الإنسان بطبيعته كائن معرض للألم دائمًا،ليس لشيء سوى أن هذا ما قُدر له،ولأن العالم لا يخلو من المعاناة، والذي على كل إنسان مواجهته؛ حتى تستمر وتتطور ويسمو الإنسان معها ويرتقي بعقله وأفكاره،على أن فئات بعينها من البشر هي التي قررت أن تواجه وتبحث وتتعمق في التفكير،المبدعون والخلاّقون والعباقرة وأصحاب الأفكار المستنيرة،التي هي قادرة على التغيير والبناء والهدم،وهم ليسوا أناسًا محتكرين لتلك الصفة دون غيرهم،بل بإمكان كل شخص أن يعد خلاّقًا في تفكيره،مما يعود بذلك على تحسين نوعية حياته،مما يؤدي بالضرورة إلى تحسين مستوى المجتمع بأكمله.

في مشهد من فيلم «Annie hall» الشهير للمخرج «وودي آلان»،يمضي البطل هائمًا في الشارع؛ بعد لقاءٍ فاتر مع حبيبته انتهى بخلاف بينهما،والذي كان يؤدي دوره «وودي آلان» نفسه،يسأل الناس في حيرة عن إجابات لأسئلته الوجودية التي تبدو بسيطة للوهلةٍ الأولى،وبينما يمر شاب وفتاة يوقفهما البطل، ثم يسألهما: أنتما تبدوان كزوجين سعيدين أليس كذلك؟ لترد الفتاة: نعم! فيكمل سؤاله: وكيف تفسران ذلك؟ فترد الفتاة ببساطة: أنا سطحية جدًا وفارغة ولا أملك أية أفكار أو أي شىء مهم لأقوله،فيؤكد الشاب على كلامها بقوله: وأنا مثلها تمامًا،ليتركهما البطل ويمضي وقد وجد تفسيرهما مثيرًا للاهتمام فعلًا.

والسؤال هنا: هل تجعل السطحية من الحياة أكثر راحة وسهولة وأقل تعقيدًا وصعوبة؟

بداية، فالسطحية أو التفكير السطحي،يمكن اعتباره بأنه اكتفاء بالنظرة القشرية للأمور،وحالة من الخمول الذهني الاختياري للشخص، وبالتالي حكمه على الأشياء،وهي تعتبر معادلًا لأنواع أخرى من التفكير، مدعومة بمعتقدات موروثة جامدة، لدرجة يصعب معها تخيل إعادة التفكير فيها أو تغييرها. وربما تبدو الحياة بسطحية أكثر راحة وصفاء،كالزوجين السعيدين في المثال السابق،لكنها أيضًا ستكون حياة عديمة المعنى،خالية من أي شغف حقيقي،بالإضافة إلى أن حالة الفراغ العقلي تعزز من وجود روتين قاتل يغلف الأيام،وتخلق بدورها انهماكًا في مشاكل فارغة في محاولة للاستحواذ، على حالة الفراغ الموجودة وملئها،فتصير الحياة لا جدوى لها،فالحياة بسطحية تعني أنك مجرد متواجد في الحياة ولا تعيش فيها حقًظا،تستعملها كجسر للوصول، وليس كغاية وهدف.

ويتمدد ذلك ليبدو مع مرور الوقت طريقة للحياة أكثر من كونه مجرد نظرة سطحية سريعة لأمر معين،فتتحول الحياة إلى مجرد تمضية للوقت في إطار ضيق ومساحة محصورة في نطاق شخصي بحت،فيخلق ذلك بدوره نموذجًا لما يمكن أن أسميه: المواطن السطحي المستقر، وهو شخص يملك شعورًا، بالانتماء القبلي والعائلي فقط،فينغمس في الحاجات المعيشية والشئون الشخصية والأسرية البسيطة الضيقة،فيما يغض الطرف عن أية قضايا فكرية أو سياسية أو ثقافية،فلا يشغله محاولة الفهم أو المشاركة في أي شيء حتى داخل مجتمعه،فضلًا عن أحوال العالم ككل،حتى وإن كانت تمسه، وتمس حياته بشكل مباشر،فحينما تثار مثلًا قضية سياسية يعلن بينه وبين نفسه بأنه « إن لاحظ القضية أصلًا ـ غير جدير به أن يتدخل، سواء بالمتابعة أو حتى إبداء الرأي،وكثيرًا ما تكون أية مشكلة اجتماعية تقع، يتم تفسيرها تفسيرًا سيئًا وسطحيًا فتستمر المشكلة تعيق المجتمع عن تقدمه؛ لأنها لم تُحل،حيث إنها في الأساس، لم تُناقش بطريقة منطقية أو علمية،فدائمًا ما يُنظر للمشكلة من السطح فقط؛ إذ عادةً ما يكون تفسير مشكلة كالتحرش مثلًا تفسيرًا ساذجًا وسطحيًا،دون النظر إلى أنها تحمل أساسًا اجتماعيًا في طياتها، لم يعالجه أحد،فلا يمكن مناقشة مشكلة، دون النظر إلى الأساس الاجتماعي لها،ويؤدي هذا إلى تكوين أفكار نمطية جاهزة يلزم الناس أنفسهم بها.

والتصور المثالي،وهو الذي يعتبر تصورًا فلسفيًا بالأساس،يعتبر تصورًا مريحًا لقطاعات عريضة ممن ينظرون للمشكلات الاجتماعية نظرة سطحية،فيصبغون على أية مشكلة الحل الأخلاقي الصِرف المريح، والأقل عناءً في التفكير،وينشأ عن ذلك تشوه في التطبيق لقيم المجتمع وأفكاره: فيبررون التحرش بانعدام الأخلاق أو علاقته بثياب الفتيات المثير،متناسين تأثير مشاكل اجتماعية كالتغير الذي طرأ على ثقافة المجتمع،والبطالة المنتشرة وصعوبة المعيشة. وظاهرة الاعتداء على المدرسين، بأنها مجرد قلة تربية،غاضين الطرف بذلك عن حال المدرس نفسه، وضياع هيبته في الدروس الخصوصية المنزلية، مما يؤدي لشعور الطلاب أنفسهم بالنفوذ عليهم،وفساد مؤسسات الدولة بأنها ضرورة حتمية، وجودها من وجود السلطة ذاتها،والغش في الامتحانات يعتبر «مساعدة» أو «شطارة»،والمراقب الحازم الجيد يعتبر «صعبًا»،والمراقب الذي يسمح بالغش يصير «طيبًا»،وهكذا تتم عملية التشويه، ويتحول من تشويه للتطبيق إلى تشويه تام في مفاهيم المجتمع.

حكى الأديب «علاء الأسواني» ذات مرة موقفًا حدث له من شخص، استوقفه، وقام بسؤاله: هل ما تكتبه في رواياتك حقائق قد حدثت فعلًا؟ فرد الأديب: بالتأكيد لا؛ فالرواية لا تسرد حقائق، بل من وحي الخيال! ثم قال الرجل بعتاب: ولماذا تكتب أشياء غير حقيقية إذن؟ هذا النوع من التفكير بالغ السطحية، صار سائدًا لدينا في المجتمع،فبداية من اعتبار الأدب والفن مكملات غير ضرورية،رغم عظمة تأثيرها على الإنسان في محاولة فهم ذاته وفهم الآخرين،ونتيجة تدهور الذوق الأدبي والفني،بإمكانك أيضًا رؤية نماذج للتلقي الساذج للفن،فترى طائفة مهنية ما تعترض على ظهور شخصية منحرفة تنتمي لها،وكأن ذلك حكم على الطائفة بأكملها،فتقديم صحفي شاذ غير مقبول لدى الصحفيين،والمحامي الفاسد يثير المحامين،والطبيب المنحرف يغضب الأطباء، وهكذا الكثير من عدم فهم الفن وخلط الواقع بالخيال.

في النهاية نمط التفكير السطحي المنتشر، ليس مجرد اتهام لشخص من شخص آخر يعمل على إخفاء سطحيته، بمحاولة ادعاء العمق،أو إلصاق السطحية بأصحاب الرأي المختلف عنه،فما ذلك إلا تسطيح للسطحية نفسها، بل هي تكدير للعقول وسكون للتفكير؛ فتغيير موروثات قديمة لا يعنى هدم حياتنا،وتقديم الأفكار التنويرية ليس إلحادًا،وقضايا السياسة ملكنا، وتمس حياتنا بشكل مباشر،والفن والأدب ليسا من الكماليات، بل ضروريات؛ لارتقاء الإنسان وفهمه لنفسه والعالم،ومحاولة التفكير العميق للأمور ليس إرهاقًا مبالغًا، بل حتمية للعيش بمستوى أفضل وأليق بالإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إنسان
عرض التعليقات
تحميل المزيد