إذا ما سمعنا عن أن أحدهم قد مات من الجوع في السويد أو سويسرا، لن نُصاب سوى بالدهشة البالغة”.

-الكاتب الأمريكي باتريك أورورك

 

قبل أن تحطّ قدماي الرحال بالسويد في خريف عام 2010 للدراسة هناك عامين على الأقل، ومنذ أن قبلتني إحدى الجامعات هناك للانضمام لصفوفها، وأنا أحاول أن أجمّع المعلومات عن ذلك البلد البعيد النائي من الأهل والأصدقاء. وكانت النتيجة مخيّبة للآمال؛ لا أحد يعرف السويد من بين المعارف والأصدقاء، كما أن قلّة منهم ظنوا بأنها مدينة بإحدى البلاد الأوروبية، بل إنني حاولت أكثر من مرة أن أصحّح معلومة لأحد الأشخاص من ذوي التعليم المتواضع بأن السويد ليست هي الكويت، ولكنني فشلت في آخر المطاف عندما صَدمني الشخص نفسه بالقول: “ماذا ستفعل في هذه البلد شديدة الحرارة؟”!

خلاصة القول، لم يَكن أحدًا يعرف معلومات مميّزة عن السويد تساعدني قبل السفر، اللهم سوى إنه بلد شديد البرودة ويقع في أوروبا، وهو موطن ألفريد نوبل الذي سُميت الجائزة الشهيرة في الفروع المختلفة باسمه، وأن أحد أشهر لاعبيها في كرة القدم هو زلاتان إبراهيموفيتش!

اضطررت للأسف الشديد إلى السفر إلى ذلك البلد التي يجهلها المصريون وأنا معتمد على بعض المعلومات التي جمعتها من على شبكة الإنترنت، زاعمًا بأن التجربة الفعلية هي التي ستجعلني أتعرف عن قرب على هذا البلد “المتثلّجة”!

وعلى مدار عامين، عَرفت الكثير عن هذا البلد الساحر بمعنى الكلمة، وعَرفت أن دولتنا المحروسة والسويد تفصلهما فجوة زمنية لا تقل عن مئات السنوات الضوئية؛ فالأخيرة دولة يُعد شعبها من أكثر الشعوب قراءة في العالم، وهي موطن “الإيكيا” IKEA – هكذا ينطقها السويديون أنفسهم ولا تُنطق “آي كِيا” مثلما يحاول المسؤولون عن فرعها في مصر التأكيد على طريقة النطق الغريبة هذه- فضلاً عن كونها بلدًا غنيًّا يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة تقريبًا منها مليون نسمة من المهاجرين واللاجئين من دول الصومال والعراق والبوسنة وسوريا وغيرها، مما يعني ندرة مشاهدة أي شحاذ على قارعة الطريق؛ لأن الدولة تتكفّل بكل شيء بدءًا من إعانات البطالة السخية مرورًا بدفع إيجارات السكن لغير القادرين، وصولاً إلى أن التعليم والصحة لكافة المواطنين بالمجان!

 

وبطبيعة الحال، مثلما هناك حسنات لأي بلد في العالم، هناك سيئات كذلك؛ ومن ضمن هذه السيئات – من وجهة نظري- التي تحظى بها السويد، أن أهلها لا يعرفون قيمة الطعام مثلنا، فالمطبخ السويدي فقير للغاية، كما أن أوقات تناول الطعام غريبة للغاية: الإفطار حتى العاشرة صباحًا والغذاء حتى الواحدة والعشاء في تمام الساعة الخامسة مساءً، هذا ما أصابني بصدمة حضارية أول الأمر عندما دعاني أحد الأصدقاء السويديين على العشاء في الخامسة مساءً!

كما أن الشتاء بالفعل شديد البرودة، حتى في بعض الأوقات وصلت درجة الحرارة إلى 27 درجة تحت الصفر رغم أنني أعيش في مدينة يتميّز طقسها بالاعتدال مقارنة بمُدُن الشمال السويدية! ومثلها مثل بعض الدول الأوروبية، فإنه بعد الخامسة أو السادسة مساءً فإن البلد كله يكون في حالة سُبات شتوي؛ فكل المحال مغلقة تقريبًا ولا تجد أحدًا في الشوارع، وهو ما يختلف شكلاً وموضوعًا مع أجواء البلاد العربية الصاخبة، منها عاصمتنا الحبيبة القاهرة التي لا تنام!

 

ودَعك من كل هذه “التُراهات” السابقة، التي قد يفهم البعض منها أنني أحاول تلميع السويد مع الحطّ من قَدر مصر، مستعينًا بقاموس لا ينضب من الثنائيات المتضادة بين الدولتين، مثلما يفعل للأسف كل من سافر إلى دولة أوروبية وعاش فيها ردهًا من الزمان حتى لو كان على حق، ولكن في حقيقة الأمر، ما صَدمني بشدة ليس هذا التَرف والنعيم الذي يعيش فيه أهل هذه الدول مقارنة بمصر، أو التقدّم التقني الظاهر، أو حتى روح النظام وحب العمل والأجواء الصحية للعَيش وغيرها، ولكن ما حيّرني حقًا هو المواطن السويدي نفسه…!

المواطن السويدي – في الأغلب لأنني لا أحب ظاهرة التعميم- هو ظاهرة فريدة من نوعها تستحق الدراسة؛ فهو يَحترم الآخر ويقدّره بشكل يصعب على أمثالي فهمه، فعلى النقيض مما يَحدث في مصر وبعض الدول العربية وأيضًا ببعض الدول الأوروبية مثل فنلندا التي تعرضت فيها أنا وأسرتي لحادثة عنصرية لن أنساها، نجد أن الأقلية المهاجرة أو اللاجئة ليست لها نَفس الحقوق التي يحظى بها المواطن السويدي المتأصّل فحسب، وإنما يتعلّم الجميع احترام الآخر المختلف عنهم في اللون والثقافة والدين وخلافه منذ نعومة أظافرهم.

ولن أنسى في حياتي عندما ذهبت لأخذ ابني الذي كان يبلغ ثلاثة أعوام وقتذاك من حضانته هناك، ووجدت الأطفال يلعبون بعروسة سوداء اللون بجانب أخرى بيضاء، وعندما سألت مُدرّسته عن السبب وراء اللعب بهذه العروس السوداء، أجابتني بأنهم يحاولون أن يرسّخوا في أذهان الأطفال منذ الصغر ثقافة الاختلاف دون الاشمئزاز أو التعالي أو رفض هذه الاختلاف بأي شكل كان، وإنما محاولة التعايش والتعامل معه على أنه أمر طبيعي للغاية!

 

ومثال العروسة السوداء يتّضح جليًّا في اللاجئة البوسنية “عايدة الحاج علي” المسلمة ذات الـ 27 ربيعًا والتي أصبحت وزيرة للتعليم ما قبل الجامعي ورفع الكفاءات في السويد في شهر أكتوبر الماضي؛ فالاختلاف في السويد لا يُفسد أبدًا للودّ قضية!

ذلك المواطن السويدي الذي لا يَغار من أي مواطن آخر من جنسية أخرى قد يأخذ منه وظيفته أو يُعيّن بأجر أعلى من أجره رغم كونه مواطنًا متأصّلاً بالبلاد، أو حتى يَنفر من كون الطلاب الدارسون بالبلاد أو العاملون الأجانب يحصلون على رقم قومي يُتيح لهم التمتّع بكافة حقوق المواطنة، هو نَفسه الذي تدرّج في أعلى المناصب السياسية بالبلاد ليعترف بدولة فلسطين!

الحكومة السويدية أعطت درسًا لن ينساه العالم في المجمل، والفلسطينيون على الأخص، من أن الإنسانية والاعتراف بالآخر هو أمر لا يقبل المساومة؛ حيث أعلن رئيس الوزراء السويدي “ستيفان لوفين” مؤخرًا اعتراف بلاده بدولة فلسطين، باعتبارها أولى البلاد الأوروبية التي تعترف بتلك الدولة العزيزة على قلب كل عربي، رغم الاحتجاجات الإسرائيلية الشديدة مخافة أن تحذو الدول الأخرى حذو السويد في تلك الخطوة الجرئية التي قد تزعّزع العلاقات بين السويد وإسرائيل مستقبلاً.

ودفع الأمر بوزير خارجية إسرائيل “أفغيدور ليبرمان” إلى التهكّم على هذا القرار “الثوري” بقوله: “يجب على الحكومة السويدية أن تفهم أن العلاقات في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من تركيب قطع أثاث من شركة إيكيا”!

وردّت وزيرة الخارجية السويدية “مارجوت فالشتروم” على الوقاحة الإسرائيلية بقولها: “يسعدني أن أرسل لوزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان قطعة أثاث من إيكيا ليجمّعها ويُركّبها، وسيرى أنها ستتطلّب شريكًا وكذا كتيب إرشادات واضح”.

وقامت الحكومة السويدية بما عجزت الحكومتان البريطانية والفرنسية على فعله، رغم أن فرنسا قد أعلنت في وقت سابق أنها ستعترف بدولة فلسطين من دون إعطاء توقيت زمني لهذه الخطوة المزمعة!

نعم، تلك البلد الصغير الذي يَخلط بعضنا اسمه باسم دولة الكويت العربية الشقيقة، لم ينجح في إحراج دول العالم المتقدّم فحسب، بل أحرج العرب والمصريين الذين لم يحرّكوا ساكنًا عندما أغلقت إسرائيل مؤخرًا المسجد الأقصى لأول مرة منذ 14 عامًا، كما أعلنت عن التوسّع في بناء المستوطنات رغم أنف الجميع.

نعم، لو لَم أكن مصريًّا، لوددت أن أكون سويديًّا يعترف بالآخر ويقدّره!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السويد, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد