«لم يكن عليك أن تحبني هكذا، وأن تكون لي» (كلمات أغنية الفيلم الإيطالي الحزين المؤثر)!

فيلم إيطالي جميل تقع أحداثه في تورين في العام 1969، حيث يفقد فتى صغير في التاسعة من عمره والدته في ظروف غامضة.. وبعد أيام يقوده والده لكاهن يشرح له أنها الآن في السماء، ولكن الفتى النبيه ماسيمو يرفض تصديق قصة هذا الاختفاء المفاجىء لوالدته بالسكتة القلبية، وفي العام 1990، يصبح هذا الفتى صحافيًا لامعا، ولكن ماضيه البائس كيتيم يلاحقه، وعندما يسعى لبيع شقة والده، ويجرد محتوياتها، فتظهر له فجأة جروح الماضي؛ حيث تخبره جدته بأن والدته المتوفاة قد انتحرت حينئذ بإلقاء نفسها من الطابق الرابع للعمارة، بعد أن يئست من إمكانية تعافيها من سرطان الثدي القاتل.

هذا الشريط من إخراج ماركو بيلوشيو، وتمثيل كل من فالا سانتيلا وإدواردو ألبيتاني وماركو بيلوشيو ذاته، مع بيرنايس بيجو، وهو فيلم عاطفي حزين يتحدث عن الكرب والمشاعر المكبوتة العميقة، كالاكتئاب والحزن والمعاناة والرغبة بترك كل شيء والهروب بعيدًا، يتدفق الشريط تدريجيًا داخلك كمتفرج ليثير عواطف كامنة وتأثير كاسح، فهو يتحدث عن حب الأم المزروع جينيًا داخل نفوسنا، سواء كأطفال أو بالغين، كما يستخدم كل بصمات السينما الإيطالية ذات السمة العالمية المعروفة، وينطوي على ثراء بصري وتفاصيل لافتة وتعمق بالتداعيات المؤثرة للحزن في أوساط المجتمع المدني المحلي.

معاناة وكفاح البطل اليتيم كطفل لم يتقبل بعد مأساة فقدانه لوالدته الحبيبة:

نجح بيلوشيو في تحويل رواية ماسيمو غراميليني إلى الشاشة السينمائية، وبنقل معاناة وكفاح البطل اليتيم كطفل لم يتقبل بعد مأساة فقدانه لوالدته الحبيبة، حيث بقيت الهواجس تتملكه وتنغص عليه عيشه وعمله حتى بعد أن أصبح كاتب عمود مرموق، ولكنه بقي تائهًا وبائسًا في أعماقة، وأغرقنا بتفاصيل فقدان وأسى وبشكل متوازن ومتداخل وذي بعد سيكولوجي فريد.. إنه بمثابة بيوغرافيا أنيقة وحزينة،  يتحدث بعمق عن تحديات طفل صغير واجه وفاة والدته المبكرة بشجاعة بشكل مثير للإعجاب، بل ربما استخدمها كحافز للتطور المهني في مجال الصحافة والمغامرة، غاص المخرج الفنان في المشاعر المتباينة دون أن ينزلق في الميلودراما العاطفية، ولكن شخصيته بقيت مضطربة وتحتاج للسكينة، لاقى هذا الفيلم استحسانًا كبيرًا في مهرجان كان 2016.

لم يكن عليك أن تحبني هكذا وأن تكون لي، كلمات هذه الأغنية الإيطالية الحزينة الجميلة التي يصدح بها الشريط تعبر تمامًا عن مشاعر هذا الإنسان، كما تعتبر ربما رمزًا فنيًا خالدًا للمحبة المتبادلة بين أي أم وأطفالها، بعيدًا عن الثرثرة والخطابة والمواعظ المملة المكررة.

استيقظ الفتى الغير ماسيمو (نيكولو كابراس) فجأة على صراخ والده، وهو المتعلق كثيرًا بوالدته المريضة (بربارا رونشي)،  ثم لم يعد يرى والدته، حيث يبلغه والده بأنها توفيت فجأة بالسكتة القلبية، ولكن الفتى يرفض قبول ذلك، ويخبر زملاءه في المدرسة بأنها قد سافرت لأمريكا.. أبدع هذا الطفل الممثل بتقديم أداء مذهل وحزين وواقعي لطفل صغير يخوض تجربة صعبة تستهلك كيانه ومشاعره، وتستمر معاناته حتى بعد أن يكبر ويصبح شابًا، مجبرًا على التعامل دائمًا مع جروحه النفسية وذكرياته الأليمة، ومثابرًا بعناد على معرفة التفاصيل وكشف ما حدث ليلة اختفاء والدته، حيث وأثناء استعداده لمغادرة منزل والده، تكشف له جدته عن حقيقة انتحار والدته برمي نفسها من الطابق الرابع للعمارة السكنية، وذلك بعد أن أصابها يأس شديد من إمكانية شفائها من السرطان المستفحل، وتطلعه على التفاصيل المنشورة في صحيفة قديمة محشورة بين ثنايا كتاب في مكتبة والده، وللحق فقد وجدت هنا تساؤلًا منطقيًا يتعلق بكيفية تجاهل كل الناس ورفاقه ومدرائه لإخباره بهذه الحقيقة، وخاصة وأنها نشرت في الصحافة وقتها، ولكونه صحافيًا مشهورًا أيضًا، ووجدت في ذلك نقطة ضعف لافتة في السياق السردي للقصة، وربما غابت عن أذهان الكثيرين.

لكن هذا الفيلم المؤثر اللافت يكشف للجميع كيف يمكن أن يكون لفقدان الأم المبكر تأثيرًا عميقًا لا يمكن التعافي منه، وخاصة بالنسبة لفتى صغير لا يتجاوز التاسعة من عمره، حيث يمكن لهذا الإنسان أن يستهلك نصف عمره تقريبًا ليستوعب ذاك المصاب الجلل.

 

الخمس دقائق الأول

إن إخلاص إيطاليا الشهير لنموذج الأم يعتبر أحد خصائص شبه الجزيرة البارزة، والمرء لا يتوقع من المخرج الشهير ماركو بيلوشيو أكثر مما فعله من الغوص العميق لاكتشاف المشاعر والتداعيات، استنادًا لرواية ماسيمو غرامليني الناجحة، حيث يتكون الفيلم من مجموعة من التتابعات المشتتة لتداعيات فقدان الأم منذ الطفولة، حتى إن الرجل يصبح غير قادر على التغلب نفسيًا على فكرة فقدانه لوالدته عندما كان في التاسعة من عمره، الشريط ينغمس في هذه التحولات منذ اوقات الطفولة، ونرى مشاهد صاخبة تتمثل بالصراخ والقفز والتكسير، مصحوبة بعواطف متأججة مكبوتة حتى بعد أن أصبح شابًا ناضجًا يغمره اليأس والإحباط، ربما سيكون هذا الفيلم من أنجح أفلام هذا المخرج اللافت لسنوات عديدة قادمة.

تبدأ الأمور بشكل جيد؛ فالخمس دقائق الأول ستكون معبرة وهامة في مسار العمل الدرامي، حيث نشاهد ماسيمو الطفل (نيكولو كابراس) يرقص مع أمه الشابة (باربرا روتشي) ببهجة غارمة رقصة (التويست)، بعد ذلك يشاهدان معًا فيلم (بلفيغور) الكلاسيكي 1965 على شاشة التلفزيون، فيما تحتضنه أمه بحنان بين ذراعيها لطمأنته.. في المشاهد اللاحقة يحصل شيء غريب لا يستوعبه الطفل الصغير؛ فـ(الماما) تصبح فجاة مشغولة وبعيدة المنال، وبعد ذلك بوقت قصير نشاهد الكاهن المبجل (روبرتودي فرانشيسكو) يقول للطفل بحكمة وصبر وحذر بأن والدته أصبحت الآن بصحبة الملاك الحارس في الجنة!  

مواجهة واقع جديد صعب

لا يملك والد ماسيمو (غويدو كابرينو) نفس دفء وحنان زوجته الراحلة، وبالرغم من كون المرأة التي يجلبها لرعاية صبيه تشبه والدته لحد ما، إلا أنها تختلف كليًا في طريقة تعاملها مع الصبي المضطرب الذي يكاد لا يستوعب فقدانه المفاجىء لوالدته الحبيبة.. ثم تتعمق الخسارة بروحه التائهة، وخصوصًا عندما يرى صديقه الثري المدلل اللامبالي (ديلن فيراريو) وطريقة تعامله المستهترة مع حب أمه الجارف له (إيمانويل ديفوي في دور صغير معبر).

ما بين الفلاش باك والفلاش وورد (الخلف والأمام)

ثم تتداخل طوال الفيلم مشاهد الفلاش باك والفلاش وورد (فور ورد) ما بين مشاهد طفولته ومعاناته وحيدًا ويتيمًا، وما بين مشاهد التسعينات، وقد أصبح صحافيًا مرموقًا وناجحًا (الممثل فاليريو ماستراندريا)، ما بين مغادرته شقة والده التي أصبحت ملكه في المشاهد الأخيرة، وما بين حوادث تغطيته الرياضية أو أحداث الصراع المحتدم في البوسنة، حيث يبدو وكأن حالته النفسية أصبحت مزمنة وملازمة لشخصيته وطريقة معرفة الآخرين به؛ مما يجعله يكرس جل طاقاته للإبداع في عمله الصحافي. تكمن قوة المخرج بيلوشيو في قدرته على التلاعب بالعناصر المتباينة والمتناقضة ووضعها بنجاح لخدمة تطوير الشخصية الدرامية (وهذه إحدى أكبر هفوات السينما المصرية عمومًا)، فهو يعترف بالفوضى والعشوائية التي تسود حياة البشر…حيث تتماثل مشاهد سراييفو، والتي أثارت اشمئزاز ماسيمو، وتمثلت في طريقة كتابته للتقارير الصحافية، ويبقى ذلك منسجمًا تمامًا مع حالة البطل المحبط واليائس أصلًا.

دور الطبيبة المتفهمة

حقًا فالوقت الوحيد الذي يتمكن خلاله من الخروج من شرنقة الصدمة هو عندما يكون برفقة الطبيبة المتفهمة إليسا (بيرنيس بيجو)، الذي تظهر له طيبة وتعاطفًا يذكرانه بوالدته الراحلة، تبدع هذه الممثلة في إظهار رومانسية خاصة مغلفة بابتسامة رقيقة ساحرة، لكن قدرته على إظهار عمق بؤسه، تعاق هنا بقلة التركيز أحيانًا، وتتمثل في مشاهد لقائه المتأخر مع والده المسن (بمكياج ضعيف غير معبر)، حيث بدت هذه المشاهد ضعيفة ومسلوقة.

لحظات لا تنسى ومشاهد تثير الجدل

وأخيرًا فهناك لحظات لا تنسى في الشريط، ومنها حصول ماسيمو الصغير على تشجيع والدته في أدائه لرقصة التويست في البداية، كما يحدث تقريبًا لماسيمو الكبير (في منتصف الشريط) عندما يتردد أولا في الرقص الاحتفالي مع صديقته الطيبة، ثم يمزق حلبة الرقص بحركات إيقاعية غريبة وجاذبة، وهذه مهارة إخراجية كبيرة لا يملكها إلا كبار الفنانين الذين يبدعون في إظهار التماثل والتناقض، وبالرغم من المشاهد الجميلة التي يحفل بها الفيلم (للمصور دانييل كيبري)، إلا أن هناك مشاهد غريبة تثير الجدل، ومنها قصة سيمون (فاوستو روسو أليسي) الذي يشكو للصحيفة من تصرفات والدته المسنة وتسلطها (ديغي إسبوستي)، حيث يكتب للصحيفة طالبًا النصح والمشورة، ويتم تعيين ماسيمو للإجابة نظرًا لخصوصية هذه الحالة مع حالته ، ولكن الرد هنا يتجاوز المشاعر حول دور الأم في حياة ابنها، كما تدخل الموسيقى التصويرية لتساعد في أحداث التعبير، هنا يصل الأمر لمستوى معين من الخطابة والمبالغة، عندما تستفز الأم البليدة من ابنها المنبهر بالنص لتسأله فجأة بطرافة: وماذا يتوجب علينا أن نفعل الآن؟ نتعانق! وقد وجدت ردة الفعل هذه عادية في حالات بعض الناس الذين يفتقدون كثيرًا للعواطف، ولا يفقهون إلا الجانب الحسي الملموس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد