عرفت اللوحات السريالية انتشارًا كبيرًا، واحتفاءً ببعضها باعتبارها أجمل اللوحات الفنية التي عرفها التاريخ الإنساني، رغم الجدل الذي أثارته وما زالت تثيره في الأوساط الفنية والفكرية، حتى أن المصطلح أُدرج في خطاباتنا اليومية، وغدا يستخدم بشكل واسع، فأصبحت تسمع: «مشهد سريالي»، «أجواء سريالية» التي يقصد بها غالبًا غير معقولة، وغير واقعية، أو خيالية.

كانت بداية السريالية باعتبارها حركة أدبية تزعمها «أندري بريتون» الأب الروحي للسريالية في العشرينيات من القرن الماضي، بوضعه أسس «الكتابة الأوتوماتيكية»، لتنتقل بعدها إلى الفن التشكيلي، والسينما، والموسيقى وغيرها من أشكال التعبير الفني، لكنها وجدت في الفن التشكيلي صدرًا رحبًا لتنتعش وتتخذ مسارات أخرى للتبلور، ووسيلة أنجح لتعبر عن اتجاهها الفكري ومضمونها الفلسفي؛ لذلك حظي الفن التشكيلي السريالي بشهرة وإقبال أكبر.

كأي مصطلح فلسفي، تختلف وتطول التعاريف والدراسات الباحثة في دلالة مفهوم السريالية بحثًا دقيقًا، وعميقًا ومفصلًا، لكننا نستطيع أن نورد تعريفًا موجزًا لـ«بريتون» لها، والذي جاء في إعلان البيان السريالي سنة 1924، ويكون اكتفاؤنا به من باب أن «بريتون» هو أبو السريالية، وهو أدرى بوليده: «السريالية هي إملاء الذهن في غياب أي رقابة يمارسها العقل، وخارج أي اهتمام جمالي أو أخلاقي»، أو هي «آلية نفسية تلقائية محضة»؛ للتعبير عن ماهية وطبيعة عمل التفكير البشري، متجاوزة الوعي إلى اللاوعي، وكاسرة قيود المنطق لتهيم في أرجاء اللامنطق الرحبة، هكذا أمنت السريالية بوجود عالم على خلاف الذي نعيشه، عالم ينهار فيه المعقول وتتلاشى قواعد العقل، ويتبخر الواقع، أو بعبارة أخرى مختصرة: «بدل العالم العرضي الذي يتبدى في صورة كون محكم التنظيم والمنطق، يوجد عالم متوارٍ عن الأنظار، والسريالية مهمتها التعرية عن الوجه الحقيقي للعالم بجنونه وعبثيته».

السريالية في سياق تحولات القرن العشرين

تأثرت السريالية بالحركات الفنية الطليعية التي سبقتها مثل التكعبية والمستقبلية والدادائية؛ وكلها حركات فنية سعت إلى تقويض الحواجز القائمة بين الفن والحياة العملية، مسقطة شعار «الفن لأجل الفن»، متجاوزة الغاية الجمالية للفن التشكيلي، ومصرة على أن يدخل الفن على خط المشاكل اليومية للناس، وأن يتعاطى للحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية القائمة، وقد كان ذلك بمثابة انتزاع للفن من الاحتكار البرجوازي؛ إذ شكل الفن -والتشكيلي منه على وجه الخصوص- طوال الفترة التي سلفت، مهربًا للبرجوازيين من صخب الحياة المادية وملجأ للانفصال اللحظي عن أزماتها وتناقضاتها، وفضاء لتحقيق الترفيه والمتعة، لا الاصطدام بوقائع الحياة المتوترة من جديد؛ فالبرجوازي لا يريد أن يصادف لوحة تجسد آلام الفقراء ومعاناتهم، أو لوحة تحتج على الأوضاع الاجتماعية، وتسخر من الواقع السياسي.

كان للسريالية كذلك حظ من التأثر بمجمل التيارات الفكرية والفلسفية التي راجت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والمتمثلة أساسًا في الفرويدية والهيجيلية والماركسية، وبعض الفلسفات ما بعد الحداثية، كما حرضت على ظهورها الأحداث السياسية التاريخية والسياقات الظرفية، إضافة إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المجتمعات الرأسمالية آنذاك، وقد حمل الفن السريالي نزعة ثورية تجاه النظام الاجتماعي الأوروبي المتمثل خاصة في البورجوازية، وحملها مسئولية إشعال الحرب العالمية الأولى، وظلت السريالية تتهم البورجوازية بأنها تقود العالم إلى الدمار ركضًا وراء أطماعها الاقتصادية والسياسية وكثيرًا ما كانت تعمد للتعبير عن تذمرها من النمط الأوروبي الحديث إلى اتخاذ أسلوب تهكمي ساخر يصور الواقع المغضوب عليه في قالب هزلي؛ لذلك اتفقت السريالية مع الاشتراكية في حربها الضروس ضد القيم البورجوازية، كما اتفقت مع «نيتشه» في نقدها للحداثة الأوروبية، واتفقت مع «فرويد» في معالجة مفهوم اللاوعي، والقول بأن الوعي ليس إلا حالة عرضية للذات، وأن اللاوعي هو الذي يمثل حقيقة النفس البشرية، وعن طريق اللاوعي وحده يمكن للإنسان التعبير عن نفسه، ولما كانت الأحلام خير برهان على وجود تلك النقطة العميقة والمظلمة من النفس البشرية الحاملة لكل آمالها وهمومها وهواجسها ورغباتها ومكبوتاتها؛ إذ فيها يغفو الشعور، ويغيب الوعي ليتسلل إلى الواجهة صور من المنطقة اللاواعية، اتخذ السرياليون من أحلامهم منابع للإبداع، فمن غير الممكن أن تتأمل لوحة لـ«دالي» على سبيل المثال دون أن تحيلك بعناصرها العجائبية وغير المنسجمة على الحلم، في الأحلام فقط سنجد ساعات رخوة، وفي الحلم فقط سنجد سماء تمطر بشرًا، ورجلًا يرتدي قبعة مقلوبة.

الحرب العالمية الأولى؛ انتكاسة الحضارة الغربية

كان لوقع الحرب العالمية الأولى شديد الأثر على وعي وسيكولوجية الإنسان الأوروبي، الذي ظل إلى عهد قريب مطمئنًا ومؤمنًا بالحضارة التي بناها، محتفيًا بتطوره التكنولوجي وإنجازه العلمي والفكري وحتى مكتسباته الحقوقية والإنسانية، والمتفائل بمستقبل يحمل المزيد من المجد والازدهار للحضارة الغربية، ليصطدم بواقع أن الكون أقل انضباطًا مما توقع.

لقد ظل يعتقد لقرون أن الإنسان يخطو خطوات ثابتة نحو بسط سيطرته على الطبيعة وعلى الوضع الإنساني، خيبة الأمل التي حملتها الحرب، تزامنت مع تدشين عهد جديد من الفكر الإنساني يؤمن بالفوضى والعشوائية وسيادة اللامنطق واللاعقل، بدا العالم فجأة أقل إمكانية للتطويع، وقابلية للتفسير.

وكان لذلك انعكاسه على الفلسفة والفكر (فلسفة العبث مثالًا) والعلوم (النظرية النسبية، الكوانتم، نظرية الفوضى) علم النفس (التحليل النفسي- الفرويدية) والفنون التي عرفت ظهور السريالية.

فن المستحيل.. واقع فوق الواقع

يعتمد الفن السريالي على التعبير التلقائي الذي ينفلت من أي رقابة يفرضها الوعي، ويكون للعناصر الفنتازية وفوق الطبيعية، وعناصر الرمز والغموض حضورًا مهمًا في أغلب اللوحات السريالية، كما تستمد أفكارها من الحلم وحالات الجنون والهلوسة، وتسعى للبحث عن المتناقضات وجمعها بكيفية تثير صدمة المتلقي، في محاولة لإيجاد نقطة يتوحد فيها الوجود بكل مكوناته وأبعاده، وتنسجم فيها جميع الموجودات، وتنصهر فيها الحدود مفسحة للكون المجال للتماهي اللانهائي، نقطة يلتقي فيها الليل بالنهار النور بالظلام، الخير بالشر، الماضي بالحاضر والمستقبل والواقعية بفوق الواقعية؛ لذلك تصور الأعمال السريالية عناصر متناقضة، ومتباعدة المعنى جنبًا إلى جنب في لوحة واحدة، لا شك أن ذلك ملاحظ بشدة في أعمال «ران ماي، وماجريت ودالي» كما تلعب السريالية على إثارة مشاعر الدهشة والإذهال، وأعمال «دالي» التي تعد أشهر الأعمال السريالية تجلت فيها الغاية السريالية للإذهال، وخلق شعور المفاجأة لدى المشاهد بتصوير مشاهد غير معتادة.

إن قوة الغموض الذي تتضمنه الأعمال السريالية، واستمرار وجوده حتى بعد محاولات فك شيفرات اللوحة المتناولة هو الأكثر إثارة في الفن السريالي؛ إذ تظل هناك دائمًا تأويلات أخرى ممكنة للوحة، وبذلك تفسح اللوحات السريالية المجال واسعًا للتأويل الفني.

السريالية مدانة

خرج النقد الموجه للسريالية عن الإطار الفني، فلم تعد قاعدة «نقد الفن، ولكن فنيًا» محترمة في هذا المقام؛ إذ ساهمت اعتبارات عديدة في توجيه انتقادات شرسة إلى هذا التيار الفني، وأغلبها لم يكن فنيًا، فيما عدا النقد الذي سلط الضوء على مدى حضور المعايير الاستطيقية في الأعمال السريالية، ركزت باقي الانتقادات على الجوانب الأخلاقية والعقلانية، فكان الدين والأخلاق والتقاليد الكلاسيكية والفلسفة العقلانية التي سادت فترة الحداثة أبرز العوامل التي انهالت على الفن السريالي بالنقد الشديد، الذي وصل حد الرفض وعدم الاعتراف به باعتباره حركة فنية، واعتباره مجرد ضرب من الجنون والهلوسة.

ختام

حلمت السريالية كما باقي الفنون بعالم مختلف عن هذا الذي نعيشه، عالم ينسجم فيه الحب والشعر والخير والحرية، ورفعت سقف طموحاتها إلى آفاق التغيير على غرار الشاعر «رامبو» الذي قرر تغيير العالم بأشعاره، مستعينة السريالية بأسلوبها الخاص، وبفلسفة ونظرة جديدة إلى الحياة، والحقيقة الإنسانية، مجسدة العالم كما هو على بشاعته وفوضويته، ولا جدواه، وكأن لسان حالها يقول للنقاد: «اصنعوا لنا عالمًا جميلًا، منطقيًا، وأخلاقيًا؛ لنرسمه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد