في مكان غير موجود، حيث يحكم الناس طغاة ما بعد الثورات، حيث إن كل شيء هو الشيء ذاته فقط، والعبرة في المباني المربعة البيض، المتراصة والخالية من الجمال، مثل الناس الخالية من الخيال؛ لأن الخيال قد ينهي حياتهم، ويجعلهم يسقطون في التأويل. حيث الكثير من الكاكي والبيج، حيث رمزية أن كل كاكي طاغية لا يرحم.

أتحدث عن أحدث إصدارات الكاتبة الكويتية بثينة العيسی، العمل الذي يحاكي عدة أعمال كلاسيكية أبرزها «التحول» لفرانز كافكا، «1984» لجورج أورويل، «451 فهرنهايت» لراي برادبيري، «زوربا اليوناني» لنيكوس كازنتزاكيس، «بينوكيو» لكارلو كولدي، وغيرهم من القصص والروايات التي أدت في النهاية لخروج عمل جديد بصورة أكثر من رائعة كتلك.

لغة العمل البسيطة والسهلة جعلت من تحمل قوة الفكرة وقسوتها شيئًا لا بد منه، لأن اللغة عند الكاتبة جميلة، لا تُقرأ فقط، بل إنها من شدة عذوبتها تُشرب كالمياه.

يقول الرقيب الأول في الصفحات الأولی من الرواية:

«يجب أن نبقی دائمًا علی سطح اللغة! علی سطح اللغة. إياك والتورط في المعنی، هل تعرف ما الذي يحل بأولئك الذين يسقطون في المعنی؟ تصيبهم لوثة أبدية ولا يعودون صالحين للعيش. أنت حارس للسطح. مستقبل البشرية يتوقف عليك».

تتكون الرواية من حارس السطح الذي يمنع الكتب ذات المعاني المختلفة، والتي قد تؤدي إلی التخيل، ولكنه يسقط في التأويل، ويسقط في فخ اللغة التي تحول حياته لجحيم كامن في رأسه، ورغم أنه لا يعرف معنی الجحيم فقد كان يشعر أن ما به يشبه شيئًا لا يحتمل.

السكرتير العجوز صاحب الحكايات، الخائن، الذي يرشد رقيب الكتب لأول طريق الغواية، ويجعله يقضم من الشجرة المحرمة، أول ثمرة، كي يسقط في التأويل، ويسيران تجاه المتاهة وحارسها، الذي يُهرب الكتب كي لا تحترق في عيد التطهير.

الرواية رموز، لا أسامي، ولا أماكن، وكأنها تصلح لكل زمان، وكل إنسان منا، قد يكون رقيبًا، أو شخصية في رواية، أو مفتش كتب، أو طفلة صاحبة خيال خصب وذيل مجازي، أو امرأة تندب حظها دومًا بسبب زوجها وابنتها، وكل ما ترغب به غسالة صحون.

«تدور أحداث القصة في زمن ما في المستقبل، في مكان لا يُحدث ذكره أي فرق، لأنه يشبه كل مكان آخر».

رغم تلك الكلمات، ولكن الرواية تحدث دومًا، في كل وقت، والحكومات في سعي دائم لمنع الكتب، أو علی الأقل تسعی لجعلها مخصية، غير قادرة علی مداعبة العقل، أو الخيال، كي لا يسقط أي أحد في فخ التأويل، والحكومات علی مدار الزمن، تسعی في الاستمرار علی القبض علی المعنی، وتعريف الأشياء بالطريقة التي تخدم نظام الحكم، والسيطرة علی التأويل.

– الواقعية الفنية

في أحد أكثر السطور كآبة، تقول الكاتبة علی لسان العجوز:

«إن الخير قد هُزم منذ زمن طويل في هذا العالم».

وهذه حقيقة أتبناها منذ سنين، ولكني لأول مرة أجد من يصارحني بها في صفحات كتاب بهذه الطريقة الرائعة والمحزنة في آن واحد، والجميل في العمل ككل أن كل خوف فيه هو خوف يملؤنا نحن دومًا، وأن كل التفاتة، وكل ارتجاف أو ارتعاش لأي شخصية هو ما يصيبنا نحن حينما يتعلق الأمر بالاعتقال في مراكز يضعون فيها صورة الرئيس في كل مكان، ويفتخرون بانتصارات ما بعد الثورة، ويرددون الأناشيد الوطنية، إن كل هذا هو رعب جامح لا مالك له.

الرواية تبدو لي كقطعة فنية لا ينبغي تفريغ جمالها في نظريات أو تأويلات شخصية، ولكني لا أتمكن من إخفاء انبهاري، ويبدو لي أن الكاتبة كانت تكتب دون أن تسقط في فخ التأويل، أو في قاع اللغة، وأنها كانت تحاول ببسالة أن لا تضيع، وأن تكتب عملًا ممتعًا ومرهقًا في ثناياه.

في النهاية

هذا عمل يعيش في عقل كل من يقرأه، لغرابته أو لقوته، وقوة فكرته، ولكثرة المشاعر التي تخالط كل من يقرأه، ولكثرة الخيالات التي تطيح بعقل من يغرق في عمق اللغة، اللغة الإسفنجة، المليئة بالسرطانات التي تخترق النظام السطحي، المسطح، والساعي لتسطيح كل شيء وتجريده من معناه.

في النهاية، القراءة رحلة عظيمة، وحيوات كثيرة، لا تحرموا أنفسكم منها، مهما حدث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد