لما كان القرآن يقيني الثبوت، فيصعب على أي أحد أن يجره لطريقه، أما السنة، فلأنها ظنية الثبوت، فقد تناوب التعصب، والإرهاب، والاستبداد، والخرافة، الاعتماد عليها؛ فكلٌ يضع حديثًا وينسبه للنبي، حتى تكوَّن ركام من السنة الزور يهدم القرآن!

وجدنا قرآنًا يحصر المحرمات في حدود ضيقة .. وسنة تتكاثر فيها المحرمات والمحظورات!

قرآنًا لا يتدخل في المعاملات إلا للحفاظ على الأخلاق .. وسنة تنقل عادات زمن النبي وتجعلها دينًا!

قرآنًا يبني عقلية عقلانية يقينية .. وسنة تؤمن بالخرافة، وتؤسس لأساطير الدجال، والمهدي المنتظر، والسحر، والحسد، والطب النبوي، وولاية عليّ .. الخ!

قرآنًا يقر حرية الاعتقاد .. وسنة تقتل المرتد، وتقاتل الآمنين، وتمنعهم عبادتهم، وتضيق عليهم!

وحين يرُد عالم حديثًا مناقضًا للعقل، والقرآن، والسنة يُتهم بإنكاره السنة كلها! فاتهموا المعتزلة، وأبا حنيفة، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحمد الغزالي، والقرضاوي بذلك!

هل قول النبي حجة؟

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ .. تكرار أمر (أطيعوا) دال على أن في طاعة الرسول ما هو زائد على طاعة الله، كما أن طاعة الرسول تختلف عن طاعة أولي الأمر؛ إذ نزع الطاعة عن أولي الأمر حين النزاع، أما طاعة الرسول فلا تُنتزع أبدًا.

وقد أضاف النبي بالفعل أوامر زائدة على القرآن؛ إذ أضاف هيئة الصلاة، وقدر الزكاة، وكثير من الأحكام العملية. ويستحيل أن ينقل النبي هذه الأوامر عن أحد، ولا يمكن استنباطها بالعقل، وإنما هي نقلًا عن الله تعالى أوحاه لرسوله الكريم.

وقد تواترت الأخبار الدالة على أن النبي أمر الصحابة باتباعه في المناسك وطاعته في التشريع، باعتبارها من عند الله. ولأنه قد وقعت المعجزة على يديه، وثبتت عصمته، فمحال أن يبتدع أحكامًا شرعية وينسبها إلى الله كذبًا.

لذلك أجمعت كل فرق المسلمين: معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية، وشيعة، وخوارج، وكل المذاهب الفقهية، وكل الصحابة والتابعين على حجية السنة.

أما عن نهي النبي عن كتابة الحديث، هل ينكر حجيتها؟

قد ثبت أن النبي أباح كتابة الحديث في أكثر من موضع، مثل قوله: اكتبوا لأبي شاه، وصحيفة عليّ التي حوت بعض أقوال النبي، وكتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وكتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر أنسًا حين وجهه إلى البحرين، وقول أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب،([1])، وقول عبد الله بن عمرو: بينما نحن حول رسول الله نكتب ..([2])، وقوله: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه، وقول النبي له: اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا حق.([3])

فلو ثبت نهي النبي مرة، فهي بلا شك لسبب خاص، بصرف النظر عن هذا السبب. والمهم أن النبي كان يُلزِم الصحابة بطاعته، ويحفظون أمره، ويتناقلونه، ويحتجون به.

هل كُتُب الحديث حُجَّة؟

أولًا: إذا كنت بين يدي النبي وأمرني بأمر ديني، فهو بلا شك ملزِم لي، أما إذا خرجت من عنده وقلت لك: أمر رسول الله بكذا. هل هذا الأمر مُلزِم لك؟

هنا لم يعد الأمر متعلقًا بحجية السنة، بل الشك يتعلق بالراوي، هل فعلًا أَمَر النبي بذلك؟ وهذا يحتاج دراسة شرطين:

1. التبين من صدق الراوي وحفظه (السند).

2. التبين من محتوى الحديث (المتن)؛ هل يخالف العقل أو القرآن أو الثابت عن النبي؟

إذن لا يجرؤ مسلم على رد قول النبي، ولا أحد يقول أن قول النبي لا يلزمني، وإنما محل البحث وأصل الخلاف: التأكد أن النبي قال ذلك فعلًا.

ثانيًا: لماذا لا يجمع العلماء الأحاديث الصحيحة في كتاب واحد ونرتاح من البحث عن صحة كل حديث على حدة؟

المشكلة أنه قد وقعت اختلافات في شروط صحة الحديث، منها:

يشترط البعض أن يروي الحديث اثنان([4])، مثلما يُشترط في الشهادة، والتدقيق في الدين أولى من الخلافات الدنيوية، وآخر يكتفي براوٍ واحد ثقة.

ولو اتفقنا أن راوٍ واحد ثقة يكفي، فقد يحكم البعض بعدالة راوٍ وينكر عدالته آخر، وبالتالي من عدَّله يأخذ منه، ومن جرَّحه يرد أحاديثه.

وقد يرى البعض حديثًا يتعارض مع القرآن أو العقل أو السنة الثابتة، فيرده، ويرى غيره تأويلًا للحديث يتفق مع الأصول فيقبله.

قد تتعارض قواعد الحديث؛ مثلًا معروف أن الراوي الأوثق مقدم على الأقل ثقة، والراوي الذي شهد الحادث مقدم على من لم يحضر .. لكن ماذا لو تعارض الأكثر ثقة ولم يحضر الحادث مع الأقل ثقة الشاهد على الحادث؟! هنا يختلف العلماء وكلٌ يرجح رأيه بالقرائن، والواقع أن اختلاف القرائن والظروف غالبًا ما يفرض لكل حديث دراسة خاصة.

إذن وصف حديث بالصحيح مثل وصف فتوى بالصحيحة، نسبي، فالحنفي يرى فتوى الحنفية صحيحة طبقًا لمنهجه، أما الشافعي فلا يراها صحيحة، كذلك في الحديث، منهم المتساهل في التصحيح ومنهم المتشدد، وكلٌ يرى أحاديثه صحيحة.

يقول العراقي: وحيث قال أهل الحديث: هذا حديث صحيح، فمرادهم فيما ظهر لنا، عملًا بظاهر الإسناد.([5])

ثالثًا: الأهم والأدق هو التفريق بين دور المُحدِّث (عالم الحديث) والفقيه:

المُحدِّث دوره تاريخي، ولا يُعني بالأحكام الفقهية الناتجة عن هذه الآثار، فهو ينقل أقوال الصحابة، والتابعين، وأفعال النبي وأقواله الدنيوية. أما الفقيه فهو يختص باستنباط حكم الله، لذا يعنيه التفريق بين المقدس والبشري، ويرى الفقهاء أن للنبي أكثر من دور؛ هو رسول الله، وما يصدر عنه بهذه الصفة فهو تشريع ديني ملزم، وهو أيضًا قاضٍ، ورئيس دولة، وإنسان عادي، وما يصدر عنه بهذه الصفات، ليس تشريعًا دينيًا، لذا يجب تحديد صفة النبي التي صدر عنها القول. بذلك نفهم أن المحدث قد ينقل أحاديثًا ولا يأخذ بها الفقيه، لأنها ليست تشريعًا دينيًا.([6])

المحدث مجال عمله هو سلامة النقل، يدرس سنده ويتعلق للمتن بما يؤكد سلامة النقل. أما الفقيه فمجال عمله هو المتن، فيُخضِع الحديث للقواعد الفقهية، والترجيح بين الأدلة. يقول ابن حجر في حديث: من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى: فإن قيل: إنما حُكم عليه أنه مكذوب، نظرًا إلى لفظ المتن، وكون ظاهره مخالفًا للقواعد. قلنا: ليست هذه وظيفة المحدِّث.([7])

يدرس المحدث صحة الحديث بصرف النظر عن مجاله، أما الفقيه فيهتم بمجال الحديث؛ لأن كل مجال يشترط درجة من اليقين؛ فالعقيدة تتطلب نصًا متواترًا، يقينًا، والأحكام الفقهية تتطلب ظنًا راجحًا على الأقل، أما الأخلاق وفضائل الأعمال، فيكفي صحة المعنى حتى لو ضعف السند.

كتب الحديث تصنف الأحاديث موضوعيًا؛ أي تسرد كل ما ذُكر في موضوع كذا، أما الفقهاء فيهتمون بملابسات قوله والظروف التي قيل لأجلها، وهل تحوي حكمًا خاصًا أم تشريعًا عامًا؟ والراوي قد يصدق في الرواية ولكنه لا يضع الحديث في موضعه، فيقول عروة بن الزبير في أبي هريرة: صدق وكذب؛ أما أن يكون سمع بذلك من النبي، فلا شك فيه، لكن منها ما وضعه على موضعه، ومنها ما لم يضعه في موضعه.([8]) ومثال ذلك: قول النبي: لا تلقوا الركبان، إن عزلنا النص عن الحادث الذي قيل فيه، سنفهم أنه لا يجوز اسقبال أي مسافر على الإطلاق! أما حين نعرف أن في عهد النبي كان البعض يستقبلون التجار على أطراف المدينة، ويستغلون جهلهم بالأسعار في السوق، فيعرضون عليهم أبخس الأسعار، فنهى النبي عن هذا الاستغلال، وقال: لا تلقوا الركبان، هنا يختلف فهمنا للحديث.

من هذه الاختلافات التخصصية، كانت النتيجة التي يعلنها د. معتز الخطيب: ليس كل مقبول عند المحدث يُعمل به عند الفقيه([9])، ويقول عبد الرحمن بن مهدي: قال ابن عيينة: الحديث مَضَلَّة إلا للفقهاء. يريد أن غير الفقهاء قد يحمل شيئًا على ظاهره وله تأويل من حديثٍ غيره، أو دليل يخفى عليه، أو أن الحديث متروك، ودليل آخر أوجب تركه.([10]) ويظهر هذا التفريق المهني جليًا حين نجد عالمًا محدثًا وأصوليًا في الوقت نفسه، مثلًا أحمد بن حنبل، فهو مُحدِّث وفقيه، وقد خرَّج أحاديثًا ولم يحتج بها، بل أفتى بعكسها، يقول ابن الجوزي: قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في (مسند أحمد) ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم .. فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد رد كثيرًا مما روى، ولم يقل به، ولم يجعله مذهبًا له([11])، ويقول ابن تيمية: ليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده.([12])

رابعًا: علماء الحديث لم يرووا الأحاديث الصحيحة فقط، وإنما رووا أحاديثًا هم أنفسهم يروها ضعيفة، ورووا أحاديثًا متناقضة، وهم يعلمون بتناقضها، والسؤال: لماذا؟

لأن أحد طرق تقوية الحديث هو روايته من عدة طرق في السند تقوي بعضها، فيروي الحديث رغم ضعفه، لعله ورد بطريق آخر، وبذلك ينتقل الحديث من الضعف الشديد إلى الضعف اليسير. يقول ابن حجر: الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد.([13])

وقد يذكر المحدث الحديث لأخذ العبرة منه لا للاستدلال به، يقول ابن تيمية: كان أهل العلم يكتبون الأحاديث برواية المجهول، والسيئ الحفظ، والمرسل، ويقولون: إنه يصلح للاعتبار ما لا يصلح لغيره، وقال الإمام أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره.([14])

وقد يكون غرض المؤرخ تجميع كل ما قيل بصرف النظر عن صحته، مثلًا (تاريخ الرسل والملوك) للطبري، هو كتاب موسوعي حوى كل ما وصل للطبري، ولم يتحرى الصحة، وحين الخلاف يروي أقوال كل الأطراف على اختلافها، وهو بنفسه يقول: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا.([15])

هل حديث الآحاد يقيني؟

لو نقل الحديث راوٍ ثقة، هل يصبح يقيني؟

كل الضوابط التي وضعها العلماء للكشف عن عدالة الرجال – بالرغم من دقتها – هي حكم على الظاهر؛ لأنه لا أحد يدري بواطن النفوس، لعل من يُظهِر الصلاح هو فاسد يخفي فساده، أو منافق يخفي كفره، ولعل من نُكذِّبه قد صدق هذه المرة، والنبي نفسه لم يعرف حقيقة من حوله، وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.

أما عن الحكم على حفظ الرواة، فقد نقل كثير من الرواة الحديث بالمعنى وليس باللفظ، فليس شرطًا أن النبي قال الأحاديث التي بين أيدينا بنفس النص، وإنما نقل الرواة ما فهموه هم، ووارد أن ينقل الراوي فهمًا خاطئًا، أو يسقط لفظًا سهوًا، أو يدخل على النبي وسط كلامه فيفهم مقصده خطًأ، أو يكون النبي ينقل عن غيره وينسب الراوي القول للنبي. مثلًا قالت عائشة: رُوي عن النبي أنه قال: الشؤم في ثلاث: المرأة، والدار، والفرس وقد حكاه النبي عن غيره!([16])

يقول البزدوي: وقد كان النقل بالمعنى مستفيضًا فيهم، فإذا قصَّر فقه الراوي عن درك معاني حديث النبي وإحاطتها، لم يُؤْمَن من أن يذهب عليه شيء من معانيه بنقله، فيدخله شبهة زائدة.([17])

وبذلك يعترف علماء الحديث أن الثقة قد يخطئ، ولم يأخذوا كل ما يرويه مسلَّمًا بصحته، بل نظروا في المتن ودققوا في المحتوى، فلم يشترطوا لصحة الحديث: عدالة الراوي وضبط حفظه فقط، بل اشترطوا سلامة متن الحديث من العلة والشذوذ. والعلة: هي أسباب خفية قادحة في الرواية، مثل تفرد راوي واحد بالرواية، بالرغم من احتياج النص للانتشار، أو ورود الحديث بطريق آخر به زيادة في النص، أو تعارض طريقين لنفس الحديث، أو تعارض الحديث مع العقل أو القرآن أو السنة الثابتة، أو تعارض المتن مع عمل الراوي. والشذوذ: هو أن يروي الثقة حديثًا يخالف من هو أوثق منه.

يقول ابن تيمية: إنهم يُضَعِّفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تَبَيَّن لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا علم علل الحديث، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطه فيه عُرف بسبب ظاهر، كما عرفوا أن النبي اعتمر أربع عمر، فعلموا أن قول ابن عمر: أنه اعتمر في رجب، مما وقع فيه الغلط .. وهذا كثير.([19])

ويقول ابن الصلاح: قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح؛ لكونه شاذًا معللًا([20])

ويقول الزركشي: السند قد يكون صحيحًا مع الحكم على المتن بالضعف.([21]) ويقول: قد رأينا كثيرًا من الأئمة يقولون: هذا حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح، أو إسناده غير صحيح ومتنه صحيح.([22])

ويقول الذهبي: ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على الخطأ.([23])

كل ذلك يدفعنا لنتيجة حاسمة: أن حديث الواحد ظني وليس يقيني.

هل يؤخذ بالآحاد في العقيدة؟

كل علم يضع شروطًا لليقين الذي يطمئن إليه؛ فنقل الأخلاق الحسنة لا يتضرر من الشك والظن، فحتى لو ضعف حديث يدعو للأمانة، فلا ضرر من اتباعه، أما قوام العقيدة وبنيانها لا يسمح بالظن والشك، وإلا سيعتقد المرأ كل ديانة، وكل خرافة، وكل أسطورة، وكل وهم!

قال تعالى: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا.

إن العقيدة الحق تشترط اليقين التام، لذا لم يترك القرآن أصلًا من أصول الدين، أو عقيدة من عقائده الثابتة إلا وذكرها ليضمن ثبوتها بالتواتر، فإن لم يذكر القرآن الأصول، فما الذي تفرغ لذكره؟!

وحتى لو تُركت العقيدة للسنة، فلا يستطيع حديث آحاد أن يثبت عقيدة، لأنه ظني الثبوت، فهو لا يفيد العلم. وهو ما اعتبره جل العلماء مسلَّمة بديهية، ولم يشذ عن ذلك إلا الحنابلة، وقد رد عليهم الجويني ردًا شديدًا فقال: ذهبت الحشوية من الحنابلة وكَتَبَة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي لا يخفى على ذي لب، فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يخطيء من وصفتموه بالعدل؟ فإن قالوا: لا، كان ذلك بهتًا وخرقًا لحجاب الهيبة، وقد زل من الرواة الأثبات جمع قليلون، ولو لم يكن الغلط متصورًا لما رجع راوٍ عن روايته، وإذا تبين إمكان الخطأ، فالقطع بصدق الراوي محال، ويجوز القطع بصدق الراوي إن كان عدلًا في علم الله، لكننا لم نطلع على علم الله، فلا نقطع بعدالة واحد، لأنه يجوز أن يضمر بخلاف ما يظهر.([24])

ويقول الغزالي: خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلومٌ بالضرورة، فإنا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدَّقنا وقدَّرنا تعارض خبرين، فكيف نصدق بالضدين؟!([25])

ويقول محمد عبده: الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد.([26])

ويقول سيد قطب: أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة. والمرجع هو القرآن. والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد.([27])

هل يمكن رد حديث من جهة المتن؟

أولًا: يجب الالتفات إلى أننا لم نصل لتوثيق الرواة إلا بعد النظر أولًا في مروياتهم، يقول د. معتز الخطيب: نقد أئمة الحديث المتقدمين للرواية سندًا ومتنًا يسبق نقدهم للرواة جرحًا وتعديلًا؛ ذلك أنهم بعد أن ينظروا في أحاديث الراوي ومروياته يطلقون عليه الحكم، فإن كانت أحاديثه مستقيمة موافقة لما يرويه الثقات الأثبات، وصفوه بأنه ثقة، واستدلوا لثقته بأن أحاديثه مستقيمة، وإن كان أغلبها مخالفًا لروايات الثقات الأثبات، أو ليس لها أصل عندهم، ضعفوه.

ومن أدلة ذلك قول الآجري: سألت أبا داود عن مسلمة بن محمد الثقفي .. قلت: حدَّث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: إياكم والزنج؛ فإنهم خلق مشوه. فقال: من حدَّث بهذا فاتهمه.([28])

ثانيًا: انتقاد المتن وقع منذ عهد الصحابة أنفسهم، يقول د. معتز الخطيب: رُوي عن بعض أئمة الصحابة انتقاد بعض متون الحديث لعلل، وهم: السيدة عائشة – وكان لها النصيب الأوفر – وسادتنا عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر.([29])

ثالثًا: انتقاد المتن وقع من المُحدِّثين لأنهم اشترطوا سلامة الحديث من العلة والشذوذ، ووقع من الفقهاء بشكل أوسع لتخصصهم في المتن.

رابعًا: لما كان علم أصول الفقه مختصٌ باستنباط الأحكام من الأدلة، كان ضرورةً ولزامًا عليه أن يعقد بابًا لدراسة: الترجيح بين الأدلة؛ وفي هذا الباب نجد اجتهادات وعصارات ذهنية للعلماء، تضافرت لتضع مقاييس رد حديث الآحاد، منها:

1. مخالفة العقل:

يقول ابن حزم: كل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلف اعتباره، أي لا تعتبر رواته ولا تنظر في جرحهم.([30])

ويقول الشيرازي: إذا روى الخبر ثقة رُد بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيُعلم بطلانه، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.([31])

ويقول الجصاص: كل خبر يضاده حجة للعقل فهو فاسد، غير مقبول، وحجة العقل ثابتة صحيحة.([32])

وهو ما نص عليه البغدادي([33])، والزركشي، وابن حجر، والخطيب، والكلوذاني([34])، والأسمندي([35]) صراحًة.

ويقصد العلماء بالعقل هنا: ما اتفق عليه العقلاء، اليقين، وليس الرأي الشخصي، النسبي، الظني.

2. مخالفة القرآن:

رد الحديث المخالف للقرآن ليس محل خلاف، وإنما الثغرة التي قد يدخل منها البعض أنه عند تعارض حديث مع آية، يدَّعون أن الحديث نسخ الآية! لكن يرد الإمام الكلوذاني: الشرع قد منع من نسخ القرآن بخبر الواحد، وحجة ذلك أنَّا قد علمنا أن الله تعالى تكلم بالآية، وأن النبي تكلم بما ورد به التواتر، فلو أخذنا بخبر الواحد، لكنا قد تركنا ما علمنا أن المشرع قاله إلى ما لا نعلم أنه صدق، فنترك اليقين بالشك، وهذا لا يجوز.([36])، ويقول القرضاوي: الحكم بإعدام آية من القرآن مسطورة في المصحف لابد له من دليل قطعي، ولا تكفي فيه الظنون.([37])

3. مخالفة السنة الثابتة.

4. ما توفرت الدواعي لنقله بالتواتر ونُقل آحادًا:

يقول الجويني: كل أمر خطير ذي بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواترًا، إذا نقله آحادٌ فهم يُكذَّبون فيه([38])، وذلك لأن الحالة التي تشمل عموم الناس وللدين حكم فيها، يجب على النبي أن يبينه بيانًا شائعًا، وذلك بأن يعلنه أمام جمع عظيم، أو يسأله كل من يحتاج إليه فيجيبه، وبذلك لابد أن ينتشر، وعدم انتشاره دليل أنه مكذوب على النبي.

5. مخالفة أصول الدين:

يقول ابن عبد البر: من أصل أبي حنيفة وأصحابه: عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمع عليها أو المشهورة المنتشرة([39])، وقد يعترض البعض على هذا الجانب قائلًا: القواعد الفقهية وضعها الفقهاء من النص، فكيف ترجحون قاعدة من صنع البشر على النص نفسه الأصل؟!

في الحقيقة القواعد الأصولية مأخوذة من الدين نفسه، وسُميت قواعد لأنها ثابتة، راسخة، يقينية، متواترة، يقول القرضاوي: المقاصد العامة للشريعة اكتسبت صفة القطعية، لأنها لم تُؤخذ من نص واحد أو نصين، بل أُخذت من مجموعة من النصوص والأحكام أفادت يقينًا وجزمًا بثبوتها.([40])

مثلًا قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، ليست مأخوذة من شخص أو حتى نص حديث: لا ضرر ولا ضرار، وإنما مأخوذة من مقاصد الدين الكلية، ونصوص الوحي الثابتة، وأحكام الشرع المتواترة، فأي حديث آحاد، ظني، يعارض هذه القاعدة، كأنه يعارض باقي النصوص اليقينية، يضع نفسه في كِفة وباقي الدين في كِفة، فيجب رده بلا شك، وإلا وقع الدين في تعارض عظيم.

بهذه الشروط الحاسمة، والمنهجية المنطقية تحرى العلماء سنة النبي ليكتمل بنيان المعرفة الدينية في عقل المسلم: عقلٌ، وقرآنٌ، وسنةٌ، تلك هي المصادر والمنابع والأصول، يتكاتفوا فوق بعضهم ليرى أبعد وأعمق وأدق، لا يتفوه بكلمة ولا يهفو بفكرة إلا بتصريح من الأصول الثلاثة، عقل متصالح، متيقن، متسق.

 


[1]. (شرح النووي على مسلم) ج18 ص129

[2]. (المستدرك على الصحيحين) رقم (8350)

[3]. (سنن أبي داود) رقم (3646)، (سير أعلام النبلاء) ج3 ص87

[4]. رأي أبي علي الجبائي، انظر (آراء المعتزلة الأصولية) ص333

[5]. (شرح ألفية العراقي) ج1 ص15

[6]. انظر (حجة الله البالغة) ج1 ص271 للإمام الدهلوي، (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) ص108 للإمام القرافي، (الإسلام عقيدة وشريعة) ص431 للإمام محمود شلتوت

[7]. (النكت على كتاب ابن الصلاح) لابن حجر ج1 ص454

[8]. (البداية والنهاية) ج8 ص109، نقلًا عن (دفاع عن السنة) ص96

[9]. (رد الحديث من جهة المتن) ص153

[10]. (الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ) ص117

[11]. (مسند أحمد) ج1 ص74

[12]. (مسند أحمد) ج1 ص76

[13]. (الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع) ص70

[14]. (مسند أحمد) ج1 ص75

[15]. (تاريخ الطبري) ج1 ص8

[16]. (المعتمد في أصول الفقه) ص155

[17]. (أصول البزدوي) ص159

[18]. (توجيه النظر إلى أصول الأثر) ج2 ص756

[19]. (مجموع الفتاوى) ج13 ص353

[20]. (مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح) ص184

[21]. (النكت في مقدمة ابن الصلاح) للزركشي ج1 ص117

[22]. (مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح) ج1 ص120

[23]. (الموقظة) ص78

[24]. (البرهان في أصول الفقه) ج1 ص321، منقول بتصرف

[25]. (المستصفي من علم الأصول) ص215

[26]. (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج5 ص542-545

[27]. (في ظلال القرآن) ج30 ص4008

[28]. (رد الحديث من جهة المتن) ص246

[29]. (رد الحديث من جهة المتن) ص178

[30]. (الموضوعات من الأحاديث المرفوعات) ج1 ص315

[31]. (اللمع في أصول الفقه) ص45

[32]. (الفصول في الأصول) ج3 ص122

[33]. (الكفاية في علم الرواية) ص472

[34]. (التمهيد في أصول الفقه) ج3 ص147

[35]. (بذل النظر في الأصول) ص460

[36]. (التمهيد في أصول الفقه) ج3 ص149

[37]. (فقه الجهاد) ص13

[38]. (البرهان في أصول الفقه) ج1 ص256

[39]. (الاستذكار) ج7 ص326

[40]. (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟) ص45

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد