الدين هذه الكلمة العربية التي احتار علماء اللغة العربية في تحديد معنى لغوي ثابت لها، فهي تتراوح ما بين المُلك والسلطان «ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك» أو الطريقة «لكم دينكم ولي دين» أو الحكم «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله» أو القانون «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا» أو الجزاء «مالك يوم الدين» أو الذل والخضوع كما نقول: دان فلان لفلان، هذه المعاني اللغوية الكثيرة جعلت العلامة الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز يعلن ضيقه بالمعاجم العربية التي لا تعطي مفهومًا حاسمًا لهذا الأمر وأمثاله.

أما المعنى الاصطلاحي فهو أيضًا له معاني كثيرة، من أعظمها وأشملها ما ذكره أبو البقاء في كلياته حيث قال: «الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، قلبيًا كان أو قالبيًا «أي معنويًّا أو ماديًّا» كالاعتقاد والعلم والصلاة» أو تعريف التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون حيث يقول: «وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل».

وللإسلام كدين شريعةٌ أنزلها الله في قرآنه وبينها سيدنا محمد في السنة المكرمة وتوسع علماء الأمة في شرحها وتوضيحها، ووضع العلماء مقاصد لهذه الشريعة وهي حماية الكليات الخمس، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن مقاصد الشريعة الإسلامية المحافظة علي الكليات الخمس التي تواترت رسل الله تعالى على وجوب المحافظة عليها، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض» ويقول الإمام الغزالي: «إن مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة».

ولقد وصف الصحابي الجليل ربعي بن عامر رسالة الإسلام الخالدة في كلماته الموجزة لرستم قائد جيش الفرس في القادسية «الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»، وهذا ما جعل الشيخ عبد السلام ياسين -رحمه الله- مؤسس جماعة العدل والإحسان المغربية يستشهد به وبمقولته في كل كتبه، بل يفتتح بهذا الموقف أول مؤلفاته «الإسلام بين الدعوة والدولة»، كانت هذه مقدمة مهمة لنعرف ديننا كما عرفه السابقون لا كما يروجه بعض منتسبي دعوته هذه الأيام.

فالإسلام كدين وشريعة لا يترك الدنيا لغيره يتحكم بها ويدير شؤونها «إن الحكم إلا لله»، لا يترك المال ليتحكم فيه ذوي الأهواء والمطامع، بل يدعو المسلمين إلى امتلاك المال لبناء مجتمعاتهم ودولتهم ولمساعدة أهليهم وفقرائهم، ولو كان غير ذلك ما فرض الله الزكاة عليهم، وما جعلها فرض من الفروض الإسلام الخمس، فالزكاة تفرض على المقتدرين ماديًا، وهذه دعوة ضمنية للمسلمين لكي يمتلكوا المال ليأدوا فرض الله عليهم، لا دعوة للخنوع والفقر والحاجة، والزهد لا يكون مع الفقر بل مع الغني، فكيف يزهد في الدنيا من لا يمتلكها أصلًا، ورُوي عن سفيان الثوري أنه قال: كان من دعائهم ــ يعني: الصحابة: «اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تزوِ بها عنا وترغبنا فيها».

يخرج علينا دعاة سوء يطالبون الناس بالزهد والتقشف وكثير من الناس أصلًا لا تملك ما يكفيها، يعيبون على الناس تكالبهم على الدنيا رغم أن هؤلاء الدعاة من أغنى الناس، يقول أحدهم في خطبة له: «لماذا تتصارعون على المال والدنيا فانية، لماذا تنظرون للأغنياء والدنيا ذاهبة»، ولم يكلف نفسه هذا الداعي بالبحث في كتب السير وفي أحاديث النبي التي ذم فيها الفقر وتبرأ منه بل ودعا الله أن يبعده عنه، وكثير من الصحابة كان من ذوي الثراء والمال، فخمسة من العشرة المبشرين بالجنة كانوا من أغنياء العرب في زمانهم، وماذا كان سبب غزوة بدر؟ أليست العير هي السبب؟ مال المسلمين الذي سلبه كفار قريش.

الإسلام لا يقبل بالفقر ولا يقبل بأن تؤكل حقوق المسلمين المادية، فأبو بكر الخليفة الأول يسير الجيوش لمانعي حقوق المسلمين المادية -مانعي الزكاة- ورسول الله يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» ويقول أيضًا عليه الصلاة والسلام «لا بأس بالغني لمن اتقى الله عز وجل»، وروى هشام بن عروة، عن أبيه، أن سعد بن عبادة، كان يدعو: «اللهم هب لي حمدًا، وهب لي مجدًا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا تصلحني بالقليل، ولا أصلح عليه».

أشعر أن بعض هؤلاء الدعاة يطلبون من الناس ألا ينظرون للغني ولا يتطلعون للمال والجاه خدمة للسلاطين والطغاة، فالناس عندما تحدثها عن الزهد وتبعدها عن دنياها التي لا تملكها أصلًا، بطريقة أو بأخرى تبعدها عن سالبي أموالها وسارقيها، ترضى بالقحط والجدب وكأن هذا قدر الله، ولا تثور لتقتلع من عيون ناهبيها أموالها، الإسلام لا يترك المال في يد المترفين والسارقين والطغاة، الإسلام لا يرضى بأن يُسرق قوت أتباعه ويخنعون بدواعي الزهد، الإسلام لا يعرف الفقر بل يحاربه حربًا لا هوادة فيها، وكارل ماركس محق حين يقول: «الفقر لا يصنع ثورة، إنما وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة، والطاغية مهمته أن يجعلك فقيرًا، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبًا».

هذا التسطيح الشديد للدين والانتقائية في الطرح والعرض لها تخمينات عدة، فالأمر إن فكرنا فيه بحسن نية فهو قصور وغباء وقلة علم من طرف هؤلاء الدعاة، وهذه طامة كبرى، ولو فكرنا فيه بسوء نية فسنميل للرفيق كارل ماركس ومقولته السابقة، وهذا غير مستبعد في زمن سيطر فيه الطغاة بحكوماتهم شديدة المركزية والعنف على مجريات الحياة، وأممت كل وسائل التواصل مع الناس، أممت المنابر وحلقات العلم والكتاتيب، حتى وصل الأمر إلى تأميم شيوخ الدين وعلمائه، وأصبحت بعضهم من كبار جوقته وأعلام نخبته، وكما كان يقول سفيان الثوري -رحمه الله -: «الأعمال السيِّئة داءٌ، والعلماء دواء، فإذا فسَد العلماء فمَن يُصلح الداء؟». وصدق الشاعر حين قال:

يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ ….. مَا يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ؟

هذا التسطيح للدين لا ينطبق على المال فحسب؛ بل ينطق على كثير من الأمور، مقاومة الظلم والقهر والرضا بالحكام القتلة الفسدة تحت دواعي التغلب والقهر، طلب العلم وتسطيحه وخنقه في كلمات تردد وشعارات تُقال بغير فهم سوى ترديد كالبغبغاوات، الدعوة إلى الله بكلام منمق جميل بدون غرس للقيم الإنسانية التي جبل الله عليها البشر، دعوة غير المسلمين ونشر الإسلام في أفريقيا وكأن إسلام الملايين في أفريقيا في جلسة واحدة – إن صح هذا الكلام رغم تحفظي الشديد عليه فالإسلام لا يتكون بجلسة- هو كل الإسلام وهو ما سيغير حال الأمة، قصر الإسلام في تنظيمات ضيقة بوعي أو بدون وعي، وحشر الإسلام في الزاوية واقتصاره على هذا الهيكل البشري التنظيمي، جعل القتال والسيف هو الإسلام، وكل ما عاداه موالاة للطاغوت وعباده له من دون الله.

الإسلام هو كل هذا معًا، دين شامل عظيم عميق، تشعر أحيانـًا أنه كما يقولون: السهل الممتنع، فهو بسيط سهل العمل به، لكنه يحتاج لفهم قواعده وأصوله وكلياته وتشريعاته، فلا هو سطحي كما يصوره بعضهم، ولا هو صعب شديد كما يحلو لبعض آخر أن يصوره، وعندما نبتعد عن تسطيح الدين والتعامل معه بانتقائية ستكون هذه أولى خطوات تجديد هذا الدين في قرننا الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين
عرض التعليقات
تحميل المزيد