الحل الجامع بين الأضداد

عصابة كانت تحكم، وأذيالها يقدمون لها فروض الطاعة. عصابة تريد أن تحكم وأذيالها يقدمون لها فروض التمكين. وجيش يحترم الدستور، فلا هو خاطر بمستقبل البلاد بالانقلاب على العصابة؛ لأنها كانت مدعومة خارجيًّا، ولا هو سيخاطر بمستقبل الشعب بأن يساعد العصابة البديلة في تعطيل الدستور، والدخول في مرحلة انتقالية ستجعل كل نفايات القاع تصعد إلى السطح، وتسهل على المجرمين التحرك في المياه العكرة كالتماسيح.

الجيش بدأ العمل في هدوء منذ 2014، والذي لا يستطيع إدراك هذا فالمشكلة فيه، والشعب إذا خير بين عصابة ومرحلة انتقالية فوضوية، فلن يختار إلا العقل، والعقل اليوم يقول اختر الطريق الآمن، وإن كان طويلًا.

لم يبق من العصابة البوتفليقية والتوفيقية إلا أبواق وبعض من العقارب المندسة، التي تنفث سمومها في آذان شعب غاضب، حتى لا يستطيع تكوين تصور لمستقبله، إلا داخل صندوق الانتقالية، وأسطورة الباءات التي ينفخونها هي حكاية دونكيشوتية، التي تجعل من مجرد طواحين هواء تافهة، عماليق مخيفة.

الباءات اليوم مجرد أدوات مجرد سفينة ذات ألوح ودسر، ستساعدنا على عبور الطوفان المحتمل، وستتفكك لوحدها بعد أن تبلع الأرض ماءها، ومعه أحقادها وغضبها.

الدستور الآن هو العروة الوحيدة التي تجمع منطق الجزائريين، هو القاعدة الوحيدة التي يمكن العمل والمطالبة، وحتى التظاهر والغضب على أساسها؛ لأن الجزائريين للأسف لن يجتمعوا أبدًا على دستور يكتبونه في إطار مرحلة انتقالية، في تصوري لن يجمع الجزائريين إلا إعلان استقلال مكتوب واضح، مختصر في صفحة أو صفحتين، يتفاهمون فيه على نظام حكم جديد ومبادئ لا تتغير، وأفكار جامعة، ورموز موحَّدة وموحِّدة.

تصور ذلك الإعلان للاستقلال، أو ما اصطلحت عليه #بيان_عهد_الجزائر، لن يكون كما يتصوره البعض عبارة عن ورقة طريق، أو اقتراحات، أو مجموعة مبادئ رفرافة فضفاضة، بل سيكون مجموعة من القيم والرموز يجتمع عليها الجزائريون كلهم اجتماعًا لا لبس فيه أو عليه، ويحمل تصورًا دقيقًا مختصرًا لشكل النظام السياسي والاجتماعي الذي سيطبقه الجزائريون ويجعلونه هيكلًا لعقدهم الاجتماعي، ويكون فيه محرمات لا يقربها المواطن الجزائري مهما كان منصبه أو قوته، ويكون قانونيًّا أعلى من الدستور.

لو قدر للجزائريين وقادوا حوارًا في هذا الطريق، فسيكون من السهل التفاهم على مبادئ جامعة، يعترف بها الجميع، ثم يدخلون في معركة كتابة دستور، سيكون عبارة عن كتاب يحدد تفاصيل القيم وإجراءات تحقيقها، وعواميد القوانين وروحها، مع بعض المحددات المصطلحية.

نعم إنها رحلة وجب على الجزائريين خوضها فلن تتحقق الديمقراطية بمجرد كتابة دستور، وتغيير سلطة، بل ربما حتى بعد انتخاب رئيس وبرلمان جديدين، وكتابة دستور جديد ستطل الديكتاتورية برأسها الشيطاني وتحاول العودة، لكن إذا كان هناك عهد يجمع الجزائريين كلهم، عهد واضح مختصر محدد شفاف، بسيط التعابير فسيخرج الشعب ليدافع عنه؛ لأنه أغلى ما اكتسبه.

عهد جزائري بالشروط التي حددتها سيجعل الطفل الصغير يحفظه كما يحفظ فاتحة الكتاب، ويجعل المواطن البسيط يعرف حقوقه وواجباته بشكل بسيط، يجنبه ذلك الضياع في مئات من مواد الدستور، التي تتعارض ضمنيًّا أحيانًا.

هذه هي رؤيتي الخاصة، إنها طريق نحو الديمقراطية بسرعتين، السرعة الأولى بطيئة متوازنة، تجعلنا نكتب ما يجمعنا جميعًا في عهد وعقد اجتماعي جامع، ثم سرعة ثانية قوية وعنفوانية تجعلنا نكتب دستورًا لا يحتاج إلى ديباجة، يكون ضامًا يُفصل العهد ويفككه إلى مواد إجرائية موجهة، ومواد قيمية تجمع التفاصيل التي ينفع أن تكون في عهد الجزائر.

إذا لم يأت حراك الشعب الجزائري بأفكار مبدعة، وأفعال خلاقة؛ فلن يكون إلا حلقة أخرى في سلسلة الفشل الثوري الذي رافق الشعوب العربية طوال قرن من الزمن. وعلى الشعب الجزائري إدراك الإشكالية الثورية الواقع فيها منذ بداية حراكه، وهي انتقال الثورة من حركة عمودية بين القمة والقاعدة، إلى حركة أفقية بين مختلف أطياف المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد