من الأسباب التي تجعلنا نختار الشريك المناسب هي ألا نكون على عجلة من أمرنا عند اختياره، فلا تدفعنا علاقة لم يُكتَب لها النجاح، ولا إلحاح الأهل المتواصل «ليفرحوا بنا» كما يقولون، ولا تأخر لسن زواج مزعوم يروج له الناس إلى أن نُسَلِّم لأول طارق؛ فنحن من سنشقى وليس الحبيب الذي نود التخلص من ذكراه، ولا الوالدين اللذان تخلصنا من إلحاحهما، ولا المجتمع الغبي الذي هربنا من نظراته.

السن المناسب للزواج هو الوقت الذي تعثر فيه على الشريك المناسب وهو الوقت الذي تصبح فيه أنت أيضا شريكًا مناسبًا، وإن رجلاً أو فتاة يتعجلان الزواج فهما قطعًا ليسا مناسبين للزواج، فلم العجلة؟

قام أحد الخبراء في العلاقات بدعوة المتابعين لمدونته بكتابة أهم أسباب الزواج السعيد، واشترط أن يجيب عن أسئلته من تزوجوا منذ أكثر من عشر سنوات وأن يكون زواجهم سعيدًا، وبعد أن أرسل أكثر من 1500 زوج أسبابهم، وضع قائمة بهذه الأسباب، فكان أن جاء على رأسها أن ما يجعل الزواج سعيدًا هو أن يتزوج الناس للأسباب الصحيحة، وكم من أسباب تدفعنا للزواج هي في حقيقة الأمر لا علاقة لها بالشخص الذي نختاره بقدر ما لها علاقة بحاجتنا إلى منقذ.

الوقوع من فوق مائدة الحظ

في إحدى حلقات الرعب من سلسلة ما وراء الطبيعة الشهيرة التي يكتبها د. أحمد خالد توفيق توضح فتاة لم تزوجت فتقول:

«إن البنات لا يقلقن من تأخر زواجهن بسبب حاجة فسيولوجية معينة أو خوفهن من العنوسة أو شوقهن للأمومة، أعتقد أنهن يقلقن لسبب واحد يا د. رفعت هو رؤيتهن لصديقاتهن يتزوجن الواحدة تلو الأخرى  ..

هل تعرف ذلك الشعور الممض؟ لحظة استلام بطاقتك من السجل المدني أو استعادة كراستك فى المدرسة الابتدائية؟ الصوت ينادي واحدة تلو الأخرى، الكل يسترد أوراقه، تدريجيًا تجد نفسك واقفًا وحدك بانتظار من يناديك بدورك، ذلك القلق الرهيب والشعور بأنك سقطت سهوًا من فوق مائدة الحظ، وأن أحدًا لن يبحث عنك تحتها».

تشعر الفتاة دائمًا أنها في حلبة سباق أبدية، فتقارن بين «إنجازها» في الزواج وبين إنجاز قريناتها سواء كن صديقات أم قريبات، ويمثل هذا ضغطًا مستمرًا على الفتاة حتى تلحق بهم ولا تتأخر عنهم لا سيما لو صاحب هذا الضغط ضغط أكبر من الأهل مع إلحاحهم المستمر وتساؤلهم عن سبب تأخر زواجها بينما تزوج كل من في عمرها وعدم مللهم من تكرار عبارة «أصلنا عايزين نفرح بيكي»، لهذا توافق على أول منقذ يجعلها تَتَصَدَّر السباق من جديد لتُنافس بقوة.

يتبدد هذا الوهم بسهولة عندما تعرف الفتاة أن هذه الحلبة وهمية ولا مكان لها إلا في عقلها وعقل أهلها، وأن المقارنات التي تعقدها لا معنى لها أصلا لأن لكل إنسان طريقه الخاص في هذه الحياة، سواء في الزواج أو العمل أو أي حلبة مُتَوَهَّمة أخرى، تختلف منعطفات هذا الطريق ومحاوره وعقباته عن طريق أي إنسان آخر، لهذا فإن من العبث بمكان أن تقارن طريقك بطريق أي إنسان. وبما أن لكل منا طريقه الخاص فلكل منا إيقاعه الخاص، قد يُسرِع في أوقات ويبطئ في أوقات أخرى اعتمادًا على ما يواجهه على الطريق، ليصبح لكل منا ساعته الخاصة المضبوطة على توقيته الخاص، فكونك ترى نفسك متأخرًا عن أحدهم فأنت مخطئ، كل ما هنالك أن توقيتك الخاص لخطوة معينة لم يحن بعد بينما حان وفقًا لتوقيت صديقك المغاير.

الأمر أشبه بمن يريد أن يصلي العصر لأن العصر أُذِّن له في بلد مجاورة، وهو لا يطيق صبرًا أن ينتظر حتى يحين وقته في بلده، متعجل يود أن يتبع البلد المجاورة لأنها «تَسبِق» بلده في التوقيت، أي سذاجة وأي عبث؟

لا معنى للمقارنة أبدًا لأن لكل بلد دوائرالعرض وخطوط الطول التي تحدد مكانها وتجعلها مغايرة في ظروفها عن أي بلد آخر، فأنت بإصرارك على تعجل الصلاة تُناطح البديهيات وحقائق الأمور.

علاقة الضمادات

أعرف أمًا أرغمت ابنتها على مقابلة أحدهم عقب انتهاء علاقتها مباشرة بفتىً أحبته، كانت عيون الفتاة متورمة من البكاء، توسلت لأمها أنها لا تقوى على الذهاب وأنها ليست في حالٍ تسمح لها بمقابلة أحد، إلا أن توسلاتها ضاعت هباء أمام إصرار أمها على الذهاب، لا أدرى ما هي الدواعي المنطقية التي يمكن أن تدعو أما لهذا التصرف الذي يفتقر إلى أدنى درجات الإحساس بالابنة، هل توقعت أن تنسى ابنتها الفتى وتجربتها معه بمجرد مقابلة فتى آخر وأن تتهلل أساريرها طيلة المقابلة لتعلن في نهايتها أنها موافقة على الزواج منه؟

البعض الآخر لا يحتاج لأم أو أب يرغمونه على الدخول بعلاقة لينسى علاقته السابقة، بل يسعى لذلك بنفسه سواء كان واعيًا لهذه الخطوة أم لا، فالهشاشة النفسية التي يكون عليها تدفعه للارتباط بأي إنسان يملأ الفراغ الذي خلفته العلاقة السابقة تحت شعار خير طريقة لتنسى حبًا هي حب آخر. وهكذا يستعمل الطرف الآخر ضمادة لتضميد جراح العلاقة السابقة دون أن يعطي نفسه الفرصة ليبرأ من هذه الجراح، يهرب من الألم بالبحث السريع عن ضمادة، وعندما يحقق الشريك الضمادة هذا الهدف سيمله وربما يسعى للتخلص منه لأنه لم يختره لما هو عليه، بل فقط لينقذه من مشكلته الخاصة.

يتبدد وهم الحاجة إلى ضمادات عندما ندرك أن الألم هو أُولَى الخطوات للشفاء، وأن علاقاتنا الفاشلة ليست دنسًا لنسعى للتخلص منها، بل هي محاولات لم يُكتَب لها النجاح لأسباب ذات اعتبار، وأن علاقاتنا غير الناجحة ستوصم بالفشل في حالة واحدة فقط: إذا لم نتبين هذه الأسباب ونعدها دروسا نستفيد منها، فالدروس القاسية لن تكف عن الحدوث إلا إذا تعلمنا منها، لهذا وقبل الدخول في علاقة حقيقية لاحقة يجب أن نبرأ تمامًا سواء طالت المدة أو قصرت، فما دخل عسيرا خرج عسيرا، والتخلية تأتي دائما قبل التحلية، وبإعطاء أنفسنا الوقت الكافي لنتأمل ما فات ولنستخلص منه العبرة، نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا في الشفاء ، لنصبح على استعداد حقيقى لنبدأ علاقة جديدة.

في أحد الأفلام عندما ظنت البطلة أن البطل لا يحبها وأنه فقط يحتاج لصحبة بعد أن طلق زوجته حديثًا، رفضت أن تُكمل معه لأنها لا تقبل أن تكون مجرد مصدر إلهاء عن حزنه أو تسرية له، وإذا كنا لا نقبل أن نكون مجرد ضمادة لأحد يرميها عند الاستغناء عنها، فمن كرم الأخلاق ألا نقبل على أحد أن يلعب دورًا مشابهًا في حياتنا.

الهروب من الوحدة

أسرع الذين يعترفون بالحب هم أسرعهم خروجًا منه، فما دخل يسيرًا خرج يسيرًا، هذا إن سلمنا أن ما اعترفوا به لأنفسهم كان حُبًا في المقام الأول.

إن الحواجز التي تبدأ بالتساقط حين نبدأ بالاقتراب من أحدهم ومشاركته تفاصيل يومنا ومشاكلنا بعد فترة طويلة من الوحدة قد توهمنا أنه الشخص المناسب، هذه الحالة أسماها الكاتب إريك فروم: «معجزة الاقتراب المفاجئ – The miracle of sudden intimacy»، وهكذا تكون هذه المشاعر التي ولدها الاقتراب المفاجئ انعكاسًا لمدى الوحدة التي يعاني منها كلا الطرفين وليست نابعة عن معرفة صادقة لبعضهما البعض، تلك المعرفة التي تولد حبًا حقيقيًا.

ولكن كيف لنا أن نتجنب تشويش هذا الاقتراب المفاجئ على مشاعرنا واقتناعنا بالآخر؟

يرى آلان دي بوتون أن كونك راضيًا عن حياتك وأنت لم تزل وحيدًا هو شرط أساسي لتضمن علاقة مُرضِية فيما بعد، فعندما يستقر في نفوسنا أن فترة عدم الارتباط هي فرصة لاكتشاف النفس وفرصة لننمو على المستوى الفكري والعملي بل وأنها لا تقل أهمية عن الارتباط بالشخص المناسب، سنتمكن من إقناع أنفسنا بأنه لا بأس إذا طالت مرحلة عدم الارتباط، وحتى نعثر على الشخص المناسب فإن حياتنا مستمرة، بل وفي نمو، لأننا مشغولون ببناء حياتنا، وإذا وجدنا الشخص المناسب فنحن نتزوج لنشارك حياتنا التي بنيناها معه وليس بحثًا عن حياة يُهديها لنا.

لذلك كوننا لسنا في حاجة لأحد لإنقاذنا من وحدتنا يجعلنا نقرر مدى مناسبة أي شخص قد نتوسم فيه خيرًا بموضوعية وبناء على ما يَظهر لنا من صفاته وقيمه، متحررين من أي ضغط قد يشوش على قرارنا، وهذا يعطينا فرصة أكبر لنختار اختيارًا صحيحًا، ولن تلهينا حاجتنا الماسة للتخلص من وحدتنا لأن تلك الحاجة لن تكون موجودة أصلا.

في أحد الأفلام وعلى الرغم من أن البطل كان غارقًا حتى أذنيه في حب البطلة إلا أنه عند اعترافه لها بالحب أوضح لها أن بإمكانه أن يُكمل حياته بدونها إلا أنه اختار ألا يفعل لأنها تعني له الكثير، قد يتصور البعض أن هذا الاعتراف يفتقر إلى اللياقة والرومانسية التي زرعتها الأفلام في عقولنا عن الحبيب الذي لا نقدر على العيش بدونه، إلا أن للوقوع للحب تعريفات أخرى غير تلك التي ربينا عليها.

لنعرف دوافعنا

رأينا مما سبق أن الدوافع الخفية التي تسيطر علينا عند الاختيار سواء انتبهنا لها أم لم ننتبه قد تكلفنا حياة صعبة مع شريك  اخترناه بناء على مشاكل عندنا فما كان منها إلا أن أثرت على قدرتنا على الاختيار الصحيح.

لتجنب ذلك يجب أن نكون على وعي كامل بالدافع الذي يُحركنا عند الاختيار، هل نحتاج إلى منقذ من وحدة، من تجربة أليمة، من إلحاح الأهل؟ يتطلب هذا صدقًا مع النفس قبل كل شيء لأنه ليس هناك من يمكنه خداعنا أفضل من أنفسنا، وبعد هذا لنبحث عن طريقة لنتخلص من أي شيء يحول دون أن نرى الأمور على ما هي حقًا عليه، وحتى نتخلص من هذه الأوهام لن نستطيع أن نعرف إذا كان اختيارنا للآخر حقيقيًا أم أننا اخترناه أثناء رحلة بحثنا الدائم عن سراب المنقذ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد