حينما أعلنت الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل للآداب عام 2015 فوز سفيتلانا أليكسييفيتش، ظهرت بعض الأصوات التي تشكك في استحقاقها الجائزة –رغم أنها كانت من الأسماء التي رشحت بقوة للفوز عام 2013– فهي في النهاية صحافية –أول صحافية تنال الجائزة– وليست روائية أو شاعرة، وبررت اللجنة منحها الجائزة بأن كتابتها ذات الأصوات المتعددة، أصبحت رمزًا حيًّا لمعاناة الإنسان وشجاعته في زمننا!

ولدت سفيتلانا عام 1948 في المدينة الأوكرانية إيفانوفراكفيسك، لأم أوكرانية وأب بيلاروسي. انتقلت العائلة للعيش في بيلاروسيا بعد أن أنهى الأب الخدمة العسكرية. وقد عملت صحافية عدة سنوات قبل أن تنشر كتباها الأول «ليس للحرب وجه أنثوي» في عام 1985.

قدمت مجموعة كتب حملت اسم «أصوات اليوتوبيا»، التي رسمت فيها صورة للاتحاد السوفيتي من وجهة نظر الإنسان الفرد.

تؤرخ سفيتلانا لتاريخ الإنسان السوفيتي تأريخًا مبتكرًا؛ فهي تنقل الأحداث ليس كمؤرخ، وإنما كراوٍ فقط، فتقدم لنا في خمسة كتب كولاج لأصوات مجموعة من البشر عاشوا كوراث ما بين الحرب العالمية الثانية، وحرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان (1979- 1989)، وكارثة انفجار مفاعل تشيرنوبيل، وانهيار الاتحاد السوفيتي.

تناقش سفيتلانا مفاهيم حساسة في كل كتاب من كتبها، هدف الحرب الوطنية -الحرب العالمية الثانية- في «ليس للحرب وجه أنثوي»، النصر في «آخر الشهود، الشهيد في فتيان الزنك»، مفهوم الوطن والشعب في «زمن مستعمل».

«أنا أبحث في الحياة عن الملاحظات والفروق الدقيقة والتفاصيل. لأن اهتمامي بالحياة ليس هو الحدث بحد ذاته، أو الحرب على هذا النحو، أو تشرنوبيل، أو الانتحار. ما يهمني هو ما يحدث للإنسان، وما يحدث له في عصرنا. كيف يتصرف الإنسان ويتفاعل».

وعن اختيارها للصحافة تقول إنها كانت تبحث عن النوع الأكثر ملاءمة لرؤيتها للعالم، وكيف تنقل الكيفية التي ترى وتسمع بها الحياة، وجربت حتى توصلت للنوع الذي تتحدث فيه الأصوات البشرية عن نفسها، أناس حقيقيون يتحدثون عن أحداث حقيقية، كالحرب، وكارثة تشرنوبيل، وسقوط إمبراطورية عظيمة. تلك الأصوات تسجل معًا تاريخ البلاد، والذي هو تاريخهم المشترك، بينما تصبغ كلماتهم بقصص حياتهم الخاصة. بينما تأكد أنها لا تكتب تاريخًا جافًّا، مجرد أحداث وحقائق فقط، لكنها تتجاوز الأمر لتكتب تاريخًا من المشاعر الإنسانية.

ما الذي اعتقده الناس وفهموه وتذكروه خلال الحدث؟!

ما آمنوا به وما فقدوا ثقتهم فيه؟!

ما الآمال والمخاوف والأوهام التي عانوا منها؟!

ليس للحرب وجه أنثوي

في كتابها الأول «ليس للحرب وجه أنثوي» تتناول سفيتلانا قصص النساء المشاركات في الحرب العالمية الثانية، إذ تشير الإحصائيات إلى مشاركة أكثر من مليون امرأة في الخطوط الأمامية من الحرب، وكانت أعمارهن تتراوح ما بين الخامسة عشر والثلاثين.

يتبادر إلى ذهن القارئ أن دور النساء في الحرب اقتصر على المهن الطبية فقط، ستتفاجأ أنهن أتقن الأدوار العسكرية المختلفة، بداية من المشاة، مرورًا بقيادة الطائرات الحربية والدبابات، والجلوس خلف مدفع آلي وقناصة.

الكثيرون كتبوا عن الحروب، لكنهم كتبوا عن الرجال فقط، وما عرفناه عن الحرب عرفناه من خلال «صوت الرجل»، هنا تتيح الكاتبة أن نرى الحرب من عيون النساء، ونسمع عنها بأصواتهن الخاصة.

ما الذي يدفع النساء للذهاب إلى الجبهة؟ البعض ذهب لأنه يحب الوطن، والبعض ذهب للانتقام.

– «لماذا تذهبين إلى الحرب؟»، سألتني.
– «انتقامًا لأبي».
أوليانا أوسبيوفنا نيمزير، رقيب.

لتبدأ أصوات المعاناة فهناك الأم التي تضطر لإغراق طفلها الصغير الذي يبكي؛ حتى لا يفضح وجودهم للألمان، المجندة التي تصف شعورها الرائع حينما استطاعت أن تنام ليلة بقرطين في أذنيها، القناصة التي لا تزال تتذكر أول ضحاياها، رقيبة المدفعية المضادة للطائرات التي يفد إليها قتلاها في الحلم مع أنها لم ترهم مرة واحدة.

«كنا نموت من أجل الحياة، دون أن نعرف ما الحياة».

ستكتشف أثناء القراءة أن «النساء، ومهما كان موضوع حديثهن، حتى عن الموت نفسه، كن دومًا يتذكرن الجمال (نعم!). لقد كان الجمال بالنسبة إليهن جزءًا لا يتجزأ من وجودهن»، فتقول إحداهن: «كانت ترقد في تابوتها، جميلة كالعروس».

آخر الشهود «لحن منفرد لصوت طفل»

«لقد ضيعت زمن الطفولة، وقد سقط من حياتي، أنا إنسان بلا طفولة، وبدلاً من الطفولة لدي الحرب».

تتناول سفيتلانا في الكتاب الثاني «آخر الشهود» أحداث الحرب العالمية الثانية من خلال أعين الأطفال، فيحتوي الكتاب على روايات لأحداث أو الحدث نفسه، ولكن هذه روايات الشهود الذي كانت أعمارهم تتراوح بين الأربعة والأربعة عشر عامًا عند وقوع الحرب.

يتذكر هؤلاء الأطفال الحرب التي قامت بين ليلة وضحاها، الهروب مع من بقي من ذويهم، فقدان أحد الأبوين أو كلاهما، القتل وأصوات القنابل، وعلى عكس الكتاب الأول، الذي ذهبت فيه النساء إلى الحرب –كرهًا أو طواعية- جاءت الحرب هنا وطاردت هؤلاء الصغار.

فتأخذنا سفيتلانا في رحلة نفسية عميقة داخل ما حفرته الحرب في أذهان أولئك الأطفال، وكيف رأوا الحرب، والتفاصيل الصغيرة التي تهم عالم الأطفال وتساؤلاتهم، فيقولون:

«في نهاية الحرب ذهبت إلي محطة القطار لأبحث عن أمي. أنا الآن في الواحدة والخمسين وما زلت أريد أمي».

«كنت صغيرة جدًا لكن ترسخ في ذاكرتي أن الحرب تعني ذهاب أبي».

«لقد أحببت الأحلام في زمن الحرب، أحببت الأحلام عن الحياة في زمن السلم، وعن كيف عشنا قبل الحرب».

«لماذا أطلقوا النار على وجهها؟ أمي، كانت آية في الجمال».

«التقيت في الشارع مرة رجلاً شبيهًا بأبي فتبعته لمسافة طويلة، فأنا لم أر أبي ميتًا».

لتتركنا سفيتلانا في النهاية ونحن نسأل السؤال ذاته الذي طرحته في الصفحة الأولى، والذي طرحه دوستويفسكي:

«هل يوجد تبرير للسلام ولسعادتنا وحتى للانسجام الأبدي، إذا ما ذرفت دمعة صغيرة واحدة لطفل بريء من أجل ذلك، ومن أجل إقامة الأساس المتين؟».

فتيان الزنك «أصوات سوفيتية من حرب منسية»

وثقت سفيتلانا في الكتاب الثالث الحرب السوفيتية في أفغانستان 1979- 1989. وجمعت فيه شهادات بعض الجنود العائدين من هناك، أو شهادات بعض أمهات وزوجات جنود لقوا حتفهم هنالك، وكانت جثثهم تعود في توابيت مصنوعة من الزنك وهذا سبب تسمية الكتاب.

تنقل سفيتلانا صورًا لجنود يخوضون حرب لا يعرفون سببها؛ ليكون التساؤل في الكتاب: لماذا يرسل الاتحاد خيرة أبنائه إلى الموت؟! ويوهمهم بنور المجد وهالات التعظيم، وهم يعودون مكسورين محطمين، ماتت رغبتهم في الحياة من أول يوم وطئت أقدامهم حمى المعركة.

«الأمر بسيط جدًا، جئت إلى أفغانستان؛ لأنني صدقت كل ما يكتب في الصحف».

«كانت تطلق علينا تسمية «الأفغان»، اسم غريب، إنه مثل شارة، وصمة. نحن لسنا مثل جميع الآخرين. نختلف عنهم، بمَ؟ أنا لا أعرف من أنا: بطل أم أحمق ينبغي أن يُشار إليه بالبنان؟ لربَّما أنا مجرم؟ يُقال الآن إنها كانت خطأً سياسيًّا. يقولون هذا اليوم بصوت خافت، وغدًا بصوت أعلى. لكنني أرقت دمائي هناك؛ دمائي، ليست دماء غيري. لقد منحونا أوسمة لا نحملها، وسنعيدها في المستقبل. الأوسمة التي حصلنا عليها بشرف في حرب غير شريفة».

يقول أحد العائدين من الحرب إن القتل هو مجرد الضغط على الزناد، لقد علموهم، أن من يطلق النار أولاً هو من يبقى على قيد الحياة، هذا هو القانون في الحرب.

كانت نتيجة الحرب آلاف القتلى والمفقودين، مما دفع سفيتلانا إلى إثارة العديد من التساؤلات الحساسة حول الحرب، من نحن؟ لماذا فعلنا ذلك؟ ولماذا حصل لنا ذلك؟ ولماذا صدقنا ذلك كله؟

تعرضت سفيتلانا للمحاكمة* بسبب نشرها هذا الكتاب، إذ رآها بعضهم إساءة للتاريخ والوعي السوفييتي، بل رفعت عليها قضايا من بعض الأمهات اللواتي تحدثن معها، بحجة أن الكتاب يشوه صورة أبنائهن الذين قتلوا أبطالاً هناك، وقالت سفيتلانا: «ما أكثر الكتب التي كتبت عن الحرب! وما أكثر ما صنع بأيدي البشر وعقولهم من سلاح! بحيث أصبحت فكرة القتل شيئًا عاديًا، لكنني أكره الحروب، وأكره فكرة أن يمتلك أحد ما الحق في سلب حياة إنسان آخر».

*أضيف جزء من الوثائق المتعلقة بالمحاكمة في الترجمة العربية.

صلاة تشرنوبل «وقائع المستقبل»

تأتي البداية في السادس والعشرين من أبريل (نيسان) عام 1986، الساعة الواحدة، و23 دقيقة، حينما دمرت سلسلة من الانفجارات المفاعل بالمبنى الذي يحوي وحدة الطاقة رقم4 لمحطة تشرنوبل الذرية، أصبحت كارثة تشرنوبل أكبر حادث تكنولوجي في القرن العشرين، وبالنسبة لبيلاروسيا، اعتبر الحادث فاجعة وطنية، أدت إلى ضياع 485 قرية ومستوطنة، من بين هؤلاء 70 قرية دفنوا تحت الأرض إلى الأبد.

في هذا الكتاب، تعرض سفيتلانا الكارثة في عيون مئات الشهود: زوجات رجال الإطفاء الذين شاركوا في إخماد حريق المفاعل، سكان القرى المجاورة، مزارعين، جنود، أطفال، مصورين… نرى شهادات أناس رأوا بعيونهم ماذا حدث!

تعرض معاناة من تشوه، من فقد إنسانًا، من يخشى أن ينجب طفلاً مشوهًا، من أخرجوا من ديارهم، تعرض الكيفية التي تعاملت بها السلطات مع الحادث، وكيف ظن الناس أنه مجرد حادث بسيط.

ما الإشعاعات؟ لم يسمع بها أحد من قبل، كيف تبدو؟ لعلهم عرضوها في السينما؟ هل شاهدتموها؟ هل هي بيضاء اللون، أم ماذا؟ بعضهم يقول، لا لون لها ولا رائحة، الآخرون يقولون إنها سوداء كالأرض، كيف تحارب عدوًّا لا تراه.

لنتأكد في النهاية أن:

أكبر تهديد للإنسان، هو الإنسان نفسه.

زمن مستعمل.. نهاية الإنسان الأحمر

في الكتاب الخامس تعرض سفيتلانا تأريخًا لمشاعر بالإضافة إلى سرد شهادات البسطاء والفقراء العاديين، والذين عاشوا في فترة الاتحاد السوفيتي وما بعد انهياره، ومن خلال التفاصيل الصغيرة في حياة هؤلاء البشر ستجد أن الشعور المسيطر في هذه الفترة هو الحزن الشديد على انهيار الإمبراطورية. هنا تروي سفيتلانا مآسي الاتحاد وحروبه.

لقد تغلغل الاتحاد إلى أذهانهم وأرواحهم، حتى إن بعضهم نسي أو تناسى القمع والاضطهاد، وصار يفخر بكونه سوفيتيًّا.

الحرية

«لم يعلمنا أحد ما الحرية، كانوا يعلموننا فقط، كيف يمكن الموت في سبيل الحرية».

«ما معنى الحرية؟»

الآباء: الحرية هي انعدام الخوف.

الأبناء: الحرية هي الحب.

القتل

«يا أختي، لماذا تعلم الناس بهذه السرعة قتل أحدهم الآخر؟ كلهم كانوا يقرؤون في مدارسهم عمر الخيام، وبوشكين».

«لا وحش أسوأ من الإنسان، هو الإنسان الذي يقتل أخاه الإنسان، وليست الطلقة، إنسان يقتل إنسانًا، يا عزيزتي»!

في النهاية تقول سفيتلانا: إن أكثر ما يؤلمها، هو لماذا لم نتعلم من كل تلك المعاناة، لماذا لا نقول: لا نريد أن نكون عبيدًا بعد اليوم، لماذا نعاني مرات ومرات؟ لماذا يكون هذا قدرنا ومصيرنا؟

لكنها لا تمتلك إجابة، غير أنها تريد أن تحفز كتبها القراء على التفكير في هذه الأسئلة لصالحهم.

عندما نقرأ هذه الشهادات نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا: ما الحرب؟ وما الهدف منها؟ ما الوطن؟ ماذا نكون نحن؟ هل ما نزال بعد كل هذا نتمتع بإنسانيتنا؟ وكيف يمكن لهذا العالم أن يستمر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد