ستة أعوام ونيف مرت منذ أن احتشد جمع من الشباب في ميدان التحرير وسط القاهرة صبيحة يوم الخامس والعشرين من يناير في العام 2011، هاتفين بعيش وحرية وكرامة إنسانية لينتهي بهم المطاف بين مقامين، مقام السماء ومقام السجون والمعتقلات.

كنت حينها الفتى ذا السبعة عشر ربيعًا، يملؤني وهج الثورة نشوة وحماسة لمستقبل أفضل في بلد لم أشهد وأبناء جيلي من مجدها التليد إلا ما حملته لنا مناهج دراسية عقيمة صاغتها عقول أنظمة أكثر عقمًا .

كنا نختلس النظر بحثًا عما سكت عنه أو ما أسكت عنه في كتب شحت علينا بها أرفف المكتبات، حراك سياسي وعيون أمة متعبة شاخصة نحو جيل جديد من الشباب، شكل لهم التحرير وأقرانه من الميادين ملاذًا ومنصة للرفض والإعلان عن ميلاد فجر جديد من الحرية والديمقراطية، ولم يكن في الحسبان أن الشبكات العنكبوتية من ذوي النفوذ والمصالح وراكبي الجيب ومرتدي الكاكي ومطلقي اللحى المزيفة ستجتمع على هدف واحد وهو الفتك بالثورة.

اجتمعت المصالح لدى قوى الشر سريعًا، ولم تجتمع أبدًا مصالح نخبة سياسية فاشلة تركت الشعب فريسة سهلة لظلام اليأس والفقر.

لم يكن غريبًا أبدًا أن يلقي بسطاء الشعب بأنفسهم في أحضان القوى التي لطالما أوهمتهم بأنها وحدها من تملك مفتاح الحياة، وتعويذة الأمن السحرية منذ أمد بعيد، ولا أخفي عليكم مقدار الإحباط والأسى والشعور بالنقمة على المجتمع والساسة والجهل والفقر والفساد الذي نشعر به نحن الشباب، الذي حمل لواء الثورة ودافع عنها ومنحها رمق الحياة، بحراكه طوال 6 أعوام في الميادين والشوارع والجامعات وعلى المقاهي وفي اللجان الانتخابية، أتذكر الشهور الأولى للثورة جيدًا، كم كان مقدار الحرية السياسية والحراك السياسي كبيرًا وسريعًا، كم كانت الأحلام عريضة ووردية، لدرجة أنني وبعقلية أقرب إلى سذاجة الشاب الناشئ عشية تنحي مبارك، كنت أستمع إلى إحدى المحاضرات من أحد أساتذتي، فتلقى عقلي كلمات لم أنسها أبدًا، وأنا الحديث العهد حينها بالسياسة ومفرداتها، كان الحديث يدور حول نقطة واحدة، أن الوضع تغير والبلاد انطلقت نحو عهد جديد، لا فساد، لا محسوبية، لا بطالة، لا كبت سياسي، اجتهدوا !

فبمجرد التخرج سوف تحصل على وظيفة مرموقة، وستفتح أمامك الحياة مسالكها التي تفرشها الورود، ولوهلة اعتقدت أن مصر قد حملتها حفنة من الملائكة إلى الجنة، يومها عدت إلى غرفتي وأنا على أعتاب أشهر قليلة من امتحانات الثانوية العامة، فافترست تلك الكتب التي لطالما كانت نصوصها الرتيبة وأفكارها العقيمة تشكل ثقلاً على قلبي، لكن سرعان ما كانت الصدمة، وكانت المعارك والدماء والخسائر، وخبا نجم الثورة يومًا بعد يوم، مخلفـًا غصة في نفسي لا تزول أبدًا، وكأن لسان عقلي الآن وأنا اليوم شاب في الثالثة والعشرين من العمر يسأل، أين ذهبت مصر الوردية التي رسمت لي يومها في المحاضرة؟

لقد أخطأ الجميع، ولا أستثني أحدًا «الشعب، الشباب، النخبة السياسية بكل طوائفها، التيارات الدينية، الإعلام، الجيش»، الكل ساهم في إفشال الثورة، ولكل أسبابه وأهدافه التي بتنا نعلمها جميعًا، لكن المؤكد أن المستفيد الآن من حالة الركود السياسي والكبت الذي يعاني منها الشعب مضاف إليها الأزمة الاقتصادية الخانقة وانعدام الحرية السياسية والقمع والاعتقالات، هي الطائفة التي آلت إليها الأمور في نهاية المطاف، المطاف الذي ضحى خلاله كثيرون وأزهقت أرواح وأريقت دماء، كان لديها الكثير لتقوله للحياة ولتضيفه للإنسانية، إننا الآن في مأزق كبير، فأمامنا أعوام كثيرة لنتحدث عن التعافي من صدمة تجربة فشل الثورة، فالأمر ليس بالهين على شعب لم يعتد الثورة، أن يتحرك في مشهد نادر من تاريخه ليؤول به الأمر إلى ما آل إليه، ثم تطلب منه بعد ذلك أن يعيد الكرة مرة أخرى، فقد يستغرق الأمر أعوامًا وقرونًا، تلك هي الحقيقة المرة التي ينبغي علينا جميعًا إدراكها، نحن أمام أمر واقع، لقد فشلت الثورة، ومصر الآن تقف على شاطئ تتلاطمه أمواج الخريف العربي العاتية، بينما نحن نقف في مشهد سينمائي حزين لنشاهد براءة مبارك ونظامه آخر محطات ثورة تؤول شمسها نحو المغيب في يوم أن دخل الأحرار السجون وذهب المجرمون واللصوص إلى منازلهم غربت الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد