لا يبدو أن عام 2020 سيكون أقل سقمًا وألمًا من تلك الأعوام التي سبقته، فأشهر ربعه الأول كانت حبلى بالكوارث التي هزت العالم من زلازل وفيضانات وبراكين وحرائق، قتلت وأصابت آلاف المدنيين وأتت على عشرات آلاف الهكتارات، وتسببت بنفوق نحو مليار حيوان كما حدث في أستراليا وحدها.

وما كان العالم ليتجاوز فاجعة ويلتقط أنفاسه، حتى تعصف به أخرى تكون أحداث الأزمة التي قبلها وكأنها مجرد نزهة بالنسبة لحجم مصاعبها وتداعياتها، ورغم جهلنا بالمستقبل ما يخفيه القدر إلا أنه من الممكن اعتبار تفشي وباء فيروس كورونا «كوفيد-19» بأنه خير دليل على هشاشة ما ظن العالم إنه بناه وعمره، بل وهزالة ما كان يردده البعض قائلًا «لا مستحيل بعد اليوم» فإذا به يقف عاجزًا مشلولًا يتضرع إلى السماء رغم إلحاده وعلمانيته.

دول أوروبية اعتبرت مواجهة كورونا بالتحدي الأكبر لها منذ الحرب العالمية الثانية، ليكون إحدى إجراءات اتحادها رغم ما سيخلفه من أضرار على المدى البعيد هو غلق أبوابه لـ30 يومًا، فيما لم تجد بلدان أخرى متقدمة سوى الترقب والانتظار لعل معجزة تنقذها، يأتي هذا في وقت أكدت فيه الأمم المتحدة أن نحو 25 مليون شخص سيفقدون وظائفهم بسبب الفيروس ليتضاعف الرقم إلى 50 مليون وظيفة هي التي ستغلق وفقًا للمجلس العالمي للسفر والسياحة من جراء تفشي هذا الوباء وانتشاره عالميًا.

ومع سيل من التطمينات، فإن مرحلة ما بعد كورونا لن تكون سهلة، فهي ليست مسألة وباء سينتهي لكون عواقبه اقتصاديًا واستراتيجيًا ستكون قاسية جدًا لدرجة أن البعض وصفها بالتسونامي المالي بعد أن أخرج العالم احتياطياته النقدية لكبح الانهيارات لدى البنوك والشركات، حيث بلغ إجمالي ما خصصته دول العالم حتى لحظة كتابة هذا التقرير ثلاثة تريليونات دولار في محاولة لتلافي تكرار أزمة 2008.

وفي ظل غطرسة أمريكية وغرور أوروبي وشرق أسيوي مع استمرار التنافر السياسي بينهم فقد بات العالم شبه مشلول تعصف به حالة من السكون، وكأنه يحتضر دون أن يعلم، فمديرة البنك المركزي الأوروبي رجحت وقوع انكماش اقتصادي كبير في منطقة اليورو، فيما كشف موقع ذا هيل عن قيام بنك أوف أمريكا بتبليغ عملاءه رسميا أن الاقتصاد الأمريكي دخل مرحلة الركود وهو ثاني أكبر البنوك التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث القيمة السوقية، هذا ما يجري على صعيد الدول الكبرى بإمكانياتها العظمى، فكيف هو الحال بدول العالم الثالث والأخرى المنسية كعالمنا العربي ودول أفريقيا والتي بمجملها غارقة في ديونها وتفتقر للإمكانيات الطبية والصحية التي يمكن أن تؤهلها للخروج من الأزمة بأقل خسائر ممكنة، فالسعودية وعلى لسان ملكها أكدت أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة، أما السفير الفرنسي في مصر فقد دعا للتهيؤ لوضع متأزم وخطر مع إعلان عزل مصر عن بقية العالم كما ودعت منظمة الصحة العالمية دول أفريقيا إلى الاستيقاظ والاستعداد للأسوأ فضلًا عن تحذيرها من تفشي الوباء في العراق الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة.

بغض النظر عن تلك النظريات التي تتداولها أنظمة حاكمة بعينها في محاولة لامتصاص غضب الشارع نتيجة فشلها في احتواء المرض وكيف إنها تروج إلى كون هذا الوباء مفتعل وأحد صور الحرب البيولوجية، إلا أن تفشيه في كل أنحاء العالم لجم هذه الروايات رغم ضبابية وغرابة سلوك الفيروس الذي يفتك بكبار السن ولا يقتل الأطفال فيما يترك المتعافين منه من فئة الشباب الرجال وهم معرضون للإصابة بالعقم وفقًا لدراسة أعدها فريق بحثي من مركز الطب التناسلي في مستشفى تونغجي في ووهان الصينية الذي أشار إلى أن كورونا يشبه جينيًا فيروس سارس، والذي ممكن أن يؤدي إلى التهاب الخصيتين وبالتالي يسبب خطرًا على الحيوانات المنوية، وهي أعراض دفعت البعض لتداول تساؤل مفاده «هل العالم أمام إعادة لإحياء نظريات اليوجينيا والداروينية اللتين تروجان إلى أن مصلحة البشرية هي في إبادة بعض الأجناس واعتبار الهلاك محركًا للتطور والارتقاء؟!».

ومع دخول العالم فترة الصمت في ظل حظر للتجمع والتجول، فإن لقطات دفن المتوفين جراء الإصابة بالفيروس تطغى على سماع أنين وأهات ملايين الفقراء والمساكين ممن يعيشون قوت يومهم وقد أجبروا على التزام منازلهم والاعتكاف مع آلامهم دون توفير مصدر عيش يكفل حقهم بعيدًا عن مفهوم قانون الغابة، الذي ينص على أن تكون الغلبة للأقوى بدنيًا، ومع هذا فإن البشرية وحتى اللحظة لم تفقد كل إنسانيتها وما زال من يمتلكون وفرة إيمانية بغض النظر عن دينهم وعقيدتهم هم أكثر الناس حصانة من الإصابة بالأمراض في ظل تقبلهم للقدر خيره وشره وأخذهم بالأسباب فضلًا عن كونهم بعيدين عن كم المشاعر السلبية، التي أثبت علميًا ووفقًا لبحث صادر عن جامعة أوهايو ارتباط الحالة النفسية بقدرات الجهاز المناعي للإنسان وصحته عبر إفراز هرمونات ومنها «الكورتيزول» وارتفاع نسبته في حالة القلق والتوتر، والتي تضعف من مناعته وبالتالي فإن فيروس كورونا سيجد في أجساد هؤلاء المرهقين نفسيًا غايته وملاذه ليتفشى وينتشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

2020, البقاء, للأقوى
عرض التعليقات
تحميل المزيد