ما هي أفضل طريقة لتعليم الأخلاق وترسيخ المبادئ والقيم في الناس؟ الديانات لديها الحياة الأخرى والكيانات ما وراء الطبيعة لإجبار الإنسان على التمسك بأخلاق فضيلة ونبذ التصرفات الذميمة، فالأديان الإبراهيمية مثلاً، تُجازي المؤمن الطيب بالجنة وتُعاقب المنحرف بِنار الآخرة.

أما الحكومات المدنية، لديها قوانين خاصة لمعاقبة الأفعال التي هي غير أخلاقية وإجرامية في نفس الوقت مثل فعل الفساد الإداري وقبول الرشاوى. وتمتنع الدولة عن معاقبة الأفعال غير الأخلاقية غير الإجرامية مثل خيانة الزوجية وشرب الكحول (وقد كانت جريمة في السابق ولا تزال بعض الدول تحتفظ بقوانين ضدها). والجدير بالذكر أن العديد من الحكومات لا تمتلك ثوابًا للأشخاص الذين يتصرفون بسلمية ويتسمون بالأخلاق الفاضلة، فقط تعاقب الحكومة الذين يخرجون من مسار أخلاق المجتمع وقيمهم.

والطب النفسي لديه علاج ونظريات وتجارب لتقديم الأخلاق وإبعاد الذمائم، بدءًا من العلاج الجماعي لمدمني المخدرات إلى العلاج بالصدمات الكهربائية للميئوس من حالاتهم. إلا أن هؤلاء المرضى غير الأخلاقيين نادرًا ما يشفون من أسقامهم النفسية، والعديد منهم يعودون ليزاولوا أفعالهم السابقة المؤذية لأرواحهم وللآخرين.

كذلك طريقة الأديان والحكومات لم تفلح فلاحًا باهرًا لمنع الناس من الانحراف؛ فور خروج السجين من السجن على سبيل المثال، يعود لمزاولة العمل نفسه الذي زجهُ في السجن من البداية. والكثير من رجال الدين لا يرهبون من الآخرة ويقدمون على تصرفات إجرامية فضلاً عن غير الأخلاقية، فكيف بأناس عاديين.

إذًا، أيتها السيدات وأيها السادة، إليكم طريقة أخرى لتعليم الأخلاق، طريقة بدائية قليلاً ووحشية ربما، لكنها بشكل أو آخر ناجحة في علاج الإنسان المتهور والمنحرف، وهذه الطريقة نتعرف عليها في سلسلة من أفلام الرعب الشهيرة Saw.

لمن لا يعرف ما هي تلك الأفلام وعن ماذا تدور: تجري حبكة الفيلم في قيام مهندس مدني اسمه جون كريمير، المعروف بـ (جيگسو)، بتعذيب الأشخاص الذين يتصرفون بشكل خاطئ وغير أخلاقي ومؤذ لأنفسهم وللآخرين عن طريق خطفهم وإرغامهم على لعب لعبة مميتة، فيها مراحل مستوحاة من خطيئتهم الذي يريد جيگسو تشفيتهم منها. أحد الوشاة على أصحابه مثلاً، استيقظ ليجد نفسه فاقدًا إحدى عينيه ومقيدًا بآلة مربوطة حول عنقه، ومن ثم يشتغل التلفاز أمامه ليشرح له جيگسو لماذا هو هنا وما هي قواعد اللعبة. كونه واشيًا أخبر الشرطة بما رآهُ يفعله أصدقاؤه، عليه في هذه اللعبة أن يقتلع عينه الأخرى للوصول إلى المفتاح المغروز خلف مقلته، والذي يفتح الآلة المقفلة حول عنقه. إن لم يقدر على فتحه في 60 ثانية، ستنغلق الآلة مهشمة رأسه ومودية بحياته.

هذه الألعاب مُصممة عمدًا للتلاعب بغريزة بقاء الإنسان، فعليك أن تُجيد اللعب بها وإلا الخسارة هي الموت. هذه الغريزة ليست مستهدفة بالصدفة، بل هي واحدة من أعظم الغرائز التي تعلمنا دروسًا قيمة لا ننساها طوال حياتنا. فكر فقط في حادثة شخصية قريبة للموت أو مؤلمة جسديًا حصلت في حياتك وبسبب أخطائك، لن تقدر على نسيان تلك الأخطاء أبدًا، ولعلك تندم عليها الآن بمجرد تذكر الموقف. هذه الغريزة البقائية تُحفز ذاكرة الإنسان وتنشط تحليلات الدماغ حتى يتعلم الناجي من هوله مرةً ثانية، ولا يقترف تلك الأخطاء المودية بالأرواح مجددًا.

كل ألعاب جيگسو تتمحور حول الصراع من أجل البقاء، وهي مُصممة لوضع اللاعب في تجربة مثيلة بمواقف الحياة أو الموت، وبيئة اللعبة تشبه الخطيئة التي اقترفها الضحية كما قلنا سابقًا، وذلك ليتعلم الضحية من أخطائه السابقة عن طريق غريزة البقاء. والألغاز الموجودة داخل اللعبة مُعدة لتحفيز عقل الضحية وفتح شهية ذاكرته على امتصاص الدرس الرئيسي والمغزى من اللعبة.

نستطيع أن نرى الفارق بين علاج الدين، وعلاج الحكومة، وعلاج الطب، وعلاج جيگسو لمعالجة الإنسان غير الأخلاقي. الدين يستعمل جزءًا من دماغ الإنسان الإيماني لما وراء الطبيعة ليبعده عن الأخلاق السيئة، والحكومة تستخدم جزءًا من دماغ الإنسان التي تستجيب لطريقة العقاب والثواب لدفعه نحو السلمية والاتسام بالأخلاق الحميدة. أما علم النفس، يحاول أن يجعل المريض متأقلمًا مع بيئته عقليًا، ويأتي بسُبل وحيل ليتفادى المجرم أو المدمن المحفزات التي تدفعه لاقتراف الأفعال نفسها. مثلاً، يتم تعليم السجناء طريقة التأمل والسيطرة على الغضب أثناء مواقف عصيبة لكي لا يفقدوا أعصابهم ويقدموا على فعل أفعال شنيعة.

لكن طريقة جون كريمر تدخل إلى صلب الدماغ البدائي، وتستخدم غريزة البقاء وألم الصراع، من أجل إخراج الإنسان من ظلمات الأنانية والانحرافية إلى المسار الصحيح والطريق العادل. هذه طريقة مباشرة وسريعة وفريدة من نوعها تدفع المريض لعلاج نفسه بنفسه، وهي وسيلة لإعادة التجارب ذات نتائج ممتعة آنيًا في دماغ المريض، ولكن بقلب النتائج الممتعة إلى مؤذية جسديًا ومُثبطة لتكرار التصرف السيئ.

قواعد اللعبة تنص على أن لا يتدخل صانع اللعبة في التجربة، يجب على الضحية أن يخوضها وحده، أو مع ضحايا آخرين (كعلاج جماعي). وإلا لن يأخذ اللاعب الدرس والمغزى من اللعبة. وعندما تفشل الضحية من الفوز في اللعبة وتحقيق المراد، يعلم جيگسو عنده أن هذا الشخص لا يمكنه العيش داخل المجتمع، فهو مريض من جيناته لا يمكن تغيير حاله، وهو سرطان الحضارة، فيقصي عليه جيگسو أو بالأحرى يرغمهم على إقصاء أنفسهم حتى لا يشكلون عبئًا على الآخرين في الحياة.

هذا العلاج قاس قليلاً إن أخذت رأيي، حيث يخرج بعض ضحايا الفائزين مبتوري اليد أو الرجِل أو فاقدي أحد أعضاء الجسد. مما يؤثر في نسبة شفائهم نفسيًّا من الانحرافات الأخلاقية السابقة. لكن من أنا لأقول ذلك، فهناك أشخاص فاقدي الرجِل لم يتعلموا من التجربة فقط، بل أصبحوا مساعدًا عند جيگسو نفسه (قضية دكتور لورنس غوردن على سبيل المثال إن رأيت الجزء الأول والرابع).

أما بعض الناجين الآخرين، فبحثوا عن الانتقام منه، واعتبرَ جيگسو هؤلاء جيدين في اللعبة لكن سيئين في فهم المغزى وتلقي العلاج. تنتهي حياتهم عادةً بشكل أليم، والعلة من إقصاء هؤلاء أيضًا هي عدم قدرة عقلهم على التعلم والخروج من الشر، فهم مولودون أشرارًا ولا يُعلمهم أي درس من دروس الحياة شيئًا جيدًا.

وفي بعض الأحيان يضع جيگسو أهدافه بموقف العين بالعين والسن وبالسن، حيث يغير أدوارهم ليشعروا بما شعر به الآخرون الذين أذوهم. وهذه الوصفة العلاجية القديمة تكون فعالة عند بعض المرضى ليتسنى لهم التعاطف مع الآخرين والتوقف عن التحرش بهم.

ومن الواضح أن جيگسو لا يُعلم الناس الأخلاق فقط، بل يساعدهم في التخلص من أمراضهم النفسية كالإدمان والهوس والتنمر، وإلى غيره من المكروهات عن طريق إعطاء علاجات أليمة للغاية لهم. لكنه على عكس ما ينصح به علماء النفس، لا يعالجهم بالتحدث أو بتقديم الآلام النفسية من الشعور بالذنب أو العار. يمكنك القول بأن جيگسو هو تابع لمذهب الطبيعي، لا يؤمن بقوة الآلام النفسية والفؤادية بل بالآلام الحقيقية الجارحة للجلود والكاسرة للعظام، هي الوحيدة التي تعلمك دروسًا لا تنسى في الحياة.

بالنسبة لي، يعتبر جيگسو واحدًا من الأبطال الخارقين الذين يحاولون تحقيق العدالة، مثله مثل باتمان أو آيرون مان أو هولك بدلاً من أن يكون شريرًا خارقًا كالجوكر.

مواقف الحياة الاليمة دائمًا ما علمتنا شيئًا عن ماهية الحياة وكيفية العيش فيها، خرجنا من تلك التجارب الشخصية القاسية متغيرين عن سابقتنا وحاملين معنا رسالة حذر من تكرار الأخطاء الماضية التي نجونا من عواقبها. هذه اللحظات الغنية بالعِبر والمعاني تأتي عادةً عشوائية للناس، لكن ماذا لو ألقينا أنفسنا نحو تلك التجارب الأليمة، أو ماذا لو صمم أحدهم لعبة لنا ليعلمنا درسًا مهمًا في الحياة، هذه هي الفكرة من أفلام Saw.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد