تأملات في سورة الشعراء

تحتوي سورة الشعراء على إشارات تدلّ بأن الجوّ العام لها يتحدّث عن هلاك الأمم والدول. مقدّمة السورة التي بدأت بالتهديد القوي (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ). في مقارنة القصص الوارد فيها مع مواضع أخرى في القرآن، فإن بناء القصص في الشعراء غلب عليه حرف الجر «الفاء» في انتقال الأحداث، والذي يشي بالسرعة دون إمهال، وكذلك المفردات تتسم بالقوة والحسْم، ويُمكن مراجعة ما كتبه فاضل السامرائي في تفصيل ذلك. خاتمة السورة عادة تتناسق مع محتواها وطابعها، وهو جليّ بقوله تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

أولًا: قوم فرعون.. الظّلم

(وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) بدأت السورة بفرعون الظالم مع أنه ليس الأقدم في الأمم الوارد ذكرها، ولعلّ ذلك يعود لأن الظلم في مقدمة ما يتسبّب في سقوط الدول. دكتاتورٌ يقول: ما أريكم إلا ما أرى، وخَلْفه ملأٌ منتفع يقتات على ظلم الآخرين، وقسّم الشعب، واستضعف كثيرًا منهم، وسامهم تنكيلًا وتعذيبًا، وكلّ ذلك في سبيل بقائه على كرسيّ الحكم. ما أشبه مصر اليوم بفصول فرعون وزمرة المُنتفعين حوله.

ثانيًا: قوم إبراهيم.. الجهلُ (دينُهم)

عندما سألهم إبراهيم -عليه السلام- عن مُعتقدهم فأجابوا: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ). هذه علامة جهل وتخلّف، ولكنّ العجيب أن القرآن لم يذكر عذابهم في الدنيا، وانتقلت السورة للحديث عن عذاب الآخرة، ولعلّ ذلك يعود بأن كلّ الأقوام الذين ذكرتهم السورة امتازوا بجرمٍ فيه إيذاء لحياة الناس ومعاشهم فعُجّل هلاكهم بذلك، إلا قوم إبراهيم لم نعرف عنهم إلا ما فعلوه بإبراهيم، وكأن أمرهم يُقضى فيه يوم الحساب.

ثالثًا: قوم نوح.. التمييز الطبقي

ما انفك قوم نوح تلوك ألسنتهم هذا الاعتراض (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)، وتكرّرت نظرتهم هذه في سورة «هود»، «والمؤمنون»؛ إنهم مثالُ العنصرية، وازدراء الآخرين. ومجتمع هذه سمته، فلا بدّ أن تسود فيه الكراهية والحقد، وتُدفن فيه الطاقات التي تشعر بالتهميش، ثمّ ما يلبث إلا أن ينهار. أما كيفية هلاكهم فقد جانست نظرتهم، فأما من كانوا يصفونهم بالأراذل، فقد استوت سفينة نجاتهم في الأعالي، وأضحى العُنصريون تحتهم غرقى بلا حراك، ولا جاه.

رابعًا: قوم عاد.. غرورُ القوة والبطش

(وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ)، وفي سورة فصّلت قالوا (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؛ أما عاد فإنهم يختلفون عن فرعون، بأن جبروتهم فيما يبدو كان مُسلّطا على الأمم الأخرى، ولعل مثالها في عصرنا ينطبق على أمريكا. منطقهم هذا لا يرى حلولاً ولا تعايشاً إلا بالقوة، وهذا مع الزمن وبال على أصحابه، لأنه سيوحّد الخصوم ضدّهم، ومنْ تملّق بطشهم يوما، فسيتشّفى بهم عند انقلاب موازين القوى. أما الرّيح العاتية التي استأصلتهم فداوت عتوّهم وشدّتهم على الآخرين.

خامسًا: ثمود.. أهلكهم البذخ والترف

(وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ)، ومن معاني فارهين ما له علاقة بالبطر والفرح، ولعلّ هذا الأقرب لحالهم. وليس هذا يعني أنهم كانوا في رفاه اقتصادي، بل هي أموالٌ تُهدر في غير محلّها، وقد حُيّزت على حساب عرق المظلومين، ويتمتّع بها غالبًا أهل السلطة والنّفوذ، إنه فساد مستشر، ومباهاة وانتفاخ، ودَعة بلا إنتاج، وقد تؤدي للتنافس الداخلي، بينما بناء الدولة آيل للسقوط، ولعلّ سقوط الأندلس حالة قريبة من هذا.

سادسًا: قوم لوط.. الفساد الأخلاقي

(أتأتون الذكران من العالمين(165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون)، لم يكتفوا بالاعتداء على الفطرة، بل جاهروا بفعلتِهم، وضيّقوا على كلّ من لا يُمارسها، ولعلّهم نعتوهم بالرجعية والتخلّف! كلّ سبيل لا يمرّ من بوابة الزواج، فهو في شقّه الآخر مِعول هدم لأعظم ركن مجتمعي ألا وهو الأسرة. بما أنهم قلبوا فطرتهم فإن الله قلب قريتهم، وجعل عاليَها سافلها.

سابعًا: أصحاب الأيكة..الجور الاقتصادي

(أوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ)، إنهم رمز كل نظام مالي ظالم، أو يقوم على الربا؛ فهو يبني وهما لا حقيقة. خبراء الاقتصاد يتحدّثون عن أسباب الأزمات المالية العالمية، ويُشيرون إلى الاقتصاد الوهمي الذي لا يقوم على الاستثمار في مشاريع حقيقية يشترك فيها عدد كبير من الأيدي العاملة، بل هي فقاعات ما تلبث إلا أن تنفجر.

الغالب في الأقوام المذكورة؛ بأن كلّ أمة منهم قد وقعت في فسادٍ يُظلم الناس فيه، ويأخذُ من حقوقهم. تلك الأقوام قد قضوا بعذاب من عند الله، ولكنّ العبرة ما زالت قائمة لكلّ متأمل، وهذا يَنسجم مع تعقيب القرآن المتكرر بعد كل قصة واردة في السورة (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ). لا يعني أن الأمم الهالكة لم يكن عندها أخطاء أخرى، بل ركّز القرآن على الصفة البارزة المُهلكة لكلّ أمة. الأسباب السبعة المذكورة تتفاعل في حياة الأمم، وتتدافع مع أسباب البقاء، فإذا غلبت أسباب الفساد على أسباب الإصلاح، فإنّ ذلك اقتراب لسقوط الدول، أو تراجعها وضعفها وانحسارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد