لماذا لا نأكل الحلوى المكشوفة

رائج هو ذلك التشبيه الذي قرر أن تكون الفتاة غير المحجبة كالحلوى المكشوفة زاعمًا أن الحشرات قد تتزاحم عليها؛ ونسي أنها ستظل حلوى مهما كان.

 بداية أحب أن أنوه أن هذه الكلمات لا تريد من قريب أو بعيد أن تدعو إلى نزع الحجاب، أو تبرير ذلك، أو الدفاع عن ذلك، لكنها دعوة للتعقل في الحكم على الأمر وإنزاله منزله، وليس غير ذلك، مع الإقرار بفرضيته وحبه وفضله. 

 دار حوار بيني وبين أحد الأصدقاء عن فتاة يسعى أحدهم لخطبتها وأثناء النقاش انتفض ليعلنها وكأنه يعطي سببًا فاصلًا (دي بشعرها! دي بنت مش كويسة) لم تصدمني الكلمات لان هذا النوع من اللغو قد اعتدنا عليه في مجتمعاتنا العربية منذ زمن، خاصة المجتمعات ذات الطبيعة التي تمنح البشر فرصة للحكم على الآخرين من ملابسهم، وما يظهر منهم، وما يكتبون على وسائل التواصل الاجتماعي. 

قلت له بكل هدوء: (وصديقك لا يصلي! تُري أيهما أثقل في الميزان!). 

 في الحقيقة إن تركه للصلاة أشد وأعظم عند الله من تركها للحجاب، بل إن تركك للصلاة هو أشد وأعظم من أي شيء على الإطلاق. فمن منهم يستحق الآخر إذًا؟
إن نزع الحجاب وخلعة هو ذنب مثله مثل ذنوب نفعلها ليلًا ونهارًا، لكن لم يحكم علينا المجتمع أننا (مش كويسيين) فقط؛ لأننا رجال، ولأن ما تفعله النساء دائمًا يكون عقابه مضاعفًا، مرة لأنهن فعلنه، والأخرى لأنهن نساء، هكذا الحال في مجتمعاتنا. 
فكيف لنا أن ننظر إلى الذي يكذب، والذي يغتاب، والذي يتنمر كشخص (ربنا يهديه)، أما غير المحجبة كفتاة (مش كويسة)، وقد تكون هذه الفتاة أحب وأقرب إلى الله من كثير من الفتيات اللواتي يظهرن دائمًا بالخمار والنقاب فقط لو أنها تحب الله ورسوله! 

 وقد كان في عهد النبي رجل يُضحِك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان يشرب الخمر، فَجِيءَ به للنبي وقد شرب الخمر فقال أحدهم: اللهم العنة ما أكثر ما يُؤْتَى به رسول الله. فقال النبي: لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. 

 ولعل تلك الفتاة أو ذلك الشاب الذي يذنب ذنبًا متخفيًا ضعفًا منه لا استكبارًا يحب الله ورسوله أكثر من كثير من أصحاب اللحى والعمائم التي لاتنفك تحكم على الناس وتقذفهم حيث تريد أهواءهم، لا إلى حيث يريد الله أن يكونوا، ولعل منهن من تكون صاحبة همة في الأمر بالمعروف والنصح للغير باللين والحكمة أفضل مما يدعون الالتزام، وهم يلقون الناس في غيابات الجب بألسنتهم القاتلة وحكمهم الجائر علي الناس، واستعلائهم على من هم أقل منهم التزامًا (ظاهريًا). 

دعنا ننظر للناس بعين العبد، لا بعين الإله الحاكم المالك، نحن لا نستطيع أن نجزم إذا فرغنا من صلاتِنا أقُبلتْ أم لا، فكيف لنا أن نحكُم علي مصائرِ العباد وما بينهم وبين ربهم؟

وفرق شاسع بين إصدار الأحكام على الناس وبين الأمر بالمعروف، فالأمر بالمعروف واجب المسلم على المسلم، لكن دون الحكم عليه، وإنزاله منازل الفاجرين العصاة الذين لا تُقبل لهم توبة أبدًا كما يحدث، وكما هو رائج تلك الأيام! 

ولا أنكر ان كمالية الأمر وجماله أن تحب الله ورسوله وأنت مُحجبة، أو وأنت تصلي وتؤدي فروضك، لكن إن عجزت على ذلك لعلة أو ضعف، فلا تعطي الحق لأي مخلوق أن يُنزلك منازل لست من ساكنيها.

إن هذا الدين يؤخَذ بالاستطاعة لا بالكمالية، وما لا يؤخَذ كله لا يُترك كله، ونحن نحارب الشيطان بقدر استطاعتنا ونتقي النار، ولو بشق تمرة، فلا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد