يعلمُ الجميعُ أنَّ عقوبةَ المرتد هي القتلإنْ كان مُستوفيًا لشروط الردة – بحيث كان عاقلًا بالغًا مختارًا – قال الله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

أولًا: أدلة حـدّ الردَّة

1 – قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بدَّلَ دينَهُ فاقتُلوهُ. رواه البخاري.

2 – قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ; يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ”.

3 – وفي الصحيحين قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ اليمنَ على أَبِي مُوسَى الأشعري، فأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ: انْزِلْ. وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: اجْلِسْ. قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.

ثانيًا: علةُ التشديد في هذا الحكم

1 – إن هذه العقوبة تحذيرٌ لمن يُريدُ الدخولَ في الإسلام مُداهنة أو نفاقًا، وباعثٌ له على التثبت في الأمر، فلا يُسلمْ إلا على بصيرةٍ وصدق، لأنه يعلمُ أنَّ من ارتَدَّ سيُقتل.

2 – من دخل في جماعة المسلمين مُطالبٌ بالولاء التام لها، والبُعد عن أي سلوكٍ يؤدي إلى فتنتها وانقسامها، والردة عن الإسلام خَرقٌ لهذا الولاء، بل هي – بصدقٍ – تغييرُ الولاء وتبديلُ الانتماء، ولهذا فهي تُعد من أعمال الخيانة العظمى التي تُجمع كلُّ القوانين المعاصرة على إعدام مرتكبيها. والمجتمعُ المسلمُ يقومُ أوَّلَ ما يقومُ على العقيدة والإيمان؛ فهي أساسُ هُوِيَّتِه، ومِحْوَرُ حياتِه، ورُوحُ وُجُودِه؛ ولهذا لا يُسْمَحُ لأحدٍ أن يَنالَ من هذا الأساس، أو يَمَسَّ هذه الهُوِيَّة.

3 – قد يرى العوام من المسلمين أن المرتد ما ترك الإسلام إلا عن معرفةٍ بحقيقته وتفصيلاته، ولو كان الاسلامُ حقًا لما تحوَّل عنه الدكتور فلان، ولم تنصَّر الكاتبُ الصحافي فلان، وهذا أسلوبٌ قديم: وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

4 – عقوبةُ القتل موجودة في قوانين البشر المعاصرة، حمايةً للنظام العام من الاختلال، ومنعًا للمجتمع من الانسياق في بعض الجرائم التي تفتك به، كالمخدرات وغيرها، فإذا وُجد هذا لحماية قوانين البشر فدينُ الله أوْلَى وأحْرَى بأن يُعاقب من يعتدي عليه، ويطمسُ نورَه، ويَختلقُ الأكاذيبَ نحوه لتسويغ ردَّتَه وانتكاسَه.

أخيرًا: تطبيقات حـدِّ الردة في الكنيسة الغربية

لقد استحلتِ الكنيسةُ قتلَ الناس لمجرد اختلاف المذهب، (وليس اختلاف الدين) وقامت الحروب الدينية في القرن السادس عشر والسابع عشر مع ظهور مذهب البروتستانت، الذي اعتبرته كنيسة روما الكاثوليكية كفرًا وهرطقة.. وإليك بعض أدلة:

أ – في عام 1538 أعلن البابا بولس الثالث حربًا صليبية ضد إنجلترا المرتدة (لأنها غيرتِ المذهبَ فقط) وأعلن أن كلَّ الإنجليز رقيقٌ، وعبيدٌ، مِلكٌ للكنيسة والسبب كما قلنا ترك مذهب الكنيسة!

ب – في عام 1568 أمرت محاكمُ التفتيش الإسبانية الكاثوليكية بإبادة 3 ملايين من الهولنديين وكانت هولندا تحت الحكم الاسباني، وبالفعل تم قتل الآلاف من البروتستانت، بتشجيعٍ من الكنيسة، بسبب اختلاف المذهب.

ج – مذبحة سان بارتيليمي في فرنسا عام 1572، حيثُ ذُبح 30 ألف بروتستانتي على يد السلطات الكاثوليكية والمتعصبين من الكاثوليك، حيث كان الهدف منها القضاء على البروتستانت تمامًا، وذلك بأوامر من الملك شارل التاسع ووالدته كاترين دي ميديشي خوفًا من سطوة وانتشار البروتستانتية، ولقد كانت الكنيسة الكاثوليكية متواطئة ومشاركة في المجزرة، ففي يوم 24 أغسطس دقت أجراس الكنائس إشارة للجنود والمتطوعين من الأهالي الكاثوليك المتحمسين بالبدء في الفتك بالبروتستانت، فشعر البروتستانت بالخطر وهرب بعضهم خارج المدينة، و لجأ البعض لدى أقاربهم، ولكن لم يستطيعوا الهرب والنجاة، ودُوهموا في بيوتهم، وقُتلوا بكافة أعمارهم. حيث بلغت أعداد الضحايا ثلاثين ألفًا، ومنهم من يصل بها إلى 60 ألفًا، لا لشيء سوى اختلاف المذهب الديني.

د – في القرن السابع عشر نهب الكاثوليك مدينة ماغديبورغ بألمانيا وقتلوا 30 ألف بروتستانتي تقريبًا. وقد ذكر الشاعر فريدريش شيلر أنه في كنيسةٍ واحدة تم العثور على 50 امرأة مفصولة الرأس، بينما أطفالهن ما زالوا يرضعون منهن.

هــ – في القرن السابع عشر قامت حرب بين الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا، تحت إشراف الكنيسة، واستمرت 30 عامًا وقتل خلالها 40% من السكان.

طبعًا كلّ جرائم القتل التي قامت بها الكنيسة ضد المسيحيين الذين خالفوها في بعض الأحكام يجهلُها مثقفونا، ولا يقرأون عنها، ولكن يتكلمون فقط عن حدّ الردة في الإســلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد