(1)

دين الإسلام على ما فيه من كمال، ليس فيه ما نستحي منه، ولا في تاريخه خبؤة نتستّرعليها، ولا يشوب كماله سوأة نخفيها خيفة الشماتة، إنّه الدين الحق الإلهي الكامل، المنزّل من ربّ العباد، فلا يشوب صنعته شائبة، ولا يتخللها نقص، فهى أرقى من خانة الشبهات المرتدة من نقص عقول الأنام.

الجهاد القتالي وإن لم يكن من أركان الدين، فهو فرضٌ لتأمين الدعوة وحماية الدعاة، وميادينه كثيرة شاملة، وجمّة في الحياة، وكلٌّ على قدر استطاعته يجاهد، فكلنا في جهاد، وكلنا في رباط ما ألتزمنا درب ربّ العباد. الجهاد منه نوعان: جهاد الدفع؛ أي التأمين ودفع العدوان، وجهاد الطلب؛ وهذا الآخير ما تكسّرت عليه النصال، وتبودلت الشبهات.

وجب على الرسول والصحابة معه ومن بعده نشر الدين في ربوع الأرض، وتبليغ الإسلام، وتوصيل رسالته وإتمامها في ميادين الكفر المستفحل، وعبادة الأصنام، وسيادة ألوهية العباد للعباد. ومن الطبيعي أنّ إرسال الدعاة للبلاد لتفهيم الناس مبادئ الإسلام ودعوتهم للإيمان به، إنّما رُدّ بالعنف ودعوات القتال، فهنا يأتي دور الجهاد القتالي لتأمين الدعاة، ونشر الدعوة في البلاد، وليس بالإكراه، فحينما تدخل جيوش الإسلام البلاد فلا عدوان إلا على كل عادٍ، فكانت الجيوش تقابل الجيوش والحكام فقط. ويُخَيّر الأفراد العاديون ما بين دخول الإسلام أو البقاء على ملّتهم. وإنّ تعذّر هنا سرد تفاصيل الأحداث، فما يأتي هو نتفٌ من أحداث الفتوحات، وما سيق من شبهات، وما رُدّ به من حجج.

كانت الفتوحات بمثابة حروب للتحرير السياسي، فالبلاد المفتوحة لم يُفرض على أهلها الإسلام، فجدير بالسرد أن ملاحمة الشرق والغرب كانت دائمًا حاضرة، وممتدة على مجرى التاريخ، فكان في هذا الوقت الغرب بقيادة روما، وفارس في الشرق.

واستطاعت الدولة البيزنطية والإسكندر المقدوني بفتوحاته أن يحسم جزءًا كبيرًا من الصراع للغرب، وضعفت شوكة الشرق وفارس، ولم تقوَ على فتح البلاد من سيطرة الروم، وكان هنا دور الإسلام الذي ظهر في الشرق، وأقام دولته الفتيّة، أن حرّر البلاد من سيطرة الرومان، والدولة الفارسية الباغية، فساهم أهالي البلاد في إزالة هذا الاحتلال الروماني، مع المسلمين الفاتحين، فدخل الإسلام في كل البلاد بالجهاد القتالي بالشكل سابق الذكر، ألا عدوان إلا على الطغاة، ولا إكراه في الدين، فلا فُرض عسفًا على الأنام، مثل فارس وكل دول الاتحاد السوفيتي الجنوبية، والشام، وإلى آخر البلاد، وذلك باستثناء إندونيسيا وماليزيا والفلبين فقد دخلها بالتجارة.

“أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى” في تفسير “ابن حجر العسقلاني” يقول إن كلمة الناس لم يقصد بها الرسول عموم الناس، وإنّما قصد العرب الذين يعيشون في الجزيرة العربية، الذين قاتلوه في الدين، وأخرجوه من الديار، وعذّبوا المسلمين والصحابة.

وجمّ التفاسير حول هذا الحديث، وفي إحدى الروايات قيل إنّ الرسول ختم هذا الحديث بقوله: “فذكّر إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر”. فكان هذا الحديث أيضًا موضعًا لتوجيه شبهاتهم.

وبعيدًا عن التفسير آنفًا، فلنا في أخلاقة وتعاملاته مع اليهود أسوة، وخير حجة، فحتى بعد تأسيس الدولة وإقامة المعاهدة بينه وبين اليهود، فلم يقولوا إن لا إله إلا الله، ولم يقاتلهم إلا حين غدروا ونكّثوا العهود، ولمّا قتل من المسلمين 70، ومُثِّل بجثث الصحابة في غزوة أُحد، وأُثخِن المسلمون بالجراح، طلب أحد الصحابة من الرسول أن يدعو على قريش، فرفع يده للسماء وقال: “اللهم أغفر لقومي فهم لا يعلمون”.

فهكذا كانت رسالتهم، وخير ملخّص ومخلّص من السرد فيما قال “ربعيّ بن عامر” لرستم قائد الفرس في موقعة القادسية: “لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”، ولنا فيما قال “عمر بن الخطاب” لمجاهديه أسوة: “اتقوا الله في الفلاحين” وفي الفلاحين قيل إنّهم عموم الناس، المسالمين منهم وإن كانوا مشركين، فلا يقاتلوا من لا يقاتلهم.

ونرى حجّة أخرى وأسوة حسنة في قول أبي بكر الصدّيق لمّا خرّج الجيش بقيادة أسامة بن زيد، وهي أول معركة عسكرية بعد الرسول: “لا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تغدروا، ولا تعقروا نخلة، ولا تحرقوا شجرة، ولا تقتلوا بهيمة إلا لمأكلة”. فالخلفاء الثلاثة الأُوَل لم يخالفوا درب الرسول، فلم يرفعوا سيفًا لتغيير الديانات، فمثلاً أخذ الرسول من المجوس في العراق الجزية، وتركهم على دينهم وعبادة النار، وفعل الصحابة المثل مع مجوس قرية “هجر” في البحرين، وتركوهم على مللهم.

(2)

باقتضابٍ واختصارٍ شديدين، من مواضع الشبهات أيضًا حروب الرِّدة، وما قيل إنّه تم فيها رفع السنان لفرض الإسلام عسفًا. بويع أبو بكر حاكمًا، وجاءته الأنباء أن القبائل العربية سادت فيها الردة، وجاء وفود من القبائل العربية للمدينة، يفاوضون على أنهم باقون على الإسلام يحجون ويصومون ويصلون ويشهدون الشهادتين، ولكن الزكاة لن يدفعوها للحاكم ولن ترسل لخزانة الدولة، وإنما يتم تصريفها في خيامهم، وذلك جاء من عرب الجزيرة، أن ارتدوا واستفحل أمرهم بعد وفاة الرسول، ولم يبقَ للدولة الإسلامية إلا المدينة ومكة والطائف وقرية “هجر” في البحرين. فيقول النويري رحمه الله: “لما قُبض الرسول، ارتدت العرب كلها إلا قريشًا وثقيفًا، وأتت وفود العرب إلى أبي بكر مرتدين يقرون بالصلاة ويمنعون الزكاة”.

ورفض الخليفة الإذعان لما راج من طلبات ومفاوضات بينهم، فكانت رؤيته المستقبلية، أن التوحد السياسي والتوحد الديني وجهان لعملة واحدة، فأراد أن يحافظ على هذه الوحدة في الدولة الإسلامية، وحرصًا ألا ينتهى الإسلام منتهى باقي الدعوات التي انتشرت فترة وانطمست. فأمر بقتال المرتدين والقبائل، وجهّز الجند وأرسلهم، واعترض عمر بن الخطاب في أول الأمر فقال له أبو بكر: “والله لو منعوني عِقالاً – أي زكاة العام- كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها”. فكان وراء منع هذه القبائل للزكاة قول الله “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” فقد توفيّ من كانت صلاته لهم سكنًا، وليس بأبي بكر المثل.

وجدير بالإسهاب في هذا الموضع أن عمر بن الخطاب، سأل أبا بكر، بعد اشتداد المحنة، وحيث إن الجزيرة العربية ارتدت أغلبها وأعظمها، بمن يقاتل؟ فرد أبو بكر: “أقاتلهم وحدي، حتى تنفرد سالفتي – أي تقطع عنقي–”، وكان الرسول قبل وفاته قد جهّز جيشًا للقاء الروم، وكانت الدولة الرومانية في أوجها، على رأس هذا الجيش كان “أسامة بن زيد”.

خرّج أبو بكر الجيش وعارضه عمر بن الخطاب، وأسفر الأمر على اتباع ما كان الرسول ليفعله، وخرج الجيش للرومان في الشمال، ورأت القبائل المرتدة من الشمال وحتى الدولة الرومانية بأس هذا الجيش فعادت أغلبها للإسلام بلا قتال. وتبقى فقط شرق الجزيرة وجنوبها، حيث كان الأربعة الأبرز هم “الأسود العنسي (عبهلة)”، واستولى ومعه قبائله ومواليه على منطقة ممتدة من صنعاء إلى عمان إلى الطائف، والثاني هو “طليحة بن خويلد الأسدي”، والثالث هو مسيلمة الكذاب وتبعه 40 ألفًا وقيل مائة، والرابعة “سجاح بنت الحارث بن سويد” زحفت على أرض بني تميم وتبعها من الرجال مائة ألف.

وخرّج لهم أبو بكر 11 جيشًا، في ظل هذه الأجواء العصيبة على الدولة الإسلامية، ولهذا قيل في الرِّدة إنّها ربما ليست ردة دينية، وإنما أقرب للسياسية على وحدة الدولة فقط. يحفظ لنا التاريخ أقوالاً لهؤلاء، فالأسود العنسي لمّا أعلن عصيانه وأظهر دعوته باليمن، طلب من المسلمين، وكتب للقادة في الدولة الإسلامية أن يبقى كلٌّ على ملّته ودينه، ولكن فقط يتركوا لأهل اليمن أرضهم وأموالهم، فقال: “أيها المتوردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه”. ولمّا تحالفت سجاح بنت الحارث مع مسيلمة الكذاب وعدها بنصف أرض قريش والدولة فقال: “لنا نصف الأرض، وكان لقريش نصفها لو عدلت. وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش، فحباك به…”.
وهذه الشبهات من واجبنا أن نردّها بالحجج والحكمة من التاريخ. هكذا الإسلام يكون، أن نأخذ الأمور كاملة شاملة، لا نقتطف وننتقد، فالدين كلّ لا يتجزأ. “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد