انتهى طلاب الثانوية العامة من امتحاناتهم التي كانت تتميز بالطول تارة والصعوبة تارة أخرى، ومع اختلاف مستويات الطلاب الدراسية إلا أن جميع الطلاب يتخفون من النتيجة وما تحمل في طياتها، يتخوف الطالب إن لم يلحق بكليات القمة ويقع في حفرة كليات القاع وتضيع أحلام والديه التي أنفقوا من أجلها دروس الثانوية العامة، ذلك الضغط العصبي بسبب ذلك الوهم الذي ترسخ في عقول الشعب المصري كله أن نوع الكلية يحدد مستوى الشخص الاجتماعي والاقتصادي.

انتشار صفحات الغش في الفيسبوك وتويتر بصورة كبيرة في الفترة الأخيرة وتسريب الامتحان من داخل اللجان بعد دقائق من بدأ وقت الامتحان، وتلقي الطلاب داخل اللجنة الامتحان كامل بإجابته النموذجية على هاتفه، الغش أصبح متاحًا لبعض اللجان والبعض الآخر ممنوع حسب الظروف، ذلك يخل بمبدأ تكافؤ الفرص الذي بني عليه التنسيق أساسًا.

التنسيق يدمر الشباب وطاقاتهم فعندما يكون الأفضلية للدخول الكليات بالمجموع الذي ممكن أن يحصل بالغش أو التصحيح المختلف بين الأوراق أو بالحفظ فيكون الطالب صاحب المقدرة القوية على الحفظ والقدر الكبير من الحظ والمهارة الكبيرة على الغش هو المؤهل لدخول الكليات المسماة القمة وليس من لديه مؤهلات مناسبة أو قدرات معينة.

يختلف المقصود بكلمة “كلية قاع”، البعض يسمي أي كلية عدا الهندسة والطب والصيدلة كلية قاع والبعض يحصرها فقط في كلية تجارة وتربية وحقوق، وفي كلاهما مفهوم خاطئ فجميع الكليات تقريبًا لها مصير أسود في مصر الآن لأن الشباب اليوم لا يملك أي فرصة للتعبير عن نفسه قبل رأيه.

هناك ثلاثة أنواع للشباب: إما عاطل ينتظر فرصة عمل مناسبة وإما يعمل لساعات طويلة وفي ظروف غير آدمية وبأجر زهيد لا يتوافق مع المجهود الذي يبذله، وإما يسعى لتغيير واقع بلده ويعترض وذلك ينتهي به المطاف في القتل أو السجن، الثلاث حالات تشترك بها كليات القمة والقاع دون تفريق ما بينهما فإذا كانت النتيجة واحدة لما تتميز كلية على أخرى؟

التمييز محصور في أذهان الآباء ويتبعهم الأبناء مصدقين متوهمين، الصورة ترسخت في أذهان الآباء في أثناء الانتفاح الاقتصادي للسادات والذي تبعه مبارك، فتم تهميش الفلاحين وباقي المهن الحرفية ومن تعلم ودخل الجامعة أصبح شأنه أعلى ومستواه الاقتصادي تحسن أكثر، والتقسيم نشأ من حيث ملاحظة كلية مثل كلية التربية ينفر إليها الناس بسبب أحوال المعلمين الحالية السيئة، وكلية مثل كلية الهندسة يميل إليها الناس لأن أحوال المهندسين جيدة.

أما الآن فجميع المهن سواء مظلومة مقهورة ما عدا كليات العسكرية والشرطية التي هي من تمارس القتل والظلم على بقية الشباب لتحافظ على مصالحها الضخمة. باختصار إما أن تكون مظلومًا أو ظالمًا، كليات مدنية وكليات عسكرية تلك هي التقسيمة الجديدة للكليات في واقعنا بوجهة نظري.

أقترح لحل مشكلة التمييز ومشكلة تضحية كل شخص بميوله وحبه وقدراته لحساب دخول كلية قمة أن نلغي جميع الكليات وتكون ثلاث كليات بداخلها جميع التخصصات ليكون مصير كل الطلبة دخول كلية قمة، وبذلك يتحقق حلمه وبداخلها أقسام مثل هندسة إعلامية، هندسة تربوية، هندسة تجارية… إلخ. بالطبع لست جادةً لكن هدفي من قول ذلك أن تقريبًا جميع العلوم متساوية من حيث الأهمية فنظرة الناس ستتغير لكلية تجارة لو وضعنا كلمة هندسة بجوار كلمة تجارة.

لا يهمه نوع العلم، هدفه أن يصبح مهندسًا مثل أصدقائه ولا يحس بالدونية وأن يقال له إنه خريج هندسة، ذلك ليس خيالًا بل واقع إذا سألت شخص ما الكلية التي تريد أن تدخلها سيقول هندسة فقط، مع أن مجالات الهندسة مختلفة تمامًا فالهندسة المعمارية مختلفة عن هندسة البترول، وهندسة ميكانيكا مختلفة عن هندسة حاسبات، ولكل هندسة مجال عمل مختلف، وأسلوب تفكير مختلف وعلوم مختلفة.

ومقترح آخر لحل المشلكة أن يتم إلغاء تنسيق دخول الجامعات من خلال مجموع الثانوية العامة، ولكل كلية امتحان يذهب الطلاب إليه لدخول الكلية، أي أن يكون له ثلاث رغبات لكليات أي ثلاثة امتحانات يذهب لامتحانها في الكلية إن نجح يدخل الكلية، وذلك النظام مطبق في اليابان وكلية مثل كلية الفنون الجميلة في مصر، ولكن أعتقد أن ذلك النظام لا يصلح أن يطبق على مصر لانتشار ثقافة الواسطة والمحسوبية وسيكون بعض الكليات حصرًا على بعض الناس وسيفتح باب فساد كبير.

منظومة التعليم بل مصر كلها يجب أن تهدم وتبنى من جديد فكل المنظومات تقريبًا فاسدة، فلا يمكن وضع ماء نقي على ماء قذر فتنتشر القذارة في الإناء كله، وكما قلت إن التقسيم يكون ما بين كليات مدنية وعسكرية وليست كليات قمة وقاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد