عبدالله المشعان

120

عبدالله المشعان

120

«شكرًا لا أستسيغ طعم السوشي ولا أفضله»، نعم هذا كان ردي عندما قدم لي دعوة أحد الزملاء فأنا لا أجامل بما أتناول ولن أجبر نفسي على أن آكل ما لا يطيب لي، عفوًا لمحبي هذه الأصناف من المأكولات ولكنها لا تعجبني ولا يسيل لها لعابي، ولاختلاف الأذواق فائدة كما اختلاف الآراء، فلا أتقبل مثلًا محارًا مشويًا مع أحشاء سلطعون نيء وطحالب البحر نهائيًّا، كيف لي أن أترك الأكلات الشعبية والأطباق المحلية منها والعربية، وباقي المطاعم العالمية الشهية من المشويات الشامية والمخبوزات الفرنسية والبيتزا الإيطالية والبورجرات الأمريكية، حتى رائحة ومذاق التوابل في المأكولات الهندية، وأتجه إلى المطاعم الشرق آسيوية التي لا أعرف ما يقدم منها، وبها أكلات غريبة تقدم من حشائش البحر وأحشاء الكائنات البحرية وغيرها… لا يقدم عليها ولا يتقبلها سوى القطط على ضفاف الشاطئ تنتظر البحارة وهم قادمون بما لذ وطاب من الأسماك، فيقوم هؤلاء البحارة بفرز هذه الحشائش والكائنات البحرية العالقة في شباكهم ورميها لتتقدم لها هذه القطط لأكلها، فلا أنا من محبي ما يرمى ولا أتصور نفسي قط.

وهذا ما يحصل بالساحة الإعلامية أو السوشيال ميديا بالتحديد، الأغلب يترك الأكل الطيب المفيد ويتجه إلى البيد من الطعام وغير المفيد فقط لأنه غريب، فأصبح ما يقدم من صفاقة قمة التقدم والقوة والتميز، ويعتبرونه من الآراء الجريئة التي يجب أن تحترم وهو بنفسه غير محترم ببذائته وانحطاطه شتائمه وسبابه، حيث يترك أصل الفكرة ومناقشتها وإبداء وجهة نظره بها، ويتجه لمن طرحها ويورد له قائمة من الاتهامات المتناقضة بما لا يلذ للقارئ ولا يطيب لكل مراقب، ثم يختمها بكمية هائلة من الشتائم المشكّله، البعض يعتقد أن هذه هي القمة وأصل الجودة لأنهم أُصيبوا في ذائقتهم ولقمتهم، ولم يعدوا يفرقون بين القمة والغمة.

لم يتصور كائن من كان أن تنزلق وسائل التواصل الاجتماعي هذا المنزلق، وتقع في هذا المنحدر الخطير لتصل إلى هذا الحال العديم، لقد أصبح الإعلام الحديث سيركًا فيه الكثير من البهلوانيين؛ المهرجين ولاعبي الخفة وأيضًا من المشعوذين الذين يتلاعبون بالجمهور ويستخفون بعقولهم ويوهمونهم بما هو ليس معقولًا، ويقلبون الحقائق ويخرجون كل ما هو غير صائب ومن غير اللائق أمامهم ليصدقوهم، بل أصبحت تحليلات البعض منهم أقرب لضرب الخيال من التحليل، وكأنه يعلم الغيب مما حدث وما سيحدث متجاهل العقل مجير المعطيات لصالح كذبته ولمصالح فكرته، مستبعدًا المنطق غير آبه لمن يتابعه، وما زاد الطين بلة هو انغماس البعض من كنا نعتبرهم من المثقفين والكتاب والإعلاميين المعتبرين في هذا المستنقع، البعض منهم مرغم على أداء هذا الدور في هذا السيرك الكبير، وبيد المدرب سوط يضرب به من لا يتقن أداءه، فهو أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن يقدم العرض المطلوب منه وبكل احترافية ليحظى بوجبته، أو أن يتلقى الضرب ويحرم من لقاء الجمهور ليترك وحيدًا في القفص الحديدي.

‫ما أقسى شعور المثقف عندما يعبر عن رأي ليس من آرائه وبعيد عن معتقداته، فيتحول من منارة لرشد والإرشاد إلى مطبل رخيص، هناك الكثير من المطبلين ولكن يطبلون بلا وعي، ولكن عندما يطبل الواعي فهو يعزف مقطوعة موسيقية مفروضة عليه دون أن يكون مستمتعًا بها ولا يترنم على أنغامها، عازف تحت الطلب لثلة من السكارى في أحد المواخير، تخيل أن فنانًا يعزف مقطوعات لبيتهوفن وموزارت، فإذا به يطلب منه أغانٍ هابطة هذا بالضبط شعور المثقف.

 جوقة من منشدي البذائة يعيدون مقاطع يشيد بها صوت نشاز أصبحوا آلات تعزف في سيمفونية السفالة؛ وأوركسترا الدنائة يقودها أو بالأحرى يوقدها أحد الجهلة، والذي عندما تهدأ العاصفة وتضع «الحرب الإعلامية» أوزارها وتطفئ نارها أول من يغيب عن المشهد بل أول من يضحى به، لأنه ينقلب دوره من وقود لنيران إلى حاوية قاذورات كبرى يرمى فيها كل من بهت وكذب افترى وشتم وتشمت، وإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك