في ضوء ما تم ذكره في المقال البحثي (2) بعنوان الفلسفة الإسلامية المعاصرة في علم الوجود ج(2)، والذي نشر في موقع ساسة بوست. هذا المقال البحثي الأكاديمي هو المكمل له، ويعتبر الجزء الثالث له.

الملخص

هذا المقال سيحاول عرض مقدمة شاملة عن القانون الكوني الذي يحكم المخلوقات (قانون الصراع بين البقاء والهلاك)، ثم عرض قانون الصراع بين البقاء والهلاك على مستوى الأفراد، ثم أخيرًا قانون الصراع بين البقاء والهلاك في المجتمعات الإنسانية المعاصرة.

سؤال المقال الأساسي: هل سنهلك أم سنبقى كأفراد ومجتمعات؟

القانون الكوني الذي يحكم المخلوقات (قانون الصراع بين البقاء والهلاك)

القانون الكوني الصارم الذي يحكم كل المخلوقات الموجودة هو قانون يسمى بقانون الصراع بين البقاء والهلاك. الهلاك والبقاء هما مجموعة من العوامل التي إذا التقت مع بعضها استحق الإنسان أن يحصل له هلاك أو بقاء. فموضوع الهلاك في كتاب الله هو مجموعة من الاّيات القرآنية المذكورة في سور متفرقة، التي بجمعها مع بعضها البعض شكلت كتابًا يسمى كتاب الهلاك، وهذا ينطبق أيضًا على موضوع البقاء. يجب على الإنسان أن يستنبط العوامل التي تؤدي للهلاك من الآيات القرانية التي يجمعها من كتاب الله، ثم يطبقها في الواقع بتجنبها، ويستنبط العوامل التي تؤدي إلى البقاء، ويطبقها في الواقع ليكتب له البقاء إلى أجل مسمى. الهدف من القانون هو تمكين الإنسان من العيش لأطول مدة ممكنة؛ لكي يعمل أعمالًا صالحةً متراكمةً تجعله يترقى في درجات الاستخلاف ليكون خليفة الله في الأرض (بالإصلاح والتطوير والتعمير والتغيير للمجتمع)، والترقي في درجات الاستخلاف عند الله، ثم يهلك في النهاية ويرجع إلى الله تعالى لكى يبعثه للمساءلة والحساب عن الأعمال الدنيوية؛ فيجازيه الرحمن بالثواب عليها أو العقاب عليها حسب العمل في الدنيا. طبيعة هذا القانون هو رأس هرم وسيد كل قوانين الوجود التي خلقها الله، ويسري علي جميع المخلوقات منذ سيدنا آدم وحتى آخر مخلوق من الملائكة والجن وغيرهم، ولا يفرق القانون بين مسلم وكافر أو كبير وصغير.

قانون الصراع بين (البقاء والهلاك) على مستوى الأفراد

يستيقظ الفرد صباحًا سعيًا للرزق، ما يعني أنه في صراع بين تلبية حاجات الجسد من غذاء وماء للبقاء حيًا، أو لا يسعى لتلبية حاجات الجسد فيهلك. هناك الصراع بين البقاء والهلاك العقلي لعقل الإنسان، فهنا يكون الإنسان في صراع بين: إما اكتساب المعرفة والتفكير والقراءة والبحث ليكون عقله باقيًا، أو لا يفعل ذلك فيهلك عقله؛ فيصبح مثل الحيوان، لا يعقل شيئًا، فيفقد القدرة علي تغيير الواقع لأن الواقع رهينة باستعمال العقل. فمنذ أن يولد الإنسان في مرحلة الطفولة، ويخرج من بطن أمه يكون في صراع بين البقاء والهلاك. هناك الصراع (البيولوجي) بين البقاء والهلاك داخل جسد كل فرد يحدث في كل 60 ثانية هلاكًا لـ60 مليون خلية فاسدة، وتنشأ محلها 60 مليون أخرى صالحة لتجدد خلايا الجسد؛ ما يعني أن هناك صراعًا بيولوجيًا داخل الجسد البشري بين خلايا البقاء وخلايا الهلاك، وهذا يعتبر أول مراحل الهلاك للإنسان: هلاك بيولوجي داخلي.

وأيضًا اللعاب والعرق الذي يخرج من الإنسان يتكون من خلايا ميتة خرجت نتيجة للصراع الذي دار بينها وبين خلايا الحياة في الجسد البشري. المصدر (كتاب جسمك كيف يعمل، جودي هندلي وكريستوفر روسون، صفحة 34، الطبعة الأولى). فالنتيجة أن هذا الصراع يحدث يوميًا، سواء علم به أو جهل به الإنسان، وفي نهاية الحياة ستكون الغلبة للهلاك للإنسان؛ لأن البقاء لله وحده (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) القصص (88). تم تأتي المرحلة الثانية، وهي الفناء لكل شي أي عدم وجود المخلوقات في كل العوالم ماديًا، فقط سيكون وجودها في علم الله الأزلي الأبدي، وهذا واضح في قوله تعالى مؤكدًا فناء كل شي، وحصرية البقاء له وحده (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ). الرحمن (26-27). قانون الهلاك أو البقاء هو مجموعة من العوامل التي إذا التقت مع بعضها استحق أن يحصل ويحدث له الهلاك مباشرة في الواقع.

الهدف من القانون هو تمكين الإنسان من العيش لأطول مدة ممكنة لكي يعمل أعمال صالحة متراكمة تجعله يترقى في درجات الاستخلاف ليكون خليفة الله في الأرض (بالإصلاح والتطوير والتعمير والتغيير للمجتمع)، والترقي في درجات الأخلاق عند الله، ثم يهلك في النهاية ويرجع إلى الله تعالى لكي يبعثه للمساءلة والحساب عن الأعمال الدنيوية فيجازيه الرحمن بالثواب عليها أو بالعقاب عليها حسب عمله في الدنيا.

السؤال: كيف أجعل خلايا البقاء تكون لها التحكم داخل الجسد لكي أعيش أطول؟

الإجابة هي أن تحصل علي المعرفة بقوانين الصحة وإحياء الأعضاء البيولوجية للجسد، ثم تطبقها في الواقع. هذا يعني تطبيق الأنشطة التي تقود إلى تنشيط وتجديد خلايا الجسد وإحياء الأعضاء البيولوجية مثل (النوم ثماني ساعات يوميًا في الليل، الرياضة الحركية يوميًا 40 دقيقةً، التوقف عن الثرثرة والجدل غير المفيد، شرب 1.5 لتر مياه يوميًا وغيرها)، ولكن عند عمل العكس أي الجهل بقوانين الصحة والأحياء للأعضاء البيولوجية، ثم عدم تطبيقها في الواقع، هذا سيقود إلى تعطل خلايا نظام المناعة من إنتاج كرات الدم البيضاء، ثم يمنع خلايا البقاء من تجديد نفسها وإنتاج خلايا جديدة، وبالتالي تكون الغلبة لخلايا الهلاك في الجسد فيهلك الإنسان هلاكًا بيولوجيًا، أي ستصيبه أمراض عضوية في أعضاء الجسد، ثم يهلك كنتيجة لذلك. وكل هذا بما قدمت يداه، والله لم يأمره بالجهل بقوانين الصحة وإحياء الجسد. فهنا الإنسان لديه كامل حرية الاختيار والمعرفة لكي يؤجل هلاكه وموته إلى المستقبل ويعيش لمدة أطول حتى يترقى في مراتب الاستخلاف العملية (بالعمل لتطوير وإصلاح الأرض في المجتمع الذي يعيش فيه) ويرتفع في الدرجات والمقامات والرتب الإألاقية عند الله بأعماله التي سيعملها.

ثانيًا قانون الصراع بين (البقاء والهلاك) في المجتمعات الإنسانية

يعمل القانون في واقع المجتمعات الإنسانية منذ وجود أول مجتمع بشري في التاريخ. المجتمع هو جماعة من الناس تعيش مع بعضها البعض وفق قيم تعايش سلمي. فالله وضع للمجتمعات قيم وقوانين للتعايش السلمي المشترك فيما بينهم، فإذا لم يكتسبوا المعرفة بها وانتهكوها في الواقع سيطبق عليهم الله قانون هلاك المجتمعات، وإذا اكتسبوا المعرفة بها والتزموا بها طبق عليهم قانون بقاء المجتمع.

الشرط الوحيد لبقاء المجتمع كجماعة هو التفكير في والسعي إلى المساهمة في الإصلاح والتطور وعدم الثبات على الفساد وعدم حماية الحريات (حرية الاعتقاد، حرية التفكير، حرية التعبير بالرأي المختلف، حرية المجاهرة بالحقيقة، حرية البحث عن الحقيقة، حرية المشاركة السياسية، حرية الإجتهاد الفكري الديني)، حماية حقوق المواطنة والمساواة بين الناس (حق الحياة بأمان، حق التعليم، حق السكن، حق التأمين الصحي، حق التوظيف، حق التملك)، حماية التنوعية في المجتمع (تنوعية الأديان، تنوعية العقائد، تنوعية الطوائف، تنوعية المذاهب، تنوعية الأحزاب السياسية، تنوعية الأعراق، تنوعية الأفكار والآراء، تنوعية الثقافات والعادات، تنوعية السلوك في المجتمع)، وتعريف الناس بمسؤوليات المواطنة، تنفيذ حكم القانون على الجميع دون استثناء؛ ما يؤدي إلى صياغة نظام قانوني واحد للعيش المشترك فيما بينهم بسلام، بهذا يسمى مجتمعهم بمدينة، أي يعيش فيها المسلم واليهودي والبوذي والمسيحي بسلام تحت نظام قانوني وقيم إنسانية مشتركة. فعدم حماية هذه الأشياء يقود إلى تطبيق الله عليهم قانون هلاك مجتمعهم.

فهنا يكون هنالك تنوعية في السلوك بين أفراد المجتمع الواحد؛ فيصبحون مجتمعًا إنسانيًا، بدلًا عن المجتمع الحيواني الذي يجمعهم سلوك واحد أحادي. ومثال عليها مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ووثيقة المدينة المشهورة.

الشرط الوحيد لهلاك المجتمع جماعة هو توافق الجماعة على سلوك جماعي ظالم في المجتمع أي توقف الأفراد والجماعات عن التفكير في – والسعي إلى تغيير واقع المجتمع. أي توقفهم عن السعي إلى المساهمة في الإصلاح والتطور والثبات على الفساد والخضوع للظلم؛ ما بعني منع الحريات المواطنة، منع حقوق المواطنة والمساواة بين الناس، منع التنوعية في المجتمع، تجهيل الناس بمسؤوليات المواطنة، التحيز والعنصرية في تنفيذ حكم القانون. بهذا تجبر وتفرض أغلبية المجتمع على باقي شرائح المجتمع (بالقوة الناعمة أو العنيفة) اتباع (عقيدة دينية اّحادية، وحزب سياسي أحادي، وطائفة ومذهب واحد أحادي، وطريقة فهم للدين أحادية، طريقة تفكير أحادية، وطريقة عيش وتقاليد وعادات واحدة أحادية موروثة من الآباء والشيوخ والفقهاء وسلفهم الصالح)، ثم يصبح سلوك جميع أفراد المجتمع سلوك واحد جماعي أحادي لا يوجد اختلاف بينهم ولا حرية ولا تنوعية، فيصبحون قطيعًا من الغنم والماعز. فبمجرد أن يتحول المجتمع كجماعة إلى مجتمع جبري في التفكير والمفاهيم، وفي السلوك بإجبار كل واحد منهم للآخر، يكونون مستحقين أن يطبق عليهم الله قانون الهلاك لمجتمعهم ولكن لماذا؟ لأنهم تحولوا من مدينة (التي تضبطها حماية بعضهم البعض لتنوعية الأديان والمذاهب والعقائد والتفكير، وتضبطها حماية بعضهم البعض للحريات والحقوق والسعي للإصلاح) إلى قرية (التي يجبر فيها جميع جماعة المجتمع باقي الناس أن يؤمنوا بعقيدتهم ومذهبهم وطائفتهم ودينهم وطريقة تفكيرهم وطريقة عيشهم وتقاليدهم)، ثم يتخذونها جميعهم كسلوك جماعي لهم لا يوجد اختلاف فيما بينهم، ولا يوجد تنوعية ولا حريات ولا حقوق للآخر المختلف معهم في أي شي. بهذا ينتشر الظلم في المجتمع، فتكون النتيجة أنهم مستحقون أن ينفذ عليهم الله قانون هلاك مجتمعهم بأن يهلكهم جميعًا كعقوبة جماعية للمجتمع الذي يعيشون فيه، وهذا واضح في قوله تعالى بهلاك المجتمع (الذي أصبح قرية يتخذ جميع أهلها سلوكًا واحدًا أحاديًا)، والذي يمنع التنوعية وينتهك حقوق بعضهم البعض ويمنع الحريات، وإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا. سورة الإسراء (58).

ولكن لماذا يهلك لله بقانون الهلاك المجتمع الذي يمنع الحريات والحقوق والإصلاح ويمنع التنوعية في المجتمع؟

لأن هناك فئة واحدة ستكون مستفيدة من هذا الانتهاك للحريات والحقوق والتنوعية ومنع الإصلاح وهي فئة المترفين. المترفون هم شريحة من المستفيدين من ظلم (جماعة أوطائفة أو مذهب أوحزب سياسي) للآخرين في المجتمع، فيقومون بتغذية الصراع بين هذه الجماعة والأخرى المظلومة، فيضربون هذه بتلك، ثم ينفردون بالسيطرة على المجتمع بكل شرائحه وممتلكاته ووعيه وموارده، ويكونون فوق سلطة القانون والمساءلة يفعلون ما يشاءون.

بهذا أصبحت فئات المجتمع إما منتجة للظلم أو مشاركة في الظلم أو يدعي بعضها الحياد منصرفين للبحث عن الرزق اليومي، فأصبحوا مستحقين جميعهم ليطبق عليهم الله قانون الهلاك لمجتمعهم بأن يهلكهم جميعًا كعقوبة جماعية لهم. وهذا بدليل قوله: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ. القصص (59). وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. الإسراء (16). فقانون هلاك المجتمعات الظالمة أهلها هو قانون مكتوب سلفا قبل خلقنا بدليل أن الله وصفه بأنه مسطور في قوله تعالى: وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا. الإسراء (58). وهذا ما كتبه الله جبرًا على الإنسانية جمعاء.

وهناك أربعة أنواع من العقوبات الإلهية الجماعية للمجتمعات (كجماعة) التي تقبل وتتغافل وتشارك في الظلم، هذه العقوبات موجودة حالية في مجتمعات العالم العربي والشرق الأوسط:

1. عذاب إلهي بإذاقة لسان الجوع والخوف: بالفقر والأمراض النفسية والمعنوية والأمية الفكرية باستقالة عقول الناس عن التفكير وضيق الرزق وعدم وجود البركة في أي فعل جماعي والفساد الأخلاقي كأمثلة.

2. عذاب إلهي جماعي من فوق أو تحت الأرجل: ومثال عليها (الفيضانات، الأعاصير، البراكين، الزلالزل، السيول الجارفة، درجات الحرارة القاتلة، الأمراض القاتلة). فهذه الأمثلة يأمرها الله بواسطة قوانينه لتتحرك لتهلك هذا المجتمع. وتابعوا كل التسوناميات التي ضربت آسيا لتعرفوا لماذا أهلكوا بالفيضانات والزلازل. فالمجتمع الذي يتبني ثقافة وطريقة تفكير وعادات وتقاليد وعقيدة واحدة أحادية وتأخذ معرفتها من مصدر واحد بأن كل شي مكتوب أزلًا، ثم تجبر الآخرون عليه قهرًا ليكون سلوكًا جماعيًا للمجتمع، هذا المجتمع سيهلك لا محالة.

ومثال على مجتمع جبري (قرية في التاريخ الإنساني) أهلكها الله هي قرية لوط. فعندما دعاهم لوط إلى وحدانية الله، واستخدم حقه في حرية التعبير والاعتقاد بأن قال لهم علنًا إنكم تأتون فاحشة اللواط بين الرجال علنًا كسلوك جماعي في مجتمعكم، فعبر عن رأيه مخالفًا لثقافتهم وسلوكهم الجماعي بدليل قوله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ.أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. سورة النمل (54-55). ثم عندما حاولوا أن يجبروه على أن يخرجوه قهرًا من مجتمعهم القروي ليسلبوه حرية التفكير والاعتقاد والمجاهرة بالحقيقة، رد الله تعالى مباشرة بهلاك هذه القرية بالخسف، فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ.وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ. سورة النمل (56-58). وجميع أهل القري سيهلكون ولا ينجو منهم إلا الذي يلتزم بالنضال من أجل الحرية والمطالبة بالحقوق ويجاهر الظالمين بالحقيقة في المجتمع ويسعى للإصلاح في مجتمعه كما تقول الآية: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ. أي نجا هو ومن التزموا بتلكم القيم.

3. عذاب إلهي جماعي بأيدينا: بأن ينقسم المجتمع إلى كيانات وطوائف واتجاهات وشيع متفرقة ليس بينها قيم ولا أهداف تعايش مشتركة تجمعهم، فيتقاتلون عسكريًا فيدخلون حربًا أهلية فيذيق بعضهم بأس بعض بالقتل على أساس ديني أو سياسي أو قبلي أو عرقي. فكل منهم يريد أن يجبر الآخر على مفاهيمه وطريقة تفكيره وطريقة تدينه وسلوكه، فيهلك كل منهم الآخر باسم ما يرفعه من شعارات بدليل قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ. سورة الأنعام (65).

4. عذاب إلهي جماعي بأيدي الخارج: مثل الاستعمار الأجنبي العسكري والاقتصادي، نشأة وقدوم تنظيمات إرهابية عسكرية متلونة تستخدم شعارات دينية لتقتل الجميع وتذيقهم العذاب الشديد والخوف المرعب الدائم، الغزو الثقافي والغذائي الأجنبي بواسطة المخدرات والخمور والسطو المالي على أموالهم، تدبير مجرمين البنوك العالمية لخطة لتدمير الاقتصاد المحلي لدولتهم مثلما عملوا لآسيا من قبل. وهذا بسبب نكوص المجتمع عن الالتزام بقيم التعايش المشترك التي أسس لها القرآن أساسها.

فالقرية هي تجمع سكاني من الناس يعيشون في مجتمع واحد توافقوا فيما بينهم على ثقافة وتقاليد وعادات وطريقة تفكير وطريقة عيش واحدة أحادية، ثم حولوها لسلوك جماعي واحد أحادي مثل قطيع الغنم لا يتغير وثابت، ثم يجبرون جميع الآخرين في مجتمعهم على اتباع سلوكهم بالقهر العنيف؛ ما يؤدي لانتهاك الحريات (حرية الاعتقاد، حرية التفكير، حرية التعبير بالرأي المختلف، حرية المجاهرة بالحقيقة، حرية البحث عن الحقيقة، حرية المشاركة السياسية، حرية الاجتهاد الفكري الديني)، وانتهاك حقوق المواطنة (حق الحياة بأمان، حق التعليم، حق السكن، حق التأمين الصحي، حق التوظيف، حق التملك)، ويؤدي إلى منع التنوعية في المجتمع (تنوعية الأديان، تنوعية العقائد، تنوعية الطوائف، تنوعية المذاهب، تنوعية الأحزاب السياسية، تنوعية الإعراق، تنوعية الأفكار والآراء، تنوعية الثقافات والعادات، تنوعية السلوك في المجتمع) ويؤدي إلى منع الإصلاح. بهذا أصبحوا قرية فاستحقوا الهلاك. أما المدينة فهي عكس ذلك تمامًا، ومثال للمدينة هي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تكفل الحريات، تنوعية الأديان والعقائد، وحقوق ومسؤوليات متساوية، وسعي للإصلاح بين الناس فانتشرت الرسالة المحمدية بهذه القيم للتعايش المشترك.

والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم وأحكم

يتبع الجزء الرابع – مهم جدًا:

أنواع قوانين الوجود (الكونية والإنسانية) مع أمثلة عملية عليها في سياق الإفراد وسياق المجتمعات الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد