default-avatar
محمد الريس
default-avatarمحمد الريسصحفي سوري

جُبل الإنسان على النسيان، نسيان أخطائه، ونسيان الواجبات المُكلَّف بها، ونسيان النعم التي أسبغها الله عليه، ونسيان ما أمره الله به ونهاه عنه أيضًا، فكان أول نسيان ارتكبه البشر هو نسيان آدم عليه السلام أمر الله تعالى بالنهي عن الأكل من الشجرة فقال الله في ذلك، ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا. وقد فسرّ هذه الآية السعدي تفسيرًا جميلًا شاملًا فقال:

أي: ولقد وصينا آدم وأمرناه، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به، فالتزمه، وأذعن له وانقاد، وعزم على القيام به، ومع ذلك نسي ما أُمر به، وانتقضت عزيمته المحكمة، فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذريته، وصارت طبائعهم مثل طبيعته، نسي آدم فنسيت ذريته، وأخطأ فأخطأوا، ولم يثبت على العزم المؤكد، وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقر بها واعترف، فغفرت له، ومن يشابه أباه فما ظلم.

ولأن النسيان صار طبعًا من طباعنا، فقد رفع الله عنا ما نفعله حال النسيان حيث جاء في الحديث الصحيح رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وقد تربينا على أن نغفر لمن نسي، فالتلميذ عندما ينسى واجبه المدرسي حقيقةً لا تزييفًا فإن المعلم يسامحه، ونفس الأمر بالنسبة للزوجة عندما ينسى زوجها شراء بعض الحاجيات، وبالنسبة للزوج عندما تنسى زوجته القيام ببعض المسؤوليات، وبالتأكيد فإن الأمور بمقاديرها، وليس كل نسيان يُغتفر، ولكن عمومًا عندما يكون مبرر المرء النسيان، فلا يمكنك توبيخه وتعنيفه.

والآن فلندخل لجوهر الموضوع، تنظر في نفسك فإذا بنعم الله قد أُسبغت عليك، وتبصر من حولك فإذ بالابتلاءات والمصائب لم تترك أحدًا إلا وأصابته، فهذا قد ألمَّ به المرض، وذاك قد ذهب ماله، وتلك قد فُجعت بولدها، وأخرى قد حرمت الإنجاب، وآخر قد داهم الهم والغم قلبه، فتدرك أن الله قد أحاطك بلطفه، وأعطاك أكثر مما تستحق، وكان معك خير معين، وكان لك خير ناصر، ولكن ماذا إذا كنت من الذين لا ينظرون في أنفسهم وفيمن حولهم – وهذا حال معظمنا – من الذين استهجن الله فعلتهم هذه فقال: وفي أنفسكم أفلا تبصرون. فكنت لا ترى نعم الله عليك، وإنما تصوِّب بصرك على ابتلاءاته، فإذا بك تجحد نعم الله كلها، وتنساها وتنكرها وكأنما أسبغت على غيرك لا عليك! فتأتي سورة العاديات لتذكرك بهذه الحقيقة التي طُبع عليها الإنسان فتقول لك: إن الإنسان لربه لكنود. كنود لمن؟! لربه الذي خلقه وأفاض عليه النعم، وكان لطيفًا به، وكان يمهله رغم عصيانه وتجبّره، فما كان من الإنسان إلّا أنه قابل ذلك كله بكفر نعمه وجحدها، وقد قال الحسن البصري عن الإنسان الكنود: هو الكفور الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه.

ولكنه رغم كنوده، تأتيه ساعات يختلي بها مع نفسه فيبصرها، فلا يملك إلا أن يقر بنعم الله التي أحاطت به من كل جانب، فيتذكر ما كان منه من جحود ويشهد على ذلك، لذا قال الله بعد تلك الآية: وإنه على ذلك لشهيد. فإذا قرأت هذه السورة – التي تضم هاتين الآيتين العظيمتين – في صلاتك كل يوم، فإنها ستكون بمثابة المنبه لك، الذي يمنعك من أن تغفل عن الحقائق التي ذكرتُها، وبذلك تكون قد جاهدت نفسك قدر استطاعتك على ألا تنسى ولا تجحد ولا تكفر!

وإن لكل آية من آيات القرآن الكريم فوائد عظيمة ومتنوعة تتبين لك عند تدبّرها، لذلك عند قراءتك: إن الإنسان لربه لكنود. فإنها أيضًا تواسيك؛ إذ طالما هذا هو حال الإنسان مع الله، فلا تستغرب أن يكون هذا هو حال الآخرين معك، ولا تجزع إن قابل الناس إحسانك بالجحود ونكران الجميل، ولا تقل إنني لن أفعل خيرًا قط؛ إذ إننا نتعامل كذلك مع الله – سواء كان ذلك معظم الوقت أو في أوقات غفلتنا – ومع ذلك فإنه لا يقطع علينا إحسانه ونعمه، لذلك فليبرد قلبك ولتتجاوز عنهم نكرانهم وجحودهم، فأنت أحوج منهم إلى أن يتجاوز الله عنك جحودك نعمه عن قصدٍ أو غير قصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك