصار على (ألمانيا) مما أدى إلى إضعافها، وفي هذا العام قامت الثورة البلشفية في (روسيا) التي قامت بمعاهدة صلح مع (ألمانيا) وخرجت بعدها من الحرب. وقامت كل من (فرنسا) و(بريطانيا) بهجوم على (ألمانيا) أدى إلى انهزامهما أمامها.

5-    عام 1918م: رغم أن (ألمانيا) حققت انتصارات كبيرة على الحلفاء في بداية هذا العام، إلا أنهم استعادوا قوتهم وشنوا هجمات عظيمة على (ألمانيا) أدت إلى تكبيد الألمان خسائر فادحة؛ فطلبت (ألمانيا) إبرام هدنة – بسبب الأزمة السياسية التي اجتاحتها نتيجة للهزائم العسكرية- فرفض الحلفاء التفاوض مع الحكومة الإمبراطورية القائمة، وتسبب ذلك في قيام الجمهورية في ألمانيا بعد استقالة الإمبراطور الألماني.

وبتوقيع (ألمانيا) للهدنة انتهت مأساة الحرب التي استمرت أربع سنوات ونصف؛ وكانت أهم نتائجها:

1-    تغير حدود دول أوروبا وآسيا، واختفاء 4 إمبراطوريات هي: (الألمانية – النمساوية – الروسية – العثمانية).

2-    إنشاء “عصبة الأمم”(4) التي كان من أهدافها منع الحرب.

3-    تطور فن القتال؛ حيث استخدِمت أسلحة جديدة لأول مرة؛ مثل: الرشاشات، الغواصات، الطائرات البدائية (التي استخدمت في التجسس والقتال)، المنطاد المربوط بالأرض (الذي استخدم في عمليات المراقبة)، الدبابات، الغازات (التي استخدمت لإجبار الجنود على الخروج من الخنادق أو اختناقهم).

4-    10 ملايين من القتلى العسكريين (من الجانبين) – غير الضحايا المدنيين-، و20 مليونًا من الجرحى.

5-    تكلفت الحرب حوالي 282 مليون دولار.

6-    ومن نتائجها الخطيرة على العالم العربي:

أ- وضعت هزيمة ألمانيا – ومعها الدولة العثمانية- مصير المشرق العربي في أيدي (بريطانيا) و(فرنسا)، فخدعت (بريطانيا) الشريف الحسين بن علي شريف مكة الذي كان يحلم بزعامة دولة عربية كبرى وتعهدت له بتحقيق حلمه، فدخل الحرب إلى جانبها معلنًا ما عرف بالثورة العربية ضد العثمانيين في يونيو 1916م، فسيطر على الحجاز بمساعدة الإنجليز، وعندما أعلن نفسه ملكًا على العرب، لم يعترف به الحلفاء إلا ملكًا على الحجاز وشرق الأردن!

ب- ثم أجرت (بريطانيا) مع (فرنسا) اتفاقية “سايكس بيكو” 1916م التي بموجبها تقاسمتا البلدان العربية تحت اسم الانتداب!
ج- وفي نفس السنة غدرت (بريطانيا) بالعرب مرة أخرى؛ إذ وعدت زعماء الصهاينة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، فيما عرف بوعد بلفور 2 نوفمبر 1917م!

الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) World War II

كانت أهم الأسباب التي مهدت لهذه الحرب هي:

1-    تسويات ما بعد “الحرب العالمية الأولى” التي غيرت رسم خريطة العالم وخاصة أوروبا، وفرض شروط استسلام متشـددة على القوى المنهزمـة – وخاصة (ألمانيا)- في “معاهدة فرساي” عام 1919م(5).

2-    ظهور المذاهب المتعصبة مثل “الفاشية” في (إيطاليا) بزعامة (موسوليني) عام 1922م، و”النازية” في (ألمانيا) بزعامة (هتلر) عام 1933م، ووصول كل من الرجلين إلى الحكم.

3- قيام حلف جديد عرف بـ”دول المحور” يضم (ألمانيا) و(إيطاليا) و(اليابان).

وكان السبب المباشر لاندلاع الحرب هو: احتلال (هتلر) لـ(النمسا) عام 1938م، ثم (تشيكوسلوفاكيا) و(بولندا) عام 1939م، ثم تهديد (إيطاليا) بغزو (ألبانيا)؛ مما دفع كل من (فرنسا) و(بريطانيا) ومعظم دول “الكومنولث” إلى إعلان الحرب على “دول المحور”، واشتعلت الحرب في أوروبا، والتي تميزت في بدايتها بتقدم الجيش الألماني على جميع الجبهات الأوروبية، ثم تطورت عبر الأحداث الرئيسة التالية:

1-    احتلت القوات الألمانية (الدنمارك) و(النرويج) و(هولندا) في مايو عام 1940م، ودخلت باريس في يونيو من العام نفسه.

2-    حاول الألمان إجبار (بريطانيا) على الخضوع – عبر عمليات قصف جوي مكثف-، غير أن البريطانيين صمدوا.

3-    غزت (ألمانيا) كلًّا من (المجر) و(بلغاريا) و(يوغسلافيا) في أبريل عام 1941م.

4-    غزت (ألمانيا) (روسيا) في يونيو 1941م، رغم توقيع (هتلر) ميثاق عدم اعتداء على (الاتحاد السوفيتي) عام 1939م.

5-    هاجمت (اليابان) ميناء بيرل هاربر الأمريكي و(الفلبين) و(الملايو) في نهاية عام 1941م.

6-    أعلنت (الولايات المتحدة الأمريكية) وغالبية حلفائها الحرب على (اليابان)، وفى المقابل أعلنت (ألمانيا) وغالبية حلفائها الحرب على (الولايات المتحدة).

7-    وصلت قوات “المحور” إلى ستالنجراد والقوقاز في (الاتحاد السوفيتي)، وحتى ذلك الوقت كان “المحور” لا يزال يحقق انتصارات في كل مكان.

8-    قبل نهاية عام 1942م انقلبت الأوضاع في منطقة شمال أفريقيا عقب انتصار “الحلفاء” على (ألمانيا) في معركة العَلَمين في (مصر) -التي كانت تقع تحت الاحتلال البريطاني-، ثم نزول قوات أمريكية في (الجزائر).

9-    استسلمت (إيطاليا) في سبتمبر عام 1943م عقب غزو “الحلفاء” لجزيرة صقلية بجنوب (إيطاليا).

10- انتصرت (روسيا) في ستالنجراد عام 1943م، وقامت بهجوم مضاد على طول الجبهة لطرد الألمان فوصلت جيوشها (بولندا) عام 1944م، واستطاعت طرد قوات “المحور” من منطقة البلقان.

10-    بدأ “الحلفاء” في غزو (ألمانيا)؛ حيث عبر الروس في ديسمبر عام 1944م الحدود الألمانية لأول مرة، واستمر “الحلفاء” في التقدم رغم بسالة الألمان في الدفاع عن دولتهم وخسارتهم مئات الآلاف من القتلى، وأصبح قلب ألمانيا مفتوحًا، فتدفق داخله السوفييت والأمريكان، كذلك نجح “الحلفاء” في دخول (إيطاليا)، ثم أعدم الثوار الإيطاليون (موسوليني). وتحررت (فرنسا) عقب نزول قوات “الحلفاء” في نورماندي غرب (فرنسا).

11-    أما (هتلر) فقد انتحر في أبريل عام 1945م، وفي مايو وقَّع ممثلو (ألمانيا) وثيقة الاستسلام بلا قيد أو شرط.

12-    وقعت (اليابان) وثيقة الاستسلام بدون قيـد أو شرط في سبتمبر عام 1945م بعد إلقاء (الولايات المتحدة) أول قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي!

وانتهت بذلك رسميًّا “الحرب العالمية الثانية” بعد ست سنوات من القتال الشرس؛ وكانت أبرز نتائجها:

1-    خسران البشرية حوالي 17 مليونًا من العسكريين وأضعاف هذا العدد من المدنيين؛ فبلغ العدد الكلي للضحايا قرابة 55 مليون قتيل.

2-    تقسيم (ألمانيا) وإجبارها على دفع 20 مليار دولار كتعويض.

3-    تطوير الكثير من الأسلحة وظهور اختراعات جديدة ساهمت في الحرب، من أشهرها “الرادار” الذي استخدم بنجاح في حرب الإنجليز ضد الألمان.

4- فتح (الولايات المتحدة) باب التسابق المحموم نحو امتلاك “أسلحة الدمار الشامل” بعد استخدامها السلاح النووي لأول مرة، وانقسام العالم إلى معسكرين “رأسمالي” و”شيوعي”.

4-    تشكيل (الولايات المتحدة) – بشكل رئيس- “لهيئة الأمم المتحدة” على أنقاض منظمة “عصبة الأمم”؛ وذلك في محاولة لمواجهة القوى الأوروبية الصاعدة التي يمتد نفوذها وراء البحار – متمثلة أساسًا في (بريطانيا) و(فرنسا)- وكذلك (الاتحاد السوفيتي) الذي أخذ نفوذه يتسع؛ حيث ساعد وجود منظمة دولية مثل “الأمم المتحدة” على امتلاك (الولايات المتحدة) آلية للمنافسة مع هذين العملاقين باحتوائهما داخل إطار المجتمع الدولي، كما ساعد وجود هذه المنظمة على تقليص نفوذ الدور الأوروبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد