كل رواية جديدة تصدر للكاتب «أحمد القرملاوي» هي مكسب للقراء، قرأت «التدوينة الأخيرة» أول ما قرأت له، وسحرني عالمها، دفعني دفعًا نحو روايته الثانية «دستينو» التي لم تخيبني بذلك التشويق الممتع وتكمله حبكة متقنة، صدرت «أمطار صيفية» مؤخرًا انتظرناها جميعًا بلهف؛ لأن في كل رواية للقرملاوي تُكمل النص مدفوعًا بكل تلك اللهفة التي يهديك إياها قلم محترف فيجذبك بلا عناء إلى عالمه.

%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%b7%d8%a7%d8%b1-%d8%b5%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%a9

«أمطار صيفية» يستظل منها حالاتٍ إنسانية هشة مليئة بالتناقضات والشكوك والخوف هي ما حدد مصير الوكالة وحسم الصراع في النهاية، هي مزيج من حالات إنسانية تورطت بشكل مباشر أو غير مباشر في صراع وجودي بين الروح والمادة.

وكالة أثرية مدار اهتمامها الموسيقى تعزفها أصابع مؤمنة بأن الموسيقى باب السماء الموصد، إنْ هم طرقوا عليه فتحت لهم السماء أبوابها إيذانًا بدخولهم عالم الخلود السحري، ولكن الوكالة على روحانيتها لم تخلُ من صراعات ومساومات وشكوك وأحقاد، فهل تستقيم الوكالة وهذا حالها؟! الحق أنه إذا اجتمعت كل هذه المنغصات على كيانٍ كان هذا آذانًا فيه بأنه سيستحيل خرابًا، خاويًا على عروشه.

«وتساقط منه الحس النقدي في دوامة الوجد، التي سحبته حتى نهاية المعزوفة».

كما عودنا الكاتب في رواياته السابقة يحيل القارئ إلى الرمز، اتخذ في هذه الرواية من الصوفية بوصفها طريقةً متبعةً في الوكالة رمزًا لاتجاه في الفكر الإنساني يُعلي من قيمة الروح ويبني عليها فلسفته، في مقابل الفلسفة المادية التي تعكسها زينة، والغريزة البحتة التي يعكسها زياد، وإن كنت بشكل شخصي لا أؤمن بأن الصوفية هي الرمز لإعلاء قيمة الروح، ولكن تساقط مني النقد في دوامة الوجد فاستمتعت بالمعزوفة حتى حيانا العازف بالنهاية.

هذه هي الرواية الثانية بعد «دستينو» التي يبحث فيها الكاتب هيمنة العالم المادي ويتساءل هل للروح مكان؟ هل لها تلك القدرة التي تعينها على مواصلة الحرب، ثم الانتصار على قوى المادية ممتدة الأذرع؟!

تجتذب زينة يوسف إلى عالمها بهذا الاختلاف الصارخ الذي يبهر عينه، ويدخله طائعًا في دوامة الانسياق لها، تسقط روحه في هوة الشك السحيق، لا ينقذه منه إلا تلك القشة التي يتعلق بها غريق، ثم ما تلبث القشة أن تُكسر هي أيضًا، في مقاومة سيل الإغراء الطاغي مدعومًا بإيمانٍ مهتز في قلبه.

ولعل الكاتب قصد أن يرسم صورة «يوسف» مهتزة مشوشة كتلك الروح التي تغزوها المادية وتزعزع إيمانها، فتزرع بداخلها ثمرة الشك وتنتظر في صبر نموها لتؤتي ثمارها ولو بعد حين.

أحتاج إلى أن أفرد الحديث أكثر عن شخصية زياد، تلك المركبة التي رسمت ببراعة أجبرتني على التفاعل معها فضلًا عن الحيرة في إصدار حكم بشأنها ربما ومحبتها كذلك، زياد هذا الذي تحركه خرائط الخوف بداخله في مدارها وإن حاول جاهدًا أن يحرق آخر شجيراته بداخل نفسه أو هكذا ظن، هو مزيج من غربة كاملة كان يعايشها بين أهله حتى ابتلعته في النهاية، واحتقار للذات انعكس في كل تصرف دوني قام به، علاقات مشبوهة وحقد لا يخفيه، وادّعاء لذكاء لا يملكه، إيمان فقده في رحلته الصعبة التي ستكون نهايتها مهينة حقًا، أسفر هذا المزيج عن شخصية معقدة احترت فيها رأيتها تلتمع لكأنها من فرط بريقها حجبت عني بقية الشخصيات؛ التي وجدتها باهتة.

الحق أني أحب الشخصيات «الشريرة» – هكذا نطلق نحن القراء على كل شخصية غير سوية أو مركبة -؛ التي تشي بشكل قاطع بمهارة الكاتب في رسم شخصية مركبة معقدة تتلاقى فيها حدود الشر مع الخوف أو الطيبة بهذه الدقة والبراعة.

أما عن الشيخ ذاكر، فلن أخفي أني غالبت دمعةً حين عرفت عن مرضه – أتعامل هنا مع الشخصيات بوصفها حية -، يمثل الشيخ ذاكر الملتقى لكل الشخصيات، وبسقوط ذلك الشيخ المفوه في دوامة «الحبسة الكلامية» سقطت الشخصيات قاطبة في جبّ عميق.

بنية الرواية مختلفة عن الأنماط السائدة، حين تقرأ إهداء الكاتب إلى ناشره تتيقن أن الكاتب ربما يتبع جانبًا من نظرية «كسر الجدار الرابع» المتبعة في الأدب المسرحي، التي تكسر الجدار العازل بين الجمهور وممثلي المسرح بجعل الجمهور عنصرًا فاعلًا يتدخل في سير الأحداث ويغيرها، كان التغيير هنا فيما يخص الكاتب وناشره وجعلهما شخصيات ملموسة ضمن إطار الرواية وعالمها، يحيلك هذا إلى أهمية أن يجرب الكاتب تقنيات جديدة وإن اعتراه بعض الخوف من استقبال القراء لنصه.

نستطيع القول بعد الرواية الثالثة أن القرملاوي «سابق بخطوة» دائمًا، هذا الاستباق ناتج عن الجدة التي يحرص عليها في اختيار موضوعات رواياته، وذلك الأسلوب المتفرد بلغة شاعرية تُبعث حية من خلال تعبيرات منتقاة راقية وتشبيهات جديدة مدهشة، ووصف موسيقي مكثف لا يُسقط تفصيلة واحدة تخص الشخصيات أو الأحداث، كذلك يحرص القرملاوي دائمًا على أن تستخدم كل شخصية لغتها الخاصة التي تتفق وطباعها النفسية الخاصة ورؤيتها للأمور.

بقي أن أقول إن هذه المعزوفة العذبة ستسمعك لحنًا أثيريًا سيصاحبك حتى بعد أن تنهي قراءة الرواية حزينًا لفراقها، أما عن التفاعل الحقيقي بينك وبين النص فلن تسلم منه إن قرأت الرواية متمهلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد