في أزمنة ما بعد الحرب، يحاول الإنسان شطب كـلّ المسافات القائمة بين الأنا والأنت، ليحاول إعادة التـعّرف على الإنسان من زاويةٍ أخرى غير العـداء والعدائيــة، وليحاول بذلك إعادة التعرّف على نفسـه التّي فقدها في مكانٍ ما في قتامة اللحم والحديد والدّماء.

كتـبت الرسامة السريالية «دورثيا تارينغ» في مذاكراتها في خريف سنة 1970: «إنّ البحث الفلسفيّ للسرياليين يدور حول الإيروتيكا، هذه القوة الميغناطسيّـة، في ارتباطها بالثورة، تمثّـل رفضًا عنيفًا للحياة الإنسانيّـة بشكلها القمعيّ القائـم».

هي الثّـورة إذن، الثورة الشاملة على كلّ مجالات الواقع، التّي تقبر كلّ أشكال النظام «المثالّـي» الذي انتهجه العالم لقرنٍ من الدّهر، فسببّ به حربين كــونيّتين جردتّا الإنسان من الإنسانيّـة والمنطق، تلك هي السريالية باختصار، الانقلاب على كلّ أشكال النظام الغربي المسيحيّ، سواء أكانت سياسيّـة، إم اقتصاديّة، أم فنية، أم سيكولوجية أم أخلاقيّـة.

التيار الفني السرياليّ هو تيار غايتـه هدم الثقافة الصماء المهيمنة التي تقوم على فهم العالم بمنطق الثنائيات، الإنسان والعالم، العقل والعاطفة، الوعي واللاوعيّ، ثمّ تطرد منها ما لا يتفّق مع «منطــقها وأخلاقها»، فيصبح اللاشعور والخيال والحـلم هذيانًا لا منطقيًّا لا حيز له في عالم المنطق الواحد الصارم. يرى السرياليون أنّ هذه النظرة المحدودة الانفصالية للإنسان والكون ستجّـر البشرية إلى فنائها المحتوم، هي إذن تحتكر مفهومًا يتيمًا واحدًا للواقع، وتقصي من عالمها تلك المجالات الواسعة التي يمكن أن تعيد تفسير الكون وتمنح الإنسان أفقًا جديدًا للتفكير في ذاته وكـليّـته كجزء من الكون، لا كمحوره. يعتقد منظّـرو السرياليّـة إذن أن ذاك التفكير هو إعادة إنتاج مستمرٍّ، للموت.

يتحدّث أندريه بروتون أحد أبرز السرياليين عن وضاعة التفكير الغربي قائلًا: «إنّـه شكل من القولبة المثالية والإكراه المزيّـن بأخلاقٍ مزيفة، إن الثورة ستبدأ بالتحرير الكامل للعقل».

إن السرياليين إذن يهدفون إلى الوقوف ضدّ انكماش الأفق وغربة إنسان ما بعد الحرب من جهةٍ، وهذا يعني إعادة صياغة الواقع إلى واقعٍ آخر، ومن هـنا استمدّت الحركة اسمها «سرياليّة»surrealism ، والتي تعني ما فوق -أو ما بعد- الواقـع، ومن جهةٍ أخرى إعادة كل ما سرقته سيرورة الحضارة من الإنسان: عواطفه وغرائزه، جسده وعقلانيتّه وتوحشّـه.

يعلن السرياليون بوضوحٍ في بيان بروتون سنة 1920، نيّـتهم أن يكونوا «بدائيين معاصرين»، وأن يسترجعوا كونية الإنسان التي مزقتها ويلات الاستعمار والحرب، عبر اكتشافه من جديد، اكتشاف اللاوعي، الحـلـم، الجنس، الجسد، الرغبة: كلّ البنـى التي همشّها منطق الثنائيات.

وفي استمراريّةٍ لقلب المفاهيم، تعلّق السرياليون بأثواب النساء كأنـّهن الأمل الأخير. لم تعد صورة النساء هامشيّـةً كعشيقةٍ أو زوجة، بل أضحت موضوعةً قائمة بذاتها. ورغم دروج النسوة في نصوص السرياليين ولوحاتهم، فلم يكن لهن دور قياديّ في الحركة؛ اذ أعاد السرياليون إنتاج الذكورية بأقنعةٍ أخرى، حتى 1930 متى بدأ حضورها في الاجتماعات والمعارض يتزايد، ودعّم ذلك إذ كتب سنة 1944: إن التدمير النهائي لمعايير الوحش الذي سميناه أوروبا، أن نعطي الأولوية لرؤية العالم من عيون امرأة. إن نظرة الرجل للكون تعلن إفلاسها.

كان ضروريًّا أن تحدث العودة إلى اللاوعي النسوي بوصفه ماكينة لاختراع حيز آخر من «المـمكن». نساء مثل إيلين أغار، ليونورا كارينغتون، لي ميلر، دوروثيا تانينغ فيني، فرانشيسكا وودمان، هانا ويليك، روزماري تروكل، كيكي سميث، بنيــن سريالية نسويّـة، لا تحاول موازاة السريالية الأولى، بل تذوب فيها إلى الكونيّـة والكليّة المبتغاة.

الشـعـر يريد أن يصبح حياةً.. والحياة تريد أن تصبح شعرًا

إن الشعر هو نفاذ إلى الباطن، إلى الرّوح. هو عالم من الأحاسيس والغرائز الأولية، وهو كما كتب بروتون «استعادة لطاقتنا النفسية التي سلبتها الحرب، عبر الانحدار الى أعماق ذاتنا». برزت السرياليّـة في الشعر منذ بدايات 1919 عبر هدم ميكانيزم الكتابة «المفكّرة». أن يصبح الشعر حرًّا من العقل والمراقبة المقيتة للوعي.

ليصبح الخيال منطقًا جديدًا: إنه يتخيّـل، إنه يفكّر. يفكّر عبر الصور الشعرية والاستعارات. يعد السرياليون الشعر فعل خروج من الواقع الضيّق، وأن الأدب طريق حقيقية لبلوغ الكونيّة، بما هي جوهر النشاط الفني. ولا نبالغ إن قلنا إنّ الجنس كان موضوعًا جوهريًّـا في قصائد السرياليين، بكثافةٍ مذهلة وتنوّع كبير. أضحت النظرة السريالية الشعرية للعالم نظرةً إيروتكيّـة. الوجود إيروتيكا كما قال أوكاثيو باث، يتحول فيه الكون من خلال الشعر إلى موضوع جنسيّ.

الشّعر مثل الحبّ
يمارس بالسرير
طلاؤه المبعثر،
شفق الأشياء

قال بروتون في إحدى قصائده. ويقول لويس أراغون في إحدى كتاباته: إن السريالية عادت بالشعر إلى شكله التعبيريّ الأكثر بساطة، إلى الحـبّ. لنتوقف عن تقديس أي شيء آخر غير الحبّ».

الريشة والألوان عاريتان

يقول سـالفادور دالي: «إنّ الشهوة ليست معصية، المعصية هي كبح تلك الشهوة. هي إذن المصير الحقيقيّ، الثقافة الحقيقيّـة هي ثقافة الشهوة».

سالفادور، وجه آخر للسريالية في عنفوان جنونها. ولد سلفادور دالي في 11 مايو (أيار) 1904 في فيغيراس في إسبانيا، ليصبح من أعظم تشكلييّ عصره. مقاربة الإيروتيكا كانت واضحة في أعمال دالي، وخاصّة في لوحة Le Grand Masturbateur 1929، يمزج الفنان، رأس زوجته غالا، مع شخصية ذكورية ذات عضو جنسي في وضعية انتصاب رخو.

سلفادور كان عبقريّـًا ميّالًا للجنون، يرى أنً الشهوة في معناها الواسع هي رغبة الإنسان في تجاوز أسوار ذاته والذوبان في شيء خارجه، الانصهار في شيء مـا بشغف وحريّـة دون قيود.

وسط النفور من الجنس الحاد الصارخ، لم يتوقف اهتمام الرسامين السرياليين بالحبّ والإيروتيكا أمام معارضة الصحافة البورجوازية للوحاتهم ووصفها بالخليعة الغارقة في حيوانية الجنس وشيطنتها لدى الجمهور، أقيمت أهم المعارض الفنية السريالية بباريس بين سنة 1959 و1962، وحملت اسم «إيروس» وتناول خلالها السرياليون موضوعة المرأة. ثمّ بالتشيك سنة 1968 بعنوان مبدأ اللذة، وبشيكاغو سنة 1987 والذي يحمل اسم: السلام الرائع– استفاقة الرغبة.

وفي رواية أخرى.. ماركيز دو ساد

اصطدمت السريالية برجلها في 1930: محرر الشهوة من سجون المسيحيّـة، ماركيز دو ساد، أكثر العقول تحررًا على الإطلاق. رجل طمرت كتاباته الخليعة عمدًا حتى أعيد اكتشافها على يد السرياليين في بداية القرن الماضي. رجلٌ راهن على تحرير المجتمع من كل القيود الدينية والأخلاقية والوصول به إلى الخيال المحض، وهو رهان السرياليين كذلك.

ولد دوناسيا ألفونس فرانسوا دو ساد، في 1740، لأسرة من نبلاء فرنسا العسكريين. الحـرب، السّجن، والحبّ، صنعوا منه السادّي السريالي الذي نعرف، الرجل الذي سكب انحرافه في أدبه حتّـى الابتلال. كان بالنسبة لهم قائدًا روحيًّا عظيمًا، فحولوا كتابته لـلوحاتٍ وأفلامٍ وقصائـد. حتّـى إن سلفادور دالي كتب له في سيرته الذاتية: «وحده ساد من يبدو لي المعلّم الكامل للشهوة والثورة».

ساد كان نقلة في عالم السريالية والإيروتيكا، كسر حتّى أخلاق السرياليين أنفسهم. ومنذ ذلك الوقت دخلت السريالية عصرها الثاني واصبحت تسعى إلى «القيام بكل شيء من أجل تحطيم التابوهات، بما في ذلك الانحراف الجنسيّ الفاسق»، لتلعب بذلك دورًا رياديًّا في «التحرر الجنسيّ» في الأدب والسينما والفنّ التشكيليّ بعيدًا عن الأشكال الاستهلاكية المبتذلة للجسد والجنس والمرأة.

الإيروتيكا والسيرياليّـة.. سلامًا يا فرويد!

«عزيزي يونغ، عاهدني على عدم التخلي عن نظرية الجنس أبدًا، فذلك الأمر بالغ الأهمية، أترى، يجب أن نجعل منه عقيدة وحصنًا لا يهد». من وصية فرويد إلى تلميذه وخليفته بعد ذلك، كارل غوستاف يونغ.

تأثرت السريالية بـآراء سيغموند فرويد عالم النفس وبنظرياته عن بنـى اللاشعور والأحلام، والكبت ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية. الوعي البشريّ يعمل على ضغط خيال الإنسان وقولبته، مما يجعله عاجزًا عن التعبير دون حدود، الجنس والأحلام يمثلان رغبات المرء الحقيقية المدفونة في داخله.

أكّـد فرويد على محورية مبدأ اللذة بالنسبة للحياة النفسية للفرد في كتابه ما فوق مبدأ اللذة. يرجع فرويد الأفعال العصبية للعامل النفسي، بدلًا من العوامل العضوية، بالتالي عد الأحلام أيضًا جزءًا أساسيًّا في اللعبة. فالأحلام بالنسبة لفرويد كانت بأهمية الواقع نفسه، وكلاهما يعبر عن الرغبة الجنسية للإنسان، وهي نظرية أسقطها روّاد السرياليّـة على مقارباتهم.

انطلاقًا من هذه الرؤيـة، نقول إن التصور السريالي للإيروتيكا يختلف عن التصورات السابقة، هي وسيلة تحريرٍ للذات وغوصٍ شهواني في الآخر المختلف الذي لم يعد – الآن- عدوّ حرب. إنّـها ذوبان الأنا في اللذة بكـل انحرافاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد