يعيش الإنسان العربي صراعًا نفسيًا داخليًا إذ إنه على المستوى العام ينتقل من فشل إلى فشل، وكلما ظن أنه وصل إلى القاع يجد أن ما ظنه قاعًا إنما هو مرحلة من مراحل السقوط اللامتناهي، وإذا حاول أن يكون إيجابيًا ويطالب بالتغيير يجد نفسه قد ساهم بغير قصد في تأزيم الأوضاع أكثر وأكثر، فما كان مسموحًا بالأمس أصبح ممنوعًا اليوم، وما تغاضت عنه الحكومات السابقة، أصبح مثار اهتمام ومتابعة ومراقبة ومحاسبة الحكومات الحالية، وأمام هذا الانهيار السياسي والمجتمعي لا يكون أمام الإنسان العربي إلا اللجوء إلى حيل نفسية تعينه على مواصلة الحياة بشكل شبه طبيعي، حتى يستطيع أن يتعايش مع هذا الواقع المزري.

يلجأ الإنسان العربي إلى عدة حيل نفسية دفاعية، ليقنع نفسه أن الوضع سيتحسن، وأن ما يحدث سحابة صيف ستمر، وأن الحياة يمكن أن تستمر في مثل هذه الأجواء. ويحاول أن يقنع نفسه أن قيمًا مثل الحرية والديمقراطية والمشاركة السياسية هي نوع من الترف لا يجب أن يلتفت إليه عاقل في مثل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، وأنه يجب أن ينصرف إلى الأمور الجدية مثل الانهماك في العمل أو البحث عن عمل إضافي أو السفر للخارج.

إن المواطن العربي لم يفقد شعوره بالتوق نحو الحرية واحترام اختياراته في المجال العام مطلقًا، ولكنه دفع هذه الفكرة في منطقة أبعد من الوعي حتى لا يتسبب استدعاؤها في شعوره بالألم أو القلق لتحقيق حالة من الأمان النفسي. وتظل المشكلة الكبرى أن هذا الشخص لم يكتفِ بقمع السلطات له بل بدأ يقمع نفسه بنفسه ويمنع عقله من التفكير في مثل هذه الأفكار المثالية ويمنع لسانه من المساهمة في مناقشات وجدليات قد تجلب عليه المشاكل، أو على الأقل ستثير هواجس في نفسه حاول مرارًا أن يتجاهلها.

يحاول الإنسان العربي أيضًا ألا يفكر كثيرًا في تحسين ظروفه الحياتية، بل يحاول أن يتعايش معها ويتصالح مع واقع مجهد، فبدلًا من أن يطمح لزيادة دخله، يحاول تقليل نفقاته، والاستغناء عن بعض الضروريات بدعوى أنها كماليات، وقد كان هذا المواطن يحلم بعيش رغيد في الماضي ولكنه تحت ضغط الظرف الراهن بدأ في كبت هذا الشعور وحاول أن يقنع نفسه بما يسمعه من رجال السياسة أنه يجب أن يصبر سنواتٍ ليجني ثمار الإصلاح الاقتصادي المزعوم، وحاول أيضًا أن يقنع نفسه بكلام رجال الدين ذوي الوجوه المضيئة أن التقشف والزهد من علامات الصلاح، رغم أنه يزهد في الدنيا مجبرًا وليس باختياره. وقد تعاوده الأفكار والأحلام والطموحات، وقد يناقش فيها نفسه أو أحد مقربيه ولكنه يعود ليضعها في أدراج النسيان، فيفضل سلامه النفسي عن البحث عن طموحات يراها سرابًا ويرى تحقيقها أو تحقيق بعضها حلمًا بعيدًا لا يجدر به إضاعة وقته في المعاناة من أجلها.

مع الوقت ومع محاولة المواطن العربي في تجاهل الأحداث ودفن الأحلام ووأد الرغبات يبدأ في نسيانها فلا تظهر في حياته إلا بالمصادفة، فلا يتذكر حلمه بالعيش الرغيد إلا عندما يقابل صديقه الذي كون ثروة وأصبح يملك العقارات فيقارن نفسه به ثم يتذكر كلام الساسة ورجال الدين أن الدولة ستجتاز عنق الزجاجة وأن كل ما هو فيه إنما هو تشبه بأهل الزهد من الصالحين فيعيد الحلم إلى أقصى مكان حتى لا ينغص عليه حياته التي تأقلم معها. وعندما يجلس أمام التلفاز ليشاهد الانتخابات الحرة في البلاد المتقدمة والشباب المفعمين بالحيوية الذين يتناظرون بمنتهى الحرية والذين يسعون ليتبوؤوا مراكز القيادة في بلادهم في حين أن أقرانهم في بلادنا يسعون للبحث عن كرسي شاغر في المقهى. عندما يشاهد هذا يتابعه بشغف من باب التسلية وتمضية الوقت ولا يحاول إطلاقًا أن يقارن المشهد الذي أمامه بواقع بلاده، فقد أقنعه الساسة أن الشعب العربي غير مؤهل للديمقراطية وأنه حين يترك له الاختيار سيدمر نفسه بنفسه، وأقنعه بعض رجال الدين أن الديمقراطية كفر والحرية فوضى والحزبية ستؤدي ببلادنا للهلاك، ولا تنسَ أن الديمقراطية ليست صندوقًا أيها المواطن الصالح.

ويظل المواطن العربي تائهًا بين رغباته المكبوتة ومواقفه المعلنة وحياته اليومية دون أن يحاول أن يبادر أو يفكر في تغيير قد ينجح ويحقق آماله وأحلامه وطموحاته، فبيته على ضيقه أرحب من السجن، وزوجته وأولاده يحتاجونه أكثر كثيرًا مما يحتاجه الجلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد