الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فقد كتب مؤخرًا أحد الإخوة الأعزاء عن احتفالات الجمهور العربي والإسلامي باللاعب المصري محمد صلاح، وعبّر عن أسفه بأن تبحث الأمة عن الأمجاد الضائعة في لاعب كرة قدم، وأحسب أن الكاتب لم يقصد البخس من قدر اللاعب وإنجازه الكروي، وإنما يستنكر ما عبّر عنه بأنه تيه جماهير العرب، وضياع البوصلة لديها فيما يتعلق بالقضايا الأساسية والأهم.

في هذه النقطة طرأ ببالي ذلك التعطش الرهيب للأمجاد والريادة عندنا والناجم بالطبع عن وعينا بالموروث التاريخي والحافل بالانتصارات والسيادة على الدول والهيمنة التي استمرت لقرون عدة، ولأن وضعنا الحالي المتخم بالهزائم لا يوحي بأي صلة بين جيلنا وبين سلفنا الأول تجدنا نأخذ أي شيء ونضخمه ونجعل منه نصر مبين وعودة لما كنا عليه، من أبرز الأمثلة احتفالات الكثير من السلفيين في مصر بعد إقرار دستور 2012، ووصف الحدث بأنه استعادة مصر لهويتها الإسلامية وأدرج حزب النور ذلك في قائمة إنجازاته تحت مسمى: (دستور شرعي على مذهب أهل السنة والجماعة)، بالرغم من أن التوافق عليه داخل التيار السلفي كان على أساس ما عُرف حينها تقليل الشر، وهم ذاتهم الذين احتفلوا بسقوط حكم الإخوان المسلمين على أثر الانقلاب الذي نفذه الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي عام 2013، وكانت دعوتهم الشهيرة: اللهم ولّ علينا خيارنا ولا تولّ علينا شرارنا، وكلنا يعلم من الذي تولاهم، وما إذا كان من الخيار أو الشرار.

هذه النوعية من الذين لا ينظرون إلى الأمور إلا من منظار ضيق جدًا هي ذاتها التي هللت واحتفلت بالانتصار الكبير لمجاهدي أفغانستان على الاحتلال السوفيتي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، والذي اتضح فيما بعد أنه انتصار المشروع الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة وذراعها الأيمن في المنطقة السعودية على المشروع الشيوعي التي تبناه الاتحاد السوفيتي الذي سقط بعد خروجه من أفغانستان بفترة وجيزة، أما مجاهدو أفغانستان أنفسهم، فقد وصمتهم أمريكا والسعودية بالإرهاب وأصبحوا خارجين عن القانون.

مؤخرًا قررت الولايات المتحدة ممثلة رئيسها الحالي دونالد ترامب الانسحاب النهائي من الاتفاق النووي المبرم مع إيران وخمس دول أوربية والذي كان من أهم إنجازات سلفه باراك أوباما، كذلك تقرر إعادة العقوبات التي تم فرضها من قبل على إيران والتي رُفعت بعد عقد الاتفاق عام 2015 وتعريض أي شركة أجنبية تتعامل من إيران للعقوبة في رسالة واضحة للشركات التي بدأت العمل بالفعل في إيران بُعيد الاتفاق مباشرة بأن تصفي أعمالها وتغادر نهائيًا، لا شك بأن هذه ضربة موجعة لإيران التي بدأت تستعيد عافيتها بعد الاتفاق النووي، على الرغم من المعارضة الأوربية لانسحاب أمريكا وتأكيدها على الالتزام ببنود الاتفاق، وأنه ما زال قيد التنفيذ.

عاش إعلام الطبل والأهازيج السعودي أجمل لياليه وعبر عن سعادته الغامرة بانسحاب أمريكا وقيل ما قيل، وهؤلاء طبعًا لا يعنوني في شيء؛ لأنهم ينعقون وراء كل ناعق، ولكن الكلام هنا على من فرح بهذا الأمر ممن نحسب فيهم صدق سريرتهم واعتبر أن هذا هو نهاية المشروع الشيعي في المنطقة والمد الإيراني، ولا ينظر للأمر إلا من منظار محاربة التشيع وكراهية إيران، مشكلتي ليست في ذلك بقدر ما هي في إسقاط الوقائع الأخرى والكثيرة جدًا، والتي توجب علينا إعادة النظر في الصورة بأكملها.

أنا أتورع عن القيام بدور المحلل السياسي فهذا أمر لا أطيقه، ولكن تكفي فقط الإشارة إلى الجهات التي وقفت وراء المشروع أو أيدته.

أولها أمريكا ترامب المنقاد بدافعين أولهما (يمينيته) الحادة وكرهه للإسلام الذي عبر عنه أكثر من مرة في حملته الانتخابية سنته وشيعته، ومؤخرًا دعّم إدارته برجال يحملون ذات (اليمينية الحادة)، وثانيهما محاولة إثبات تفوقه على سلفه أوباما، وهذا واضح في كل قرار يتخذه، وكل خطاب يتلوه أمام الشعب؛ إذ يتكلم عن فشل الإدارة السابقة في هذا الملف أو هذه القضية، وأنه يصلح ما أفسده السابقون.

ثانيها الكيان الصهيوني إسرائيل التي تحس أن خطابات ترامب كلها تتم كتابتها بواسطة رجالها لتتطابق صيغة خطاب الدولتين وأجندته وأهدافه.

وأخيرًا السعودية والإمارات، وهاتان قبلتهما واحدة، وهي أمريكا التي تستقويان بها، ليس على إيران فحسب، بل حتى على أقرب الأقربين، وعلى غرار الإمارات التي تبنت الانفصال، ليس عن المجتمع الإسلامي فحسب، بل عن المجتمع الشرقي عمومًا، وولت وجهها شطر الغرب، بدأت السعودية ممثلة في نظامها الحالي، وعلى رأسه الأمير محمد بن سلمان الانفصال عن الموروث الإسلامي الذي كان اللبنة الأساسية لحكم آل سعود على مدى عقود وولت وجهها هي الأخرى شطر الغرب واتبعاه معًا، أما معاداة إيران والتي جاءت مباشرة بعد ظهور المشاكل الاقتصادية على السطح مباشرة ومعها الخطاب التعبوي ضدها، فهي حتى الآن مجرد كلام على ورق، فالتحالف العربي الذي زعم أنه يحارب المد الإيراني في اليمن بعيد كل البعد عما يقوله بالنظر إلى إنجازاته على الأرض، كما أنه لم يفعل أي شيء يذكر تجاه الهيمنة الإيرانية على سوريا والعراق وحتى لبنان التي احتجزت السعودية رئيس حكومتها سعد الحريري لأسابيع، ونفس الشيء بالنسبة للإمارات التي عملت على تحقيق أهدافها الخاصة من وراء ستار التحالف العربي في اليمن كما لديها أعلى إحصائية في منطقة الخليج في التبادل التجاري مع إيران، أما ما فعلته السعودية والإمارات على الأرض هو محاربة الإسلاميين الذين وصلوا أو كانوا قريبين من الوصول للحكم في دولهم، مثل مصر واليمن وغيرها، ووصفوهم بالإرهاب، ودعموا انقلابات عسكرية وجماعات مارقة تزيد المشهد السياسي إرباكًا في حين كان لهؤلاء الذين حاربتهم أن يكونوا خير سند لها في مواجهة أي تهديد إقليمي أو خارجي.

هذه هي الأطراف التي تدعي محاربة إيران، والتي يصفق لها البعض ظنًا منهم أن فترة مظلمة في تاريخ المنطقة على وشك أن تنتهي؛ ليبدأ عهد جديد ملؤه الأمل والنصر والحرية، وهؤلاء نفسهم هم الذين صفقوا لسياسة السعودية الحكيمة التي كانت سببًا رئيسيًا وراء إنسحاب أمريكا من الاتفاق النووي وتحقق وعد إبن سلمان بنقل المعركة إلى طهران، بينما لم تتفوق السعودية على إيران في شيء قط غير ألعاب الفيديو والمصارعة الحرة.

لا يختلف اثنان على تاريخ إيران الأسود، ودورها التدميري في المنطقة، ولكن المشروع الأمريكي لو فرضنا وقلنا إنه لحماية المنطقة ومحاربة دولة تدعم الإرهاب، فسيأتينا فيما بعد المقاول ليطلب ثمن هذه الحماية كما يفعل دائمًا بفجاجته المعهودة وصلفه وأن تدفع دول المنطقة الفاتورة ليبرهن في النهاية انه مجرد مرتزق يوجه القوات الأمريكية لمن يدفع فقط، وليس لغاية قيمية، وهو في ذلك يباهي أمام العالم كله.

أما الحقيقة المرة فهي أن دول المنطقة بالفعل تدفع ثمن هذه الحماية ومنذ الغزو العراقي للكويت أو قبلها بقليل للولايات المتحدة التي يبدو أنها هي الشقيقة الكبرى الحقيقية، وليس السعودية كما هو معروف، أما حقيقة ما تريده أمريكا هو القضاء على كل ما يمكن أن يكون نظيرًا لها ولو من بعض الأوجه، مثل القوة النووية والنفوذ الإستراتيجي في المنطقة فإيران تحتل عمليًا أربع عواصم عربية وجزيرتين إمارايتين كما لديها نفوذ كبير في أفريقيا وشرق آسيا من خلال المد الشيعي، وكل هذا لم تنله بمشروعها النووي، وإنما بعمل كبير شرعت به منذ اللحظة الأولى من الثورة الخمينية، وبينما هم على هذه الحال نحن ليس لدينا سوى الكلام عن التمدد الإيراني، ولا نكاد نفعل شيئًا بخصوصه، والآن نحتفل بما حدث غافلين أو متغافلين عن الحقيقة الواضحة، وهي أن أمريكا لن تفعل ذلك لأجل عيوننا وما حدث لإيران هو نفسه ما سيحدث لأية دولة تحاول الاستقلال بقرارها السيادي وتوجهها السياسي بمعزل عن أمريكا وإسرائيل سنية كانت أم شيعية.

كم هم مساكين هؤلاء الذين يحتفلون بالقرار الأمريكي الأخير يحبسون أنفسهم داخل لحظة الفرح هذه، ولا يتعدونها ولو لدقائق معدودة؛ ليتأملوا في ما قد يحدث في قادم الأيام، هؤلاء الذين يشكرون السعودية على دورها الفاعل في السياسة الأمريكية الجديدة تجاه إيران وهي مجرد تابع لا متبوع تردد عبر قيادتها كل ما تؤمن به القيادة الأمريكية ووصل بها الحال إلى خطابها المهين في حق القضية الفلسطينية وظهور أمارات التنازل عن القضية السورية وسقوط نظام بشار الأسد، يحتفل هؤلاء بما حدث ولا يدركون أن خصمهم القادم سيأتيهم من وراء ظهورهم وقد كان لهم حليفًا في يوم ما أو هكذا قال.

ونحن نستقبل شهر رمضان ما زلنا على نفس الحال الذي استقبلنا به العشرات من شهر رمضان نعاني من تقييم الأمور وفق الرؤية المجتزأة التي لا تغطي ولو عشر الصورة الكاملة، ولا تنظر للتداعيات وما يمكن أن يحدث ولو اليوم الذي يلي، ننقاد وراء شغف تحقيق الانتصارات ولو كانت وهمية، وبينما نحن على ذلك تزداد حالة التشظي والشقاق شيئًا فشيئًا، إلا أن نقر بوجوب مراجعة شاملة جادة لكل ما سبق ليتم العمل وفق رؤية ومرجعية واضحة المعالم تتوحد عليها جميع الطوائف لمواجهة المخاطر التي تحيط بنا وعزل كل من يعمل وفق أجندته الخاصة التي لا تخدم طرفًا سوى نفسه، ومن يبتغ حلًا في غير ذلك ليس له سوى القطار العجيب في سلسلة روايات الراحل أحمد خالد توفيق ليأخذه إلى عالم فانتازيا الذي لا تنتهي عجائبه عسى أن يجد الحل هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد