قبل جائحة كورونا كان اعتقادنا الراسخ في الجزائر أن السياسة الصحية هي سياسة وطنية بامتياز، وأنها ستبقى كذلك، وبالتأكيد كان ينظر إلى هذه السياسة أنها غير صحية وغير فعالة، ولا يمكن الاعتماد عليها في مواجهة أي مرض، وهذا صحيح نسبيًا وفي شطر منه، لأن السياسة الصحية لم تعد قضية وطنية وشأن داخلي، فلم يفكر الكثير منا في العولمة السيئة وما يمكنها أن تزيد من هذه السياسة عللًا جديدة على عللها القديمة.

إن السياسة الصحية لها أبعاد إقليمية وهذا يتضح من تنقل المرضى إلى دول الجوار والى دول أوروبية للعلاج وحتى من تنقل المهنيين الصحيين إلى أوروبا وكندا لأسباب تخص نجاعة السياسة الصحية في تلك الدول، كما أن للسياسة الصحية اليوم بعدًا دوليًا واضحًا كشفته أول جائحة مست العالم في بداية القرن الواحد والعشرين، ومع هذا الوباء تحولت الدبلوماسية الصحية في غضون بضعة أسابيع إلى قضية دولية حقيقية أكثر تعقيدًا من العمل الإنساني.

طرحت المجموعة الإنمائية للأمم المتحدة أهداف إنمائية للألفية الثالثة، عكست جدالًا واسعًا حول شعارها «العالم الذي نريده» ومع إرفاقه بعبارة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى وهي مستقبل مستدام مع الكرامة للجميع، وهو الشعار الذي أطلقت به المجموعة خطتها التنموية لما بعد 2015، فكيف يجب علينا مواجهة تحدي صناعة سياسة صحية تقي من الأمراض وتعالج المرض متى وجد؟

إنه سؤال لا حدود للإجابة عليه من حيث الأفكار التي يمكن تطرح أو من حيث الإجراءات التي يجب أن تتخذ، والموجود اليوم هو وضعية سياسة صحية متهالكة نسبيا، وعليه فإن أية إجابة عن كيف نصنع تحديًا لمواجهة الوضع هو التفكير في آليات للإنقاذ ومن ثم مواصلة البناء، ولعلنا بحاجة إلى اعتماد آليات الحوكمة في صناعة السياسة الصحية وفي التسيير وفي ترشيد الموارد وعقلنتها.

في الأول دعونا نتفق على أن مصطلح الحوكمة مفهوم جديد غير متوافق حوله، فقد يبدو غامضًا وملتبسًا بعض الشيء، ظهر في وقت كانت فيه عولمة التبادلات التجارية والمالية تتسارع، وهو قادم من مجال تسيير المؤسسات الاقتصادية الكبرى، في مجال الصحة، يعود استخدامه حديثًا ويبنى على ثلاثة أفكار تبدو أنها قوية:

الفكرة الأولى تتمحور حول مجال المسؤولية الذي لم يعد مجال المنظمات والمؤسسات القائمة الرسمية فقط، بل تعداه إلى فواعل أخرى غير رسمية أو حتى غير مهيكلة، ولهذا فالحوكمة تجبرنا على التفكير في مجال جديد من التنظيم الجماعي، فالإجراءات التي يجب أن تؤمن التنسيق والتي على أساسها يجب تقديم التقارير، لها أبعاد مشتركة بين المنظمات والهيئات وبين مختلف المهن والتي لا يمكن اختزالها في إجراءات إخطار أعمال كل منظمة أو مهنة، ومن هنا فدور النقابات يجب أن يتطور إلى ابعد من مجرد المطالبة والاحتجاج إلى دور المقترح والمساهم.

للحوكمة أبعاد مشتركة بين المنظمات المهنية لا يمكن اختزالها إلى تلخيص إجراءات كل منظمة أو كل قطاع، تتطلب الحوكمة التفكير في التنسيق بين الجهات الفاعلة والمنظمات، التي تتمتع في ذات الوقت بالاستقلالية والترابط لضمان الحصول العادل على رعاية جيدة للسكان والمساهمة في السياسات الصحية الشاملة لعدة قطاعات، كما أن مفهوم الحوكمة يلزمنا بإعادة التفكير في التوازنات بين المركزية واللامركزية، أي إتاحة المزيد من حرية التصرف للمستشفيات والهيئات الصحية على المستوى المحلي.

الفكرة الثانية تتمحور حول إعادة التفكير في شكل العمل الجماعي، فالحوكمة ليست فقط طريقة أخرى للحديث عن الإدارة والتسيير فهي بعبارة أخرى طريقة لاتخاذ القرار من موضع السلطة لتنظيم الموارد على النحو الأمثل، فالحاجة تظهر لنا وجوب مراعاة تعقيد العمليات المتميزة بعدم اليقين، والتي تحدث على فترات طويلة، وتستند في ذلك إلى حكم المهنيين الصحيين، سواء كانوا في القطاع العام، أو في القطاع الخاص.

الفكرة الثالثة تتمحور حول أن أدوات الإدارة المعتادة لم تعد كافية لتمكين المديرين من مراعاة قراراتهم والتحسين المستمر للعمل الجماعي لضمان جودة وسلامة وكفاءة الخدمات، فمفهوم الحوكمة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الأداء والتمكين، وبناء عليه نحن مطالبون بتصميم وتنفيذ أدوات جديدة لتقييم الأداء أكثر من اتخاذ القرارات.

وعليه ومن وجهة نظر شاملة فإن الحماية والوقاية الصحية يجب أن تشمل إشراك المزيد من قطاعات لها علاقة بالصحة وهي موجودة بالفعل كهياكل، ولكن وجب تعزيزها وتقويتها ومدها بالوسائل المادية والبشرية الضرورية لأداء مهامها في إطار الحماية والوقاية، ومن بين هذه الهياكل الصحية التي تعمل ضمن قطاعات أخرى:

– ضمان المراقبة الصحية الحدودية خاصة في مكافحة الأمراض المنتشرة دوليًا

– البرامج الخاصة والمحددة بالوقاية الخاصة بفئة الشباب، والكبار، والأفراد في وضعية حرجة.

– تعزيز وتطوير الصحة في الأوساط المدرسية والجامعية وطب العمل وفي بيئة السجون.

– البرامج الخاصة بمكافحة المخدرات، والتبغ، والتدخين، والكحول.

– البرامج الخاصة بمكافحة الأمراض المعدية وذات الخطورة الصحية.

وأخيرًا وبناء على ما سبق نستنج أن الحوكمة في القطاع الصحي وسياسته تعني:

1- التحول من طريقة ممارسة السلطة الصحية والتي تقودها وتسيطر عليها بطريقة مركزية الوزارة الوصية ممثلة في وزارة الصحة والسكان، إلى التنظيم والتفاوض مع التوجيه التفاوض.

2- إعادة تصميم هيكل الحوكمة باعتماد سلسلة من القرارات بشأن الخيارات الهيكلية التي ستؤثر على عمل النظام الصحي الجزائري بأكمله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد