حديث الساعة فيروس كورونا المستجد، أو ما يطلق عليه (كوفيد-19)، المشتق من مجموعة فيروسات سارس الصينية، التي ظهرت منذ سنوات، ليطل علينا نوع جديد أكثر تحولًا وأكثر شراسة، بدأت القصة في الصين منذ قرابة الثلاثة أشهر بوجود وفيات غير مسبوقة في مدينة ووهان التجارية المعروفة، ارتبط الأمر بعادات الأكل غير التقليدية وغير المألوفة وغير الآدمية فهؤلاء الذين يأكلون كل ما يسير على أربعة أرجل كانوا سببًا واضحا في نقل تلك العدوى لتصبح وباء عالميًا بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية.

الخفافيش، تلك الثديات المرعبة التي نادرًا ما نراها في بلادنا، كانت وما زالت من الوجبات المفضلة للشعب الصينى خاصة سكان مدينة ووهان، الخفافيش بأنواعها وبطرق طهيها المختلفة فهم يتفنون جيدًا في طرق طهيها، تسوية كاملة، أو نصف تسوية، أو ربما نية!

الأمر جد مرعب على جميع المستويات، فمع انتشار الوباء عالميًا في الصين التي تعافت مؤخرًا وإيطاليا التي كثرت فيها الوفيات، وإسبانيا أيضًا، التي أخذت نفس المنحنى الإيطالي، وأمريكا، وأوروبا، بقيت السويد صامدة ناكرة مستنكرة متمسكة بأسلوب الحياة اليومي الطبيعي ضاربة بجميع التقارير الصحية والعالمية عرض الحائط.

في مصر ربما أثبتت مناعة القطيع فعاليتها إلى حد ما، كما ظهرت في بعض الدول، فمع الزيادة اليومية المتقاربة في عدد الحالات الجديدة، والمتعافية، والوفيات، وحالات الحجر الصحي، تأتي كلمات الحكومة مطمئنة للجميع مع التنبيه بتوخي الحذر والمكوث في البيت والتباعد الاجتماعي.

كوني جراحًا فقد تأثر عملي كثيرًا، مثل باقي الأعمال التي تأثرت بشدة من إجراءات الحكومة الاحترازية، خاصة الأعمال الخاصة، تأثرت الجراحات بشدة، خاصة الجراحات الباردة غير الطارئة التي يجهز فيها المريض على مهل دون تعجل، تلك الجراحات التي تمتلك رفاهية الوقت تأثرت كثيرًا، فلا داعي لإجرائها في تلك الأيام، خاصة أن المريض لن يستفيد شيئًا منها في الوقت الحالي، ربما مثلت سببًا في انتشار العدوى في وقتنا الراهن.

أما عن مرضانا، مرضى جراحة الأوعية الدموية والقدم السكرية فهم من أكثر المرضى عرضة للعدوى بأشكالها، الفيروسية، وغير الفيروسية، لأنهم في الغالب كبار السن يعانون من مشكلات طبية مزمنة مع ضعف كبير في جهازهم المناعي، فمرضى قصور الدورة الدموية، ومرضى الغسيل الكلوي، ومرضى القدم السكري، والغرغرينا السكرية، يحتاجون نظامًا طبيًا، ودوائيًا، وغذائيًا، وتأهيليًا فريدًا. أجهزة أجسامهم متهالكة تصارع نحو البقاء الوقتي، تلك المعركة التي يخسر صاحبها حتمًا لا محالة.

ظهرت جلية آفة تكدس الموظفين في مكاتبهم، فالعمل الى يؤديه خمس أشخاص بات ينجزه شخص واحد، ليس كذلك فحسب، فباتت القدرة على إنجاز الأعمال من المنزل إليكترونيًا ناجعة، هذا التكدس الوظيفي تعرى في أزمة كورونا، وفرضت سبل التكنولوجيا فعاليتها في شتى الوظائف حتى الاستشارات الطبية الإلكترونية التي منعت الطبيب من زيارة عيادة الطبيب والانتظار فيها لأوقات طويلة.

أما الفريق الطبي، ومقدمو الرعاية الصحية، من أطباء، وتمريض، وفنيي أشعة، والمسعفين، فهم البطل الحقيقي في هذه الجائحة، هم كعادتهم يضحون بالغالي والنفيس، يؤدون واجبهم الإنساني وأكثر، لا ينتظرون كعادتهم كلمة شكر أو ثناء، هذا عملهم اليومي، فقط أحدهم سلط الضوء عليهم وراقبهم واقترب منهم أكثر وأكثر. قصص كثيرة وكثيرة عن تفاني الفريق الطبي في تلك الأزمة، سيأتي الوقت لتسرد بإسهاب.

لكن في رحم المحنة تولد المنحة، فرحمة الله ما زالت ولا زالت تشمل الكثير والكثير مع بعض الإهمال غير المتعمد في اتباع التعليمات الصحية والوقائية الصحيحة، ففي محنة التباعد الاجتماعى اقتراب، اقتراب للأسرة على طاولة الإفطار، والغذاء، والعشاء، تلك الأسر التي يزعم الكثيرون منها أنهم بالكاد يرى كل منهم الآخر مرة أسبوعيًا، أو شهريًا أو ربما أكثر، تغير السلوك الصحي والثقافي للكثيرين.

 تلك المقاهى التي سببت ذعرًا اجتماعيًا للكثيرين، وضجيج المحلات والمطاعم والسيارات ليلًا، الذي ملأ الآذان بذاءة وفحشًا، والتجمعات الشبابية الغير مبررة والتى ينتج عنها مصائب ليست بالقليلة، اليوم أعبر بسيارتي مخترقًا حظر التجوال طوعًا وكرهًا لأننى طبيب أتنقل بين المستشفيات دون تقيد بموعد، أسير منفردًا بسيارتى أعبر المسافات التي تعبر في بضع الساعة في بضع دقائق، أنظر إلى المحلات الموصدة، يوقفنى الكمين أبرز لهم بطاقة هويتى ثم أعبرهم في سلام. أشم هواءً نقيًا منبعثًا من خلال نافذة سيارتى، هواء لا يحمل أنفاس المدخنين ورائحة التبغ، هواء لا يحمل ألفاظًا خادشة، ولا تلكسات سيارات التاكسي الصاخبة، لا أحد أمامي يعبر الشارع بغتة، بينما يلهو بمكالمة تليفونية مستهلكة، ولا سائل يضع رأسه داخل سيارتي يترقب في غل ردة فعلك تجاه طلبه الآمر في طياته.

قال لى أحدهم يومًا: جاءت الكورونا لتهذب الناس.

لنا بعد أزمة فيروس كورونا وقفات ووقفات، محطات مع النفس ومع الآخرين، سعيًا إلى التغير الصحي والثقافي والإجتماعي، ثمة عادات محبوبة استجدت، وآفات اندثرت، وهنا يفرض هذا السؤال نفسه وبقوة: لماذا لا تصبح أيامنا كلها كورونا بدون فيروس كورونا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جراحة, زمن, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد