من المتفق عليه في العالم كله، أن الوالدين واجبهما الرقم واحد في الحياة هو رعاية أطفالهما، لا يهم كيف كانت الطريقة، رغم أن الطريقة الأساسية والمتعارف عليها واضحة، «الحماية»، ولكن هل هي حقًا الطريقة الفعالة للخروج بنتيجة مُرضية لنا ولهؤلاء الأطفال؟ مهلًا، هل حقًا علينا أن نكون راضين تمامًا وبشكل كلّي عما يكونه أطفالنا، أم أن القبول خيار متاح أيضًا؟ وهل لنا حق التحكم في حياتهم لتكوينهم تمامًا كما يجب في اعتقادنا؟

حسنًا، بداية سنتكلم عن تكوين الطفل في الستين شهرًا الأولى من حياته، أي الخمس سنوات الأولى، في هذه الفترة تكوين الطفل مهم جدًا، وتعد من أكثر الأوقات التي تؤثر على الطفل وترسخ في ذاكرته حين يكبر، لذلك من المهم جدًا أن نبقى متيقظين لكيفية تكويننا لأطفالنا في هذه الفترة، فمن أكثر الأخطاء شيوعًا في هذه الفترة، قضية التعلُّق، ونستطيع أن نلمس ذلك بشكل واضح للغاية منذ الأشهر الأولى، ولعل أكثر مثال حقيقي يمكنني أن أذكره هو تعود الطفل على حمله، وبعدها سيتحتم على الأم المسكينة أن تصبح «كنغرًا» لتواكبه وتتخلص من بكائه المتواصل بسبب تركه على فراشه، وبطبيعة الحال، يكون الأمر حميميًا جدًا في البداية خصوصًا للأمهات الجديدات، لا أعتقد أن هناك مشكلة بخصوص الأباء الجدد لأنهم في الأصل لا يزالون تحت صدمة أنهم قد أصبحوا آباءً، ومن خلال عدة تجارب حياتية أستطيع أن أقول: إن الأب الجديد «يخاف» من حمل الطفل عندما يكون رضيعًا لسبب لا يزال غامضًا.

عندما يصل الطفل إلى عمر السنتين، يرتفع المستوى التكويني هنا، وسيكون على الوالدين والأم خصوصًا التخلي عن تلك الحميمية والخوف، بشكل جزئي طبعًا، يبدأ الطفل في تعلم المشي وتبدأ الحوادث، فمرة يسقط من الدرج ومرة أخرى يتعثر في الردهة وحوادث أخرى من هذا النوع تترك له لوحات فنية على جسمه ورأسه بالتحديد، ولو أعدنا لقطة سقوط الطفل بالعرض البطيء سنلاحظ أن الطفل يمشي فيها بشكل عادي وقد تكون الأم مراقبه له، وأحيانًا أخرى تمسك بيده، وعندما يسقط تجدها تركض مسرعةً للإمساك به، وهذا أمر فطري فيها، «حمايته»، ولكن ماذا لو تركته لمدة قصيرة قبل أن تسرع إليه وتمسك به، ماذا لو تركته يحاول أن ينهض لوحده ومن ثم تساعده، أعتقد أن المشكلة الأساسية تبدأ من هنا، منذ عمر السنتين، لا يترك للطفل أي فرصة حتى يفعل شيئًا وحده، ويستمر الأمر معه غالبًا حتى بعد زواجه إن لم يضع حدًا لذلك.

التكوين والتربية جزء مهم للغاية وضروري، بل هو واجب على كل والدين تجاه أطفالهما، وحمايتهم لا بد منها، ولكن ترتيبنا للحماية في التربية هو الخاطئ، هي في البداية مهمة جدًا، كون بعض الأشياء خطيرة جدًا ولا مجال لتركه يجربها، ولكنني أتحدث عن أمور غير هذه، مشكلتنا الأساسية هي أننا نريد لحياة أطفالنا أن تكون مثالية، وقراراتهم صائبة فحسب، لا يجب أن تكون خاطئة ولو نسبيًا، وهذا أسوء شيء نفعله لأجلهم لو ندرك ذلك، ما يجب أن نفهمه بشكل أساسي هو أن حماية أطفالنا قد تكون بطرق أخرى غير التي نراها، أطفالنا ليسوا بحاجة لتلك الحماية التي نمدها لهم، أطفالنا بحاجة لمجال، لفرصة، لتجربة، وحمايتنا لهم تكون عن طريق كوننا بجانبهم لحظة السقوط، ليس واجبنا على الإطلاق منعهم من السقوط، ولكن واجبنا الأهم والأساسي هو أن نكون بجانبهم لحظة السقوط، وإن مدوا لنا أيديهم نمسك بها، أعتقد أن هذه هي الحماية بمفهومها الحقيقي، قد يبدو الأمر صعبًا في البداية، ولكن بطريقة ما إعلانات «ديتول» و«لايف بوي» قد تساعدك بشكل جزئي على فهم ذلك، ففي النهاية قد تستطيعين حمايته من جراثيم بيتك، ولكن هل تستطيعين أن تحميه من تلك الموجودة في العالم بتواجدك معه دومًا؟ صدقيني ستكونين الأم المملة وتجعلين منه «ولد أمه» فحسب، أعطه فرصة ليعيش الحياة التي يريدها عندما يريد ذلك، فقط كوني معه وسانديه لأن ذلك هو كل ما يحتاجه منك، وتلك هي أقوى حماية من الممكن أن تعطيه إياها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد