لم تكن مصر أبدًا مكانًا خاليًا من الخرافات، لكنها على العكس كانت منذ فجر التاريخ محطًّا للخرافات. فمصر ليست فقط أم الدنيا في الحضارة لكنها أيضًا أم الدنيا في الدجل واللا معقول.

منذ أن كان الكهنة يؤلهون الملوك ويدعون التحكم في أقدار الناس، إلى وقتنا هذا، فالوضع لم يتغير، ظل إيمان الناس بالدجل والسحر كما هو، كأن حب الإنسان في أن ينخدع، هي غريزة متجذرة في النفس البشرية.

وفي مصر لا فرق في الخرافة بين متعلم وأمي، أو فلاح وأرستقراطي، فالإيمان بالخرافة أصبح متأصلا في الجسد المصري يسري في دمه. الخرافة التي نتحدث عنها الآن هي الخرافة القديمة، تعجب عندما تلاحظ كم هي منتشرة في كل أوصال المجتمع، رغم التطور العلمي الحادث، وتعجب أكثر عندما تجد من يدعون الثقافة يستشهدون بها ويستدلون عليها. وإذا نظرت إلى الإحصائيات ستعلم كيف الوضع مفجع ويدعو للتندر.

فقد كشفت دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية منذ سنوات أن المصريين ينفقون نحو عشرة مليارات جنيه سنويا على السحر والدجل، وأن نصف السيدات المصريات تقريبا يعتقدن في السحر والدجل، وربما يترددن على الدجالين، وأن عدد الدجالين في مصر تزايد لدرجة أن الدراسة أوضحت أن هناك دجالًا لكل 120 مصريًّا. فهناك ثلاثمائة ألف شخص يدَّعون العلاج بتحضير الجن والأرواح. وثلاثمائة ألف مثلهم يدعون العلاج بالقرآن وبالكتاب المقدس. أضف إلى ذلك ما يقرب من ربع مليون دجال يمارسون الشعوذة والدجل على أرض مصر.

ورصدت الدراسة أن القاهرة تحتل المركز الأول في عدد الدجالين. كما رصدت أن أعداد الدجالين يزيد في الأحياء الشعبية أمثال الشرابية والسيدة زينب. ويقل في الأحياء الأرستقراطية أو ربما ينعدم في أحياء مثل الزمالك. لكن عدم وجود الدجالين في الأحياء الأرستقراطية لا يعني أن هناك تقسيمًا طيفيًا فيمن يؤمنون بالدجل، بل الوضع على العكس ربما يكون الإيمان بالدجل في الأحياء الأرستقراطية أكبر. لكن نتيجة للأوضاع الاجتماعية والأمنية، لا يتمركز الدجالون في مثل هذه الأماكن. بمعنى أن سكان هذه الأحياء هم من يذهبون إلى الدجالين في الأحياء الشعبية بأنفسهم. وقد قيل على لسان البعض أن 38% من المثقفين والمشاهير في الرياضة والفن والسياسة من رواد الدجالين.

فصرح الخرافة الشامخ أحاط بكل زوايا مجتمعنا، فلم يفرق بين مستوى اجتماعي وآخر، أو بين مدينة أو ريف.
فربما الإيمان بالخرافة هو الشيء الوحيد الذي تحققت فيه المساواة فعليا في مصر. بل إن الإعلام الذي يدعي أهله أنهم مصابيح لتنوير العقول، تجده يسوق وينشر هذا الدجل القديم. فتجد برامج تستضيف من يقرأ الطالع، وبرامج مخصصة للأبراج. بل إن هناك بندًا في كل الصحف مخصصًا لما يسمى علم الفلك والأبراج. بل إن هناك برامج كثيرة الشيوع الآن متخصصة في استضافة من يدعون إخراج الجن من أجساد بعض المتخلفين حضاريًّا. بل إن هناك مشايخ يخرجون الجن على الهواء عن طريق التليفون. وتجد من يتمرغ في أرض الأستوديو ويصرخ، ثم ينطق أحد الدجالين بكلمات هي الحل الشافي لهذا العليل، تخرج من جسده الجني الشرير. هذا لا يدعو للسخرية والاشمئزاز أكثر من الشغف الذي تجده لمشاهدة هذه البرامج من كل الأوساط، وهذا يدعو لذيادة مثل هذه البرامج. فكل ما يهم ممولي الفضائيات هو زيادة ساعات المشاهدة. والخرافة عندهم توزع مجانًا على الهواء.

والخرافة هي المعتقد اللا عقلاني، لكننا كعادتنا نموع المعاني. فتارة نطلق عليها علم التنجيم، وأخرى علم الفلك، وتارة حكمة القدماء. وربما نلبسها لباسًا دينيا فنقول الحسد والسحر. وللمصريين في الحسد عادات ومعتقدات غاية في الغرابة. فيعتقد البعض أن الحسد يكون أكثر تأثيرًا إذا كان مصحوبًا بشهقة. وأن الحسود عيناه دائرية وصفراء. ويزعمون أن هناك أشياء تقي من الحسد أو السحر. مثل الأحجبة والعدسة الزرقاء والخمسة وخميسة. ولهم بعض الكلمات التي يتمتمون بها حتى يقوا أنفسهم هذا الشر العظيم، مثل “حابس حابس من حجر يابس، وشهاب قابس، اللهم إني رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، وفي كبده وكليتيه، ولحمه ودمه، فأرجع البصر”، أضف إلى ذلك الطرق العتيقة والمبتكرة للوقاية من الحسد مثل البخور وخرم العروسة الورق بالدبابيس وغيرها.

والخرافة تدخل في مصر تقريبا في كل جوانب الحياة. فتجد الناس يتحاشون ضرب القطط والكلاب ليلا لأنهم يعتقدون أن الجن يتشكل بصورها. كما أن الجن في اعتقادهم يسكن البيوت المهجورة والقبور. والبيت الذي قتل فيه قتيل فإن روحه تسكنها وتنتقم من كل من يحاول أن يعيش في هذا البيت. وبالمناسبة فهناك أفلام تسجيلية مصرية ترسخ لهذه الخرافة، مثل فيلم “حارة الأربعين”، الذي يحكي قصة حارة من يصل سن الأربعين فيها تخطفه الأرواح التي تسكن هذه الحارة في يوم ميلاده، ويستيقظ الناس فلا يجدون له أثرًا. أما زواج الإنس والجن فهي خرافة عظيمة الشيوع، بل إن هناك مواقع إلكترونية وبرامج تلفزيونية تدعم هذه الخرافة، وتروج لإثبات حدوثها.

أضف إلى ذلك بعض الكتيبات المنتشرة مع باعة الكتب الجائلين وبائعي البخور مثل “السر الرباني في العلم الروحاني”، و”شموس الأنوار وكنوز الأسفار”، و”البهجة اللماعة في تسخير ملوك الجن في الوقت والساعة” وغيرها.

والعلاج بالخرافة يدخل في كثير من الأشياء؛ فمن كودية الزار التي تستخدم في إخراج الجان ممن يسمون “بالملبوسين” إلى الأحجبة التي تستخدم في عدة أغراض، مثل الحماية من المرض ومن العفاريت، والربط الذي يسبب العجز الجنسي، واستمالة قلب أحد الأشخاص للزواج. أضف إلى ذلك حماية الأطفال عن طريق تعليق الكف على صدورهم أو العدسة الزرقاء والخلاخيل أو خرم آذانهم، ومن الأمور المضحكة أن هناك بعض الأمهات تسمي أبناءها بأسماء بنات أو أسماء سيئة، مثل شحات وخيشة وجعران، اعتقادًا منها أن ذلك الاسم سيحرسه من الموت.

كل ما ذكر سابقا هو من قبيل الدجل التقليدى القديم، لكن ماذا عن الدجل المتطور الحديث، الذي يرتدي الملابس الأنيقة ويتكلم كلامًا منمقًا. الدجل الذي يدخل كل البيوت ولا يستطيع أحد أن يسميه دجلًا. بل إن العاملين عليه يصبحون مشاهير ويقال عنهم أنهم نخبة. الدجل الأخطر الذي ينخر في عقول الناس الجهل والخرافات والتغيب، رغم أنه يدعي أنه مصدر التثقيف والتنوير. الذي يرسخ عرش المستبدين، ويحول البريء إلى مجرم، والمجرم إلى حمل وديع. الدجل الذي يميع الحقائق فيفقدها قوتها، ويزين الكذب فليبسه رداء الصدق.

إذا أردت معرفة هذا الدجل فأهلا بك في مملكة الدجل الحديث، الدجل الأنيق اللامع “دجل الشاشة والقلم”.
فهذا الدجل لا يقتصر على دعم الخرافات القديمة ونشرها، فإنه يدعم كل وسائل التغيب، فهو يتكسب قوته منها.
دائما ما يدعي المشتغلون بالإعلام أن الإعلام هو أداة توصيل الحقيقة، ونشر المعرفة، لكن الحقيقة عكس ذلك.
لم تكن أبدًا آلة الإعلام من وقت أن أنشئت غرضها هو توصيل الحقيقة، كان هذا مجرد غرض ظاهري. بل كان غرضها دائما هو التوجيه، التوجيه تجاه مصلحة من يدفع أو من يملك.أن تظن أن هناك مؤسسة إعلامية ليس لها أجندة تطبقها فأنت مخدوع، أن تبني مواقفك طبقا لمعلومات إعلامية، فأنت مضلل. لم ينشأ الإعلام ليعلمك ولكن أنشئ ليخدعك.

إن العالم الذي نحيا فيه الآن ما هو إلا عالم افتراضي ممتلئ بالأكاذيب، لا تكاد تسمع خبرًا يخلو من تشويه أو توجيه أو تضخيم أو تصغير أو تركيب أو قص، وهذه هي أنواع الكذب الإعلامي. أو ما أسميه الدجل الحديث.

ربما قليل من التفكير والتثبت من المعلومات التي تنتقل إلى آذانك عبر الهواء أو الأوراق، ربما يدفعك هذا للكفر بكل ما تسمع أو ترى أو تقرأ، تتبدل المواقف حسب الظروف والأحوال. بل يتغير الكلام جذريا من عهد إلى عهد، وربما تباع العقيدة في طور تغيير الجلد. أنت لست إلا فريسة لأفواههم وأقلامهم، تثق بهم بينما هم يغطون عينيك ليسمحوا لسيدهم أن يطعنك بدون مقاومة.

إن الدجل الحديث هو الوسيلة الأولى لتغييب الشعوب، ونشر الاستبداد، ونهب الثروات. أنشئ فتنة وصراعًا من لا شيء، اتركهم خائفين متربصين لبعضهم، سيصبرون على ظلمي واستبدادي خوفًا من بعضهم. وطلبا للاستقرار والأمن، لأنك ستظهرني في مظهر الحامي الذي يوقف المؤامرات، فليسامحوني إن سلبت حريتهم، فإني لا أفعل ذلك إلا لأحميهم من أنفسهم،لأنهم أطفال أو قصر لا يفهمون شيئا، وسيفسدون حياتهم إن لم أحكمهم هكذا..

إن الدجل الحديث هو نوع جديد من الدجل، وخطره أنه لم يصنف على أنه دجل، وهو يصل إليك أينما كنت. أسلحته متعددة لا تكاد تميزها أو تتعرف عليها، فهي تأتيك في ثوب أنيق. ربما تلبس ثياب الوطنية أو الدين أو العاطفة، أو غيرها من الأمور التي إذا اختلفت عليها، يسهل عليهم وصمك بالخيانة أو العمالة. واعلم أن الكثيرين سيصدقون هذا.
هذا الدجل سيطولك سيطولك، فاحذر أن يصيبك أحد سهامه، فربما لا تكاد تفيق إلا وأنت هالك.

إن السبب الرئيسي لانتشار الدجل بنوعيه في وطننا هو الجهل، وتعريف الجهل في نظري هو “أن تبيع عقلك لغيرك”، فلا تكاد تميز بين الحق والباطل، والخيال والواقع، والمزيف والأصيل.
فإياك أن تبيع عقلك، فلا شيء يساوي عقلك، عقلك هو ما يجعلك إنسانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد