في تصريح قديم لنائب المستشارة ميركل ووزير الخارجية زيغمار غابريل قال موجهًا كلامه للمصريين «لديكم رئيس يستحق الإعجاب» و«إن مصر تخطو نحو الديمقراطية». كما وصفت السيدة ميركل السيسي بأنه «رجل مخابرات يتمتع بقدر عال من الذكاء والحنكة وعنده القدرة الفائقة في اختيار الوقت المناسب والزمان المناسب لإصدار قرارات مصيرية وهامة جدًا» وأن «هذا الرجل لن يكرره الزمن».

بغض النظر عن المجاملات الزائدة عن الحد في تصريحات المستشارة ونائبها بداية من وصف شخص بالذكاء في حين أن أغلب المصريين يتابعون خطاباته فقط كنوع من الكوميديا، أو وصفه بأنه يستحق الإعجاب في حين أن تصريح نائب المستشارة نفسه يستحق الاستعجاب، لكن قد يبرر سيادته ذلك بإعجابه بتأملات السيسي في سقف قاعة الأمم المتحدة على سبيل المثال.

لكن أن يتم وصف التجربة السيئة التي تمر بها مصر منذ 2013 بأنها طريق نحو الديمقراطية فقط كوسيلة لمغازلة هذا «المثير للإعجاب» من أجل سجن اللاجئين القادمين من أفريقيا أو بناء مراكز استقبال لطالبي اللجوء الأفارقة والسوريين فيما بعد، كل ذلك يوضح أن حكومة الـCDU والـSPD تتحول لحكومة تدمر كل قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

كل ما سبق يشي إما باقتناع الحكومة الألمانية الحالية بإمكانية قيام دولة ديمقراطية على أسس فاشية عسكرية وإرهاب حكومي وتصفية لكل معارض، أو أنها ليست على علم بالوضع السيئ لحقوق الإنسان في مصر والأرواح التي تزهق بشكل شبه يومي وامتلاء السجون بالمعتقلين السياسيين. فإذا كان الاحتمال الأول غير منطقي فالاحتمال الثاني مستبعد من دولة أوروبية بحجم ألمانيا تم محاربة مؤسستي مجتمع مدني تابعتين لها في مصر.

لكن هل فعلًا هناك احتمال أن يقوم نظام عسكري ببناء دولة محترمة وديمقراطية تقوم على اقتصاد قوي واحترام للحريات؟ أو هل هذا النظام قادر حتى على قيام دولة من الأساس؟

يحكم العسكر مصر منذ أيام عبد الناصر، ومنذ أكثر من 60 سنة ومصر في تدهور اقتصادي وتخسر كل يوم من إمكاناتها ومكانتها. بل إنه منذ الأيام الأولى لحكم ما يعرف بـ«تنظيم الضباط الأحرار» بدأ العسكر النهب والسلب والاستيلاء على القصور التي تركها أصحابها والاستيلاء على المال العام بل وحتى ابتزاز سيدات السلطة في العهد الملكي لإشباع رغبات قادة العسكر، تقديرًا لجهودهم في إنهاء الحكم الملكي.

تاريخ العسكر من أوله إلى الآن ليس فيه ما يشرف ولا يعطي أي مبرر للظن بأن بإمكان هؤلاء بناء دولة محترمة.

تخيل أنه لو حدث أن المؤسسة العسكرية في دولة أوروبية تخرج بكذبة ككذبة جهاز علاج الإيدز وفيرس سي وتتاجر بآلام مواطنيها، كيف يمكن احترام مثل هؤلاء أو الثقة فيهم!

يبني العسكر حاليًا نجاحات وهمية لاستخدامها فقط إعلاميًا، تفريعة قناة السويس، مؤتمرات الشباب، وحدات إسكان محدودي الدخل، نسج أساطير حول إنجاز العسكر في بناء ثلاث محطات لإنتاج الطاقة الكهربية رغم أن ما قاموا به فقط هو إيداع جزء بسيط من الأموال التي ينهبونها في حسابات الحكومة والشركات الألمانية ليخرج كلا الطرفين في النهاية رابحًا، السيسي ونظامه بأنهم كسبوا حكومة أكبر دولة أوروبية في صفهم، والحكومة الألمانية مكاسبها باليورو بالإضافة لاستخدام مصر لسجن طالبي اللجوء الأفارقة، ولم يخرج الشعب المصري إلا بزيادة الأسعار ليعوضوا ما فقده لصوص العسكر من جيوبهم.

الحكومة الألمانية التي تشتكي من خطر الإرهاب، ترى أنه ليس من حق الشعب المصري أن يحظى بنفس القدر من الحريات في بلده كما يحظى بذلك المواطن الألماني، وأنه لا مشكلة في أن يتم تصدير أسلحة ودعم مستمر لإرهابيين يحكمون مصر، وأنه لا داعي للقلق على حقوق الإنسان هناك حتى مع إجراء أكثر من 7400 محاكمة عسكرية لمدنيين تعتمد فقط على افتراءات قوات الأمن الوطني «أمن الدولة»، وتواجد أكثر من 60 ألف معتقل مع إنشاء أكثر من 19 سجنًا لاستيعابهم ووجود أكثر من 5 آلاف حالة اختفاء قسري بعضهم لا يعرف ذووهم عنهم شيئًا إلا باستلام جثثهم من المشرحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد