شخصية سكويلر في روايةِ جورج أورويل «مزرعة الحيوانات»، هي شخصية الإعلامي، اللَّسِن، الذي يحيلُ الباطلَ إلى حق، ويُسخِّرُ كل كارثةٍ تقعُ من جرَّاءِ الظلم واللامبالاة؛ لصالحِ صاحب الفخامة الخنزير نابليون، القائدِ العام للحيواناتِ في مزرعةِ مانور.

استخدمَ جورج أورويل دور سكويلر بشكلٍ متقن، كانَ في كلِّ فشلٍ ذريع وانتهاكٍ صارخ وارتدادٍ عن قيمِ الثورة والكرامة ومبادئ الحرية، يظهرُ للعلن، يُبرزُ كل ما لديه لإقناع الرعية، يتلاعبُ بالألفاظ، يحركُ المشاعر، وأحيانًا يُرغبهم في مستقبلٍ قادمٍ يتشكَّل في رحمِ الأحلامِ الكبرى المنتظَرة، ثم يختمُ كل بيانٍ بمقولةٍ تختزلُ تهديدًا مبطنًا: «هل تقبلونَ عودة مستر جونز!».

كان مستر جونز صاحب المزرعة قبلَ اندلاع ثورةِ الحيوانات، ولم يكن على قدرِ المسئولية، لم يكن حريصًا على الحيواناتِ بالشكلِ المطلوب، لكنَّ الخنازير التي استولت على المزرعة فيما بعد، استطاعت أن تجعله ورقةً مخيفة لحقبةٍ زمنيةٍ مضتْ، وكلما فكَّر الرعية برفعِ رؤوسهم، والمطالبةِ بحقهم، والسؤال عن أحلامهم؛ هُدِّدوا بعودةِ حقبة وحكم جونز، ومن هنا استمرَّ العقل الجمعي في غيابٍ تام، مصَدِّقًا أنَّ الشقاء في ظل الخنازير الحاكمة، خير من العودة إلى عهد جونز الظالم.

تمادت الطغمة الحاكمة في مزرعة الحيوانات، وباتت تمارس كل صنوف الاذلال والكبت والاستبداد، مستعينة بلسانِ سكويلر، الممثل لـ«الإعلام» أو لـ«رجل الدين الخاضع للسلطة»، ومن هنا تأخذ شخصية سكويلر أهيمتها في ثنايا رواية جورج، التي أسقطها على أنظمةِ الحكمِ المستبدَّة.

إنَّ الإعلام اليوم – في الغالب – يسيرُ على خطى المذهب السكويلري؛ القائم على المغالطاتِ المنطقية، والكذب، والإمعان في النفاق، وإسقاط الآخر، وتضخيم زوايا على حساب أخرى، كما أنه يمارس سياسة التهديد للعودة إلى الوراءِ إذا لم نسبِّح بحمد صاحبِ الفخامة أو الجلالة والسمو.

وعالِم السلطان يمارسُ ذات الدور الذي لعبه سكويلر، يلتمسُ المعاذير، ويتأوَّل للأخطاء، يتحنَّنُ عند ذكرِ الحاكم، ويتمتمُ بالدعاءِ له؛ بلسانٍ خاضع، لا يخلو من مسحة مقدسة يضفيها ذكره الدائم للآياتِ والنصوصِ والأمثال!

إنَّ سكويلر ومن يسيرُ على خطاه؛ يجدونَ فرصة في تحقيق مآربهم وغايتهم، واقتحام عقول غيرهم، والعبث بأفكارهم، واغتيال حقهم في العيش الكريم؛ عندما يتأله الحاكم، وتضفى عليه هالات التقديس، ويستشري الجهل بين رعيته، وتغيب مبادئ الشفافية، والمراقبة، وتنعدم المحاسبة، وتهمش المعارضة الفاعلة التي تقول «لا» لما يجب أن يقال له «لا». في هذه الأجواء المعتمة، ينتصرُ صوت سكويلر، وتصبح مقولته الشهيرة: «هل تقبلون عودة مستر جونز؟»، ذات تأثير مخيف، ومعول هدم يضربُ به رؤوس الرعية الغافلة.

لم يقف دور سكويلر على ترميمِ خرائب النِّظام فقط، بل وصلَ به الأمر، الافتراء الممنهج على الثَّائر السابق سنوبول، وسنوبول هذا خنزير ثائر، وقفَ ضدَّ جونز، وقاتلَ بشراسة، وكانت له مواقف عظيمة في حمايةِ المزرعة من هجمات البشر. وعندما تمَّ الانقلابُ عليه، والغدر به، استطاعَ سكويلر أن يحول كل حسنة لـسنوبول إلى سيئة، لقد جرَّده من كلِّ مكرمة، ورماه بكل فرية، وحمله كل وزر وخطيئة، معتمدًا على ذاكرة الرعيةِ المثقوبة؛ التي سرعان ما صدَّقت كل ما قيل، وقد صعقتْ وهي تعجبُ كيف استطاعَ أن يجلِّلَ يديه بمثلِ هذه الخيانة، وقد علت منها صيحاتُ الاستهجان، وراحوا يتندَّمونَ على كلِّ لحظةٍ وقفوا فيها مع سنوبول، ويلعنونَ اليومَ الذي ظهرَ فيه.

سكويلر لا زالَ يخطبُ بيننا، ويكتبُ ويذيع، وجونز لا زلنا نُهدَّدُ به، للعودةِ إلى عهده حتى اللحظة، وسنوبول لا زالَ يُرمى بكلِّ نقيصة، وتعلَّقُ عليه كل الخطايا.

وحتى اللحظة؛ لا زلنا نهتف: «دام ظلكم أيها العظماء، حماة الديار، لا نريدُ عودة مستر جونز!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد