ما إن انعقدت قمم الرياض الثلاث والتقى فيها الجمعان، حتى ظنت بعض الشعوب العربية المحبطة بأنها استبشرت خيرًا بعهد جديد ينأى فيه الكل بنفسه عن الخلافات، ويحكمون العقل نحو استغلال وتسخير عشق الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» للمال وحبه له حبًا جمًا ليتخذوا منه دابة للعبور به نحو الضفة الأخرى، وصد الهجمة الشرقية التي عصفت بظلال رياحها الصفراء ملامح أربع عواصم شكلت محاورها، محيط بدرٍ ضاق بقطره على خناق أمة لا إله إلا الله، ورفعت في أصقاعها راية ولاية الفقيه.

ولكن وحسب ما بدا فيما بعد فإن أمرًا دبر بليل، وقبل أن يجف حبر بيان إجماع القمة الذي أدينت فيه إيران بدعمها للإرهاب في المنطقة، فزع الجميع على دوي صراخ آخر الليل عم أرجاء المكان لتسارع أستوديوهات قنوات عربية بعينها في إطلاق مارثون يتبارى فيه أخوة يوسف في كيل التهم لدولة قطر مع سبق الإصرار والترصد، ولا عفوية في أمرٍ كان التنسيق فيه عالي المستوى، دليلهُ عقد عزمٍ حالهُ الرقص تباعًا مع أنغام «السامبا» التي يتحسس فيها المشاركون صرة كروشهم، بعد أن تناولوا أكثر مما يمكنهم هضمه، فأصيبوا بعسر فهم دفعهم لاتخاذ إعلان «دونالد ترامب» شيطنة منظمة حماس وكل الإخوان أرجوحة لهجوم مدعاته مكافحة الإرهاب، وكأنهم لشعرة معاوية قد مسكوا، وبأمر من رب السماء عليه قد اتفقوا.

من أكثر المشاهد الصادمة التي تابعناها خلال أزمة الخليج الأخيرة، هو جهلنا فيما سبق بامتلاك أمتنا لكل هذا الكم الهائل من خبراء ومحللين سياسيين ومراكز بحوث ودراسات إستراتيجية، أفحمتنا مداخلاتهم وتقاريرهم برؤياها الثاقبة وطرق تناولها للأحداث، وكيف أنها ساقت كشف الأدلة وسيل البراهين من عنق البراكين اعتمادًا على تسريبات ووثائق، كأنها اقتباسات من قصص ألف ليلة وليلة، في حين عجزت أقلام هؤلاء وألسنتهم في أن تنتصب لتوثق جرائم وانتهاكات باتت معروفة للقاصي والداني، لدرجة أن قناة عربية مرموقة بثت لقاء مع شخصية رسمية عالية المستوى، قال خلاله أن أرض الخليج ستكون مقبرة للإخوان في ردٍ على سؤال مقدمة البرنامج حول أيهم أكثر خطرًا على الأمة «إسرائيل أم إيران أم الإخوان المسلمون» فقال أن لا خطر من إسرائيل لكونها ليست في حربٍ مع العرب.

من يقرأ تراث الأمة ويقارنه مع أحداث اليوم فكأنه يعيش أجواء حروب البسوس وداحس والغبراء، فالأسباب التي اندلعت على إثرها تلك المعارك آنذاك واستمرت عقود عدة لا تقل تفاهة عما هو الحال عليه اليوم، فتهمة العلاقات مع إيران هي الأكثر تسويقًا، كإعلانات مدفوعة الثمن لحملات روجت لشحن الرأي العام العربي بأن هناك من يطعن بخاصرة الأمة ويتحالف مع طهران، ولكن تناسى البعض أن الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق تقاتل بأسلحة وعربات همرٍ مصرية، بحسب بيانٍ لوزارة الدفاع العراقية التي أكدت أن وزير الصناعات الحربية المصرية اللواء «محمد سعيد» أخبر المسئولين في بغداد أن مخازن السلاح المصرية مفتوحة أمام الأشقاء في العراق طبقًا لمتطلباتهم القتالية في الحرب ضد قوى الإرهاب، كما وأن بعضًا من الصواريخ التي يطلقها نظام بشار الأسد حليف إيران على مدنٍ في سوريا هي الأخرى الكثير منها صنع في منشأة «صقر» التابع للهيئة العربية المصرية، فضلاً عما كشف عنه الرئيس السوداني «عمر البشير» بأن قوات الجيش والدعم السريع غنمت مدرعات ومركبات مصرية استخدمها متمردو دارفور في هجمات لهم مؤخرًا، أي الأجدر بمن كان بيته من زجاج ألا يرمي الناس بحجر، ومن يسعى فعلاً لتقويض نفوذ إيران التوسعي فعلية إيقاف التبادلات التجارية التي سجلت أرقامًا قياسية بلغت نحو 27 مليار دولار، وعلى أصحاب الحكمة وأولي الألباب ألا يجوعوا الناس فيدفعونهم للكفر معاذ الله، وليعلم الجميع أن لا واشنطن ولا تل أبيب سيشنان حربًا على إيران، فداعش التي كان الغرب يستخدمها وسيلة لاستحلابنا هي زائلة لا محال، ولا بد من الإبقاء على البعبع الفارسي لاستمرار وجوب الوصاية والحماية من قبل سيد البيت الأبيض الذي يطوف حوله المرتعدة أوصالهم، فتعالوا يا سادة قومنا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم دون أن يعادي بعضنا بعضًا فجميعنا في مركب واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد