الدكتور عبد الوهاب المسيري، هو مفكر وفيلسوف وعالم اجتماع مصري، وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، كان له تجربة عجيبة مع الإلحاد، والرجل ورث الإسلام عن أبويه كجل المسلمين، لكنه لما بلغ السعي ألحد، آمن بالمادية واعتنق العدمية، وأنا أعني آمن واعتنق بكل ما تعنيه الكلمتان من معنى، فهو لم يلحد إلحاد الموضة الذي نجده في يومنا هذا، والذي كان أيضًا منتشرًا فترة رواج الفكر الاشتراكي الذي صاحب أبهى عصور الاتحاد السوفيتي.

كانت جدلية أن الله الرحيم ما كان ينبغي أن يسمح بالشر، فما دام الرب قادرًا على كل شيء وهو خالق كل شيء، فالأولى أن يمنع الشر تمامًا، هذه الجدلية دعته إلى الإلحاد دعًا، فأين الرحمة من طفل مصاب بلوكيميا الدم، أو تسونامي يقضي على الآلاف من البشر، أو تلك الغابات التي تحترق فلا تبقي النار ولا تذر، وفي هؤلاء الحكام القابضين على رقاب العباد والبلاد، وغيرها من مشاهد الشر التي تلف هذا الكوكب، والتي لم يجد لها صاحبنا أي تفسيرات في نفسه أو فيمن حوله من بسطاء الفكر.

العشق والإلحاد

لا أريد أن اطيل عليكم، آمن الرجل بالمادة وأخذ يفسر كل شيء حوله ضمن هذا الإطار، وهو على قناعة تامة بأن الإنسان عبارة عن مادة فقط، وكان يضع أجوبة لجميع الأسئلة التي تدور في ذهنه ضمن الدائرة المادية التي يتبناها، وكان هذا كله حتى «أحب».

فلما أحب وساقه الحب للزواج بالتي يحبها، ولما وجد هذه السعادة وهذا الرضا الذي يكسوه وهو في صحبة محبوبته، وهي كانت شيوعية بالمناسبة، لم يجد تفسيرًا ماديًّا لهذا الحب، لم يجد تفسيرًا لهذا الإيثار، كيف يصبح ما هو ملكي وعزيز على نفسي رخيصًا جدًّا إذا ما كان يرضيها ويسعدها، كيف يصبح للوقت مقياس مختلف عندما تكون مع من تحب.

حاول بداية أن يربط هذا ببعض الإنزيمات والهرمونات، حاول أن يربطه بتغيرات في الدورة الدموية أو ما شابه، لكنه لم يكذب على نفسه، ونجح الحب في أن يحدث شرخًا في عقيدته، ولكن أخيرًا وللأسف، هو لم يستسلم لهذا وظل ملحدًا.

الأُمومة والإلحاد

لم تتركه الأقدار مرتاح البال، فقد رزقه الله وزوجته بطفل، وهنا يطرق الحب بابه مرة أخرى، يسأله عن تفسيرات هذا الاهتمام والعشق لهذا الكائن الجديد، كيف ضحت زوجته برسالة الدكتوراه من أجل أن ترضع طفلها، كيف تضحي الأم بصحتها ووقتها وكل حياتها من أجل هذا الدخيل على حياتها، ما هو المقابل المادي لكل هذا؟

هنا يقف عبد الوهاب المسيري وقفة صادقة مع نفسه، وهو الرجل الذي يجيد التأمل والأسئلة، ليصارح نفسه، ليجيب على نفسه، ليس وراء هذا الحب غدة تسمى غدة الحب، هناك شيء أكبر من هذا، ليسلم في نهاية الأمر لحقيقة أن الإنسان ليس مادة فقط، ولم يكن يومًا كذلك، بل هو مزيج من المادة والروح، وأن هذه الازدواجية هي الطرح الوحيد الذي يجيب عن كل الأسئلة، وهي التي تفسر الحب والأخلاق والفن وكل ما هو ميتافيزيقي.

السؤال عن الحب

إذا نظر الإنسان نظرة فلسفية تأملية إلى كل ما حوله، لو تأمل، وهو لن يكون إنسانًا إلا إذا تأمل، وأجدر به أن يتأمل باكرًا، ليس بعد أن يهن العظم فلا يقوى على حمله، ويشتعل الرأس شيبًا فيكشف اقتراب أجله، لو أننا تعلمنا التأمل في المدارس والجامعات، لوجدنا الحب في كل تفاصيل الأقدار، ولوجدنا الله المحب عندها، ولم يكن هناك داع لكل هذا القتل والفساد، ولم يكن هناك داع لإخراج الناس من ديارهم وتضييق العيش عليهم، ولم يكن هناك داع لهذا الكبر والزهو الذي يشعر به الإنسان.

التأمل يُخرج الإنسان من ضيق القبول بالواقع الذي وجد عليه، إلى براح الأسئلة الوجودية الكبرى، من أين جئنا؟ ولم جئنا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ ولا أستوعب أن إنسانًا يقبل أن يعيش هذه الحياة دون أن يجد إجابة عن هذه الأسئلة العظيمة.

إن الملحد الذي يكتب أجوبة لهذه الأسئلة، ولو كانت غير منطقية، ولو كان خطه في الكتابة سيئًا، أجدر بالاحترام من هذا الذي لم يخطر بباله أن يفكر فيها، ولو كان يعتنق أي دين كان، يعيش الحياة سبهللًا، لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل، أينما توجهه لا يأتي بخير.

الخاتمة

ليس هناك أمل لهذه البشرية دون منهجية مبنية على الحب، منهجية لا يكون أول ما يخطر ببالها هو التخلص من الأعداء، وإنما تستنفد كل السبل الممكنة لجعل هذا العدو وليًّا حميمًا، ولا يكون هذا إلا بالحب الصادق والتواضع والقلب السليم، ولا يعلو إنسان على إنسان إلا بسلامة قلبه، «يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»، أما عن هذا الشر المدقع الذي يسكن ديارنا، فما الفائدة من وجودنا إن لم نغيره بأيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد