لنفترض، بخصوص الأزمة الخليجية بين قطر والدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر). لنفترض مثلًا، أنها مناورة إسلامية كبيرة الحجم وسرية للغاية، وليست بالفعل حصارًا وخصامًا بين الإخوة. نظرًا للتطور الهائل الذي لحق هذه الدول في جميع المجالات، فلم تعد كما يصفها البعض (رعاة الإبل، والبعير)، علمًا أنهم لم ينسوا هذا قط، لأنه جزء لا يتجزأ من تراثهم وتاريخهم.

لنفترض أنهم اجتمعوا وقاموا بصياغة بروتوكولاتهم على مهل، حددوا الأهداف، أوجدوا أجوبة مقنعة لكل سؤال، فهؤلاء لا يستهان بهم، إنهم يملكون كل شيء، ولديهم عباقرة في جميع المجالات، وخصوصًا في التكنولوجيا، ومختبرات البحوث العلمية المتطورة، ومن هذا كله.

لنفترض أنهم صاغوا البروتوكولات، وليعلم المتلقي جيدًا، أن دول الكويت والسعودية من بين الدول الأكثر امتلاكًا لاحتياطي النفط عالميًا، وقطر تمتلك الإعلام المؤثر (الجزيرة)، أما البحرين وعمان فدويلتان تنفذان فقط، أما الإمارات فهي صاحبة المبادرات في جميع المجالات وصاحبة القوة العسكرية المنتشرة في كل مكان، وعاشقة المواني.

لنفترض ونطرح سؤالًا بريئًا: هل الدول الخليجية حقًا فيما نراه الآن (أو يريدوننا أن نراه) في تحالفها مع الغرب لم يستفيدوا مما قامت به القوى الاستخرابية هناك خلال القرون الماضية (القرن التاسع عشر والعشرين)؟ هل هم أغبياء لهذه الدرجة؟

لنفترض أنهم اتفقوا (رغم أنهم أقنعونا منذ الصغر أن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا) أن تكون قطر هي المستهدفة، ونطرح سؤالًا آخر (لماذا قطر؟).

لا افتراض هنا. إن قطر تملك كل مقومات الحياة الكريمة ولها مناعة قوية جدًا، وفي أصعب الأيام (ولن نجد أحسن من أيام الحصار الحالية مثالًا) فهي قاومته وببسالة وتسير قدمًا.

بدأ التخطيط، حددت المهام، قطر هي العدو للسعودية والإمارات والبحرين، أما الكويت وعمان فمحايدتان (لم يتركوا مجالًا للحياد للذين يدخلون أنوفهم في كل شيء – أي أمريكا والغرب – للتدخل رغم المحاولات)، وليكتمل المشهد سيداتي سادتي، تم إدخال مصر إلى جانب الدول المعادية لقطر، وبعد مدة دخل الطرف التركي على الخط إلى جانب قطر الوحيدة التي تعاطفت معها الشعوب الإسلامية.

للإشارة، فأي مخطط كيفما كان له تداعيات، بدأ المخطط في الحرب على اليمن (الحوثيون) وقبله في الربيع العربي، وبعده إهداء المليارات لأمريكا (علمًا أن الأموال جزء غير مهم في المخطط، فيمكن تعويضها بسرعة، فهي دول غنية، والكل يتسابق من روسيا إلى إيران وأمريكا وأوروبا لأخذ حصته من الشرق الأوسط المتوتر)، وكل هذا يعلمه جيدًا حكام الخليج، ويعلمون جيدًا أنه لا ثقة في القوانين الدولية، ولا في المواثيق والاتفاقيات، فتاريخهم يشهد بذلك.

لنفترض أن القتلى المدنيين في اليمن وليبيا هم قربان المخطط، وبهم سيقتنع المجتمع الدولي أن المسلمين يقاتل بعضهم بعضًا، وخصوصًا عند التضحية بالمدنيين من الأطفال والشيوخ والنساء، وهذا الأسلوب معمول به من طرف جميع الاستخبارات العالمية إذا أرادت أن تغطي على كوارث اقتصادية واجتماعية لإلهاء الرأي العام والمواطنين بالخصوص.

(لماذا اليمن وليبيا؟) اليمن يقاتلون فيها الحوثي باسم التحالف العربي، وليبيا تتواجد فيها الإمارات بجنودها والمجموعات المقاتلة التي تمولها وقواعدها الجوية.

لنفترض، ونفترض أن المسلمين أخيرًا اتحدوا، ويريدون تشكيل حزام أمني قوي حول الكعبة والقدس، ولعل ذلك يظهر في القاعدة العسكرية التركية في قطر، يحاولون إرسال رسائل للأمريكان، وخصوصًا المتواجدين في قاعدة العديد بقطر والقاعدة الجديدة التي أنشأتها في الصومال، وكذلك توجه تركيا للتمركز في جزيرة سواكن السودانية، والتي تحمل بعدًا استراتيجيًا بعيد المدى، وكذا الإمارات التي قلنا سابقًا إنها عاشقة للمواني، وأولها ميناء بربرة الصومالي الميناء الوحيد المتواجد في الساحل الجنوبي من خليج عدن، ومضيق باب المندب الاستراتيجي والمهم الذي يمثل أهم نقاط العبور البحري للتجارة العالمية.

المخطط يسير قدمًا، التطبيع مع الصهاينة بشكل علني من طرف البحرين والسعودية في شخص محمد بن سلمان وكذا الإمارات ومصر في شخص رئيسها السيسي.

هكذا تبدأ المخططات الكبرى والتي تحمل بعدًا استراتيجيًا وتوحيديًا. نعم، ولمَ لا، فالسعودية تحاول إرضاء الحليف الغربي الأقوى، والمتمثل في أمريكا، وإغراقه بالاستثمارات والأموال والهدايا، وبالمقابل، تصرف ملايين الدولارات على شكل هبات واستثمارات في باكستان.

لماذا باكستان؟ باكستان يا سادة، صاحبة أول قنبلة نووية في العالم الإسلامي، وتحاول بذلك السعودية الاستفادة من هذا البرنامج.

لنفترض أن المخطط الإسلامي الذي يحتوي على بروتوكولات كثيرة جدًا، وأهمها: تشكيل قوة لطالما حلم بها المسلمون كافة، وهي توحيد البلاد العربية والإسلامية، وخصوصًا في الجانب العسكري.

لنفترض أن المخطط موجود، وبروتوكولاته تنفذ واحدة تلو الأخرى، وهذا هو الظاهر في الميدان، فالأمة الإسلامية على مر عصورها في ازدهارها وحتى في أصعب أيامها، ولنركز على عصور انحطاطها في جميع المجالات، ونذكر مثالًا بسيطًا وهو عهد ملوك الطوائف، حينها كانت الأمة تعيش تشرذمًا وانحطاطًا وتقهقرًا، وكثرت الحروب بين الإخوة.

نحن الآن، في عصر تعيش فيه الأمة أصعب أيامها، الكل يحاربنا، الكل يريد جعل المسلمين في أسفل سافلين، ومنعهم من التطور والتقدم، لأنهم جميعًا يعلمون أنه إذا ازدهرت الأمة، فستكون أيامهم معدودة.

لذلك افترضنا أن القادة المسلمين يخططون في الخفاء لنهضة أخرى ترقى بالأمة، وتنهي عصر الانحطاط الذي طال أمده وتجرعت منه الشعوب الإسلامية شتى أنواع الاحتقار والإهانة والقتل والتعذيب من الاستخراب الأوروبي الصليبي ومعه اليهودي.

لا افتراض الآن. سننتظر، وننتظر، كيف سيسير المخطط في تكتم تام عنه، دون إشراك للشعوب التي لم تعد تثق أصلًا في الحكام؟

وسأبقى متفائلًا، وسيبقى أملي في نهضة إسلامية جاريًا، ما دام هناك رجال يخافون الله ويطبقون قوله تعالى:

«وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)» سورة الأنفال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد