إن كانت الأرض التي تعيش عليها بهذا الحجم وتلك الموارد المتعددة، إن كان الخير كثيرًا والعمر طويلًا والحب بمقدار لا يتقلص، وبالرغم من وجود الأحباب والأهل والأصدقاء وغيرها من مقومات الحياة الكريمة، فلماذا تملأ المشكلات حياتنا بكل جوانبها؟ ولم القلق؟
السبب هو أن كل هذا لا دخل لنا به، هو في الحقيقة لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد.

إن ما يعنينا كبشر هو الاحتياج والرغبة، فالرغبة مثل نافذة صغيرة وحيدة في برج شاهق الارتفاع. أحرار نأكل ونشرب ونتزين، ولكننا لا نقوى على مغادرة البرج، لذا فحاجتنا الأولى والأخيرة هي النزول من البرج وملامسة تلك الأرض القابعة في الأسفل، وقد نضحي بكل ما نملك من نعيم في سبيل تلك اللحظة؛ فنحن نتشوق دائمًا إلى ما ليس في حوزتنا، وخارج استطاعتنا.
يسيل لعابنا على ما لا طاقة لنا بتملكه، ويفقد كل ما في أيدينا بريقه وسحره أمام ما نتمنى.
إن الرغبة هي التي تصنع التعارض بين ما نريد وبين ما نملك. هي التي تسير الفضاء الواسع وتخلقه بين الحلم والحقيقة. الرغبة هي التي تطالب الواقع وتبدل به واقعًا آخر أشد احتياجًا في خيالنا لا نقوى على تحقيقه أو حتى ملامسته، الرغبة هي التي تصنع المشكلات من لا شيء.
لا تسمع ولا تفهم ولا تطيع أمرًا، لا صوت يعلو فوق صوتها؛ لأنها لا تتناقش ولا تتحاور، بل تفرض رأيها بكل أريحية، وتعارض وتُلح حتى تصل إلى غايتها التي هي إفقادنا ميزة ما لدينا وسعينا وراء أشباح وأشباه الأشياء. وهنا يتقلص دور العقل أمام نيران الرغبة التي تحوله إلى رماد. لا يسعفه الوقت في مواجهة كم الاحتياج الذي فرضته عليه الرغبة، فيحاول التكيف والتعامل مع المعطيات الجديدة بكل الطرق والوسائل، لكنها تلك الرغبة التي لا تعقل تصرخ لتحقيق كل ما طلبت في الحال وعلى وجه السرعة، لكن لا الإمكانيات تكفي، ولا الوقت بجموده يسمح بذلك، فتصبح الحرية محدودة، وتظهر البيئة التي نعيش فيها والزمكان والناس، والدين والعرف، وحتى الهيئة قيودًا تضاف إلى حدود العقل الذي لا يقوى على تحقيق الرغبات، فتتحول كلها إلى أسباب للغضب، وإظهارنا في صورة قليلي الحيل أمام كم الرغبات تلك. فنغضب ولا نرى أي وجه من وجوه الخير في حياتنا. لذلك كان الرضا هو أعظم نعم الله لمن يُقدرها.

إننا نصدم في كل لحظة أمام كم الرغبات التي تجتاح حيواتنا بصورة يومية، وهذا من أهم أسباب الإشكال في الحياة. إن الصدام بين واقع ما نملك وبين خيالات ما نحتاج هو نواة القلق، لأن معناه أن هناك شيئًا ما ينقصنا لنحقق السعادة المطلقة، وهو ما لا يمكن إيجاده
لأننا غير قادرين على تحديد ما ينقصنا لنصل لتلك المرحلة، وإن حددناه تقف الإمكانيات المحدودة عائقًا أمام تحقيقها.

وحينها نصبح كقول القائل أنا بين نارين؛ فالأولى هي نار التخلي عن رغباتنا وبهذا نفقد شيئًا نحبه ونحرم منه. أما النار الثانية فهي نار التنازل عن الواقع وانعدام الرضا؛ فنتحرر ونُجن لفقدان القدرة. ولكل نتيجة قدر من الألم يفوق ما عداه؛ لتتولد نتائج كثيرة من الخوف والقلق والتوتر وانعدام الراحة. لتتابع مشكلاتنا في كل المجالات، وتصبح الحياة مشكلة من القضايا المعلقة التي نعجز عن حلها.
إن مبررات القلق موجودة عند الكل لكن هناك بعضًا من البشر لا يشعرون بالقلق. ولكن ما السبب وراء ذلك؟
إن السبب هو جوهرة العقل بكل القدرات غير المحدودة التي خلقها الله به، العقل قادر على التفاعل والتعامل مع هذا الصدام الرهيب، العقل هو الوحيد الذي لديه شفرة التكييف والتلاؤم مع كل تلك الاضطرابات وهو المؤهل للتسوية بين الواقع والخيال، والترضية بين الخسائر والأرباح، حتى إنه قادر على إقناعنا بأن بعض الخسائر في مكنونها أرباح لا توصف.
إن الشاب الفقير المعدوم الحال، قد يحلم بتملك المرسيدس والزواج من ملكة بريطانيا بعد أن يعيدها شابة، ولكن بالعقل يُصدم ويواجه الواقع، ويتكفل العقل بحساب الخطة ليكتشف أنها قضية خاسرة لن تسبب إلا تعاسته، ولن ينتج عنها سوى الضيق والألم؛ فيختار العقل غرفة البدروم والشابة الفقيرة التي يمكنه الوصول إليها ويفضلها على ملكة بريطانيا والمرسيدس الفارهة.
إن التكيف هو التعامل مع ما  لا تملك بما تملك، كأن تلبس معطفًا ثقيلًا في الشتاء، وقميصًا بنصف ذراع في الصيف لتتكيف مع درجات الحرارة المختلفة، والتي لا دخل لك فيها بتلك الملابس المكدسة في خزانتك.

لكن هناك بعض المواقف التي يقف العقل عاجزًا أمامها كنقطة زيت تسبح في الماء دون أن تبتل. كأن يفقد شاب ما تلك الفتاة التي أحب لسنوت طويلة بسبب الموت، فتستحيل الرغبة أمام بعثها؛ فالحقيقة تقول إنه يحبها ويريدها، لكنها ميتة لكن الخيال المكنون في ذهنه يقول بأنها حية في ذاكرته التي لا تقوى على نسيانها، ولا يمكن له أن يبدأ علاقة أخرى حتى وإن كانت مع ملكة جمال الكون، والحال سيان مع من توفيت أمه في سن صغيرة. فمن سقط له حبيب في براثن الموت، أصبح ميتًا بقلقه هو الآخر، فكلاهما ميت على طريقته، يحتاج إلى عملية جراحية في مشاعره للتعامل مع المواقف على حقيقتها بطريقة قد تنقذ جزءًا مما تبقى.

إن أخطر ما في القلق هو أنه مبارزة خفية بين خصوم لا نراهم، في معركة ميدانها سرداب موحش الظلمة.
إن حروب الأسلحة ملموسة وتقتل الكثير من الناس، لكنهم يسمعون الطلقات ويشعرون بالوخزات قبل الموت. أما شهيد القلق فهو ضعيف ومسكين لا يرى حتى العواطف التي تتحارب وتتقاتل بداخله قبل أن تقضي عليه. لكن ينتج عنها أشكال كثيرة، كالجنون، والجريمة، والانهيار االعصبي، والوحدة، وانعدام الثقة، والانتحار وغيرها من السبل البائسة التي يلجأ إليها أصحاب تلك النفوس بدافع الهروب من هذه الصراعات المليئة بالسلخ والتمزيق، والشد والجذب الذي يفتت دواخلها.
وكما قال الدكتور مصطفى محمود في كتاب الأحلام: إن سر القلق هو الإحساس بالاستحالة، وقد يكون سبب الاستحالة الخوف أو عدم الثقة، أو تقلص الفهم، أو مركب النقص. وقد يكون المستحيل ممكنًا في الحقيقة. لكن كل هذا لا يهم؛ فالمهم هو كيف ينظر الإنسان إلى لقلق ومشكلاته من داخل ظروفه وإمكانياته.
وأخيرًا كيف التخلص من كل هذا التيه والضياع؟ كيف لنا أن نتحرر؟ كيف لنا أن نصبح سادة أنفسنا؟
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب. فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودًا، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذمومًا».

لا حياة بلا رضا، وكل أمل مصحوب بسعي تحقق، أما أحلام اليقظة والركض خلف السراب لا يولد سوى نفوس قلقة لا طاقة لها حتى بأنفاسها.
فاللهم رضًا لنا ولكم عن كل حقيقة، وأملًا في كل جميل.
دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد