بهاء الدين يوسف

79

بهاء الدين يوسفحجازي

79

لا أعلم من الذي قال لبعض الإعلاميين في وطننا العربي إن ماء اللفت قد يسبب الهلاوس السمعية والبصرية، حيث بدأت أسمع المقارنات القائمة بين اللاعب محمد أبو تريكة ومحمد صلاح، ورأيت آراء مبنية على شخصين لا يجب تقريبًا أن يلتقيا في الواقع، ومن السخرية القدرية أن كليهما يلتقي في قنوات bein sports أو افتراضًا كما أفعل في هذا المقال.

ربما نجد افتراضًا محمد صلاح يجلس بجوار أبو تريكة في إحدى ضواحي لندن، ولأنهما يحتسيان الشاي الكشري الذي يصعب شربه في الكافيهات اللندنية، قررا تشغيل التلفاز. ولأنه افتراض، نفترض أنهما يحتفلان بفوز اللاعب محمد صلاح بجائزة أفضل لاعب أفريقي، وهي جائزة ليست سهلة، حيث تتطلب منك جهدًا واحترامًا من قارة كاملة، وهي القارة الأكثر عددًا من حيث عدد الدول.

وربما تلك الجلسة لم تكن الوحيدة، مثلها حدث عندما كان كلاهما في روما وفاز صلاح بلقب ما مع فريقه أو لقب أفضل لاعب في مباراة صعبة، وربما تكرر ذلك في الماضي، كلاهما لاعبان غائبان عن الوطن الذي يتصارع سكانه على لا شيء ذي جدوى حقيقية، أولهم شاب في مسيرته الكروية، والآخر لاعب كبير قضى تلك المسيرة والتقى هذا الشاب في نهاياتها، قضت على الأخير الظروف الوطنية الغاشمة أن يصبح منفيًا رغم حب أهالي الوطن له.

ولكي نكمل الافتراضات، نستطيع قول إن محمد صلاح في منزله في لندن يستطيع متابعة الإعلام العربي، ولا أصدق كيف يمكن افتراض الترهات مثل ذلك، فأنا رجل عاش خارج الوطن العربي سنوات، وأعلم كامل العلم أن آخر ما قد يفكر فيه الإنسان خارج الوطن العربي هو أن يرى وجه المذيع مرة أخرى، ولكنني سأكمل معك تلك الفرضية غير المنطقية، سنعبر معًا على القنوات واحدة تلو أخرى.

إذ مضى كلاهما على الإعلام اليميني الديني، أي الإعلام الذي يؤيد عودة محمد مرسي إلى منصب رئاسة الجمهورية ويعتبر الثلاثين من يونيو انقلابًا، ويعتبر أبو تريكة بطلًا قوميًا – وهي حقيقة لا يمكن إنكارها – ويعتبر محمد صلاح من أبناء الطغاة.

لن نجد سوى الضحك في أغلب الوقت، لأن هذه القنوات لم تعد تؤثر سوى في فاقدي الأمل عما سواها، وهم قلة مهما زاد عددهم، لأن الكلام الذي يعود على المستمع من تلك القنوات لم يعد له أثر واضح في لعبة السياسة، حتى وإن اعتبر المذيع نفسه يقدم «مقدمات نارية»، أو قام كما يفعل كل حلقة بتغيير تصفيفة شعره.

لن نجد أثرًا في الشارع المصري اليومي قد يقدمه المواطن كرسالة تضمن للمذيع أنه قد حقق تأثيرًا ما على الشارع المصري، إن ما يحصدونه ليس إلا ترهات فعلية، والذي يؤكد على ذلك هو استمرار الدولة في الفساد – من وجهة نظر ذلك الإعلام – دون اعتبار لصوتهم.

وأكثر ما يعكر صورة هذا الإعلام كان في بدايته حينما كان يصور بعض المئات في الأزقة والحواري ويكتب في شريط الأخبار ويعلن في النشرات الإخبارية عن وجود مليونيات في القرى، والتي سُجل بعضها في ملفات الدولة عن عدد سكانها في كثير منها لم يزد عن مئتي ألف.

وعلى الجانب الآخر، حيث تنقلب الصورة، نجد محمد صلاح بطلًا قوميًا يقوم بتشريف مصر بالخارج – وهي حقيقة لا يمكن إنكارها – ويعتبر أبو تريكة سفاحًا يمول سفك الدماء، وربما يقوم بطهو الأطفال بشكل يومي لكي يحافظ على لياقته البدنية.

والأمر قد يكون واضحًا في تصريحات الكثير من الإعلاميين، منهم مثلًا شخص وصل به مستوى تعاطي ماء اللفت أنه أذاع على الهواء فيديو من إحدى الألعاب تحت عنوان «إحدى مناورات الجيش في سيناء»، وحين انكشف أمره لم يقرر فجأة أن يعتذر، بل ذهب في الحلقة التالية وذهب يهجو المشاهد.

إن هذا الإعلام لا يعلم أن طوال عصر مبارك لم يكلف أحد الوزراء ولا حتى أحد أمناء الشرطة خاطره في إسعاد الناس، في زمن الملكية كانت الراقصات يذهبن إلى القرى لكي تصرف عن الشعب هموم سنوات 48 وسقوط فلسطين في يد اليهود، مع أنها حقيقة تجلب العار للكاتب قبل القارئ، إلا أنها توضح أن حتى أفسد الأنظمة التي اجتمعنا – رغم مزايا عصرها – على أنها خيبة آمالنا، كان هناك وسائل سعادة للبسطاء.

أتذكر أعوام 2008 و2010 حينما أقرأ في الجرائد اسم أبو تريكة، أو أن هناك أملًا يركض ما بين مرمى المنتخب ومرمى المنتخب المنافس، وأن في قائمة الأهلي من يستطيع أن يحقق أمل الموظف العام بعد أن علم أن الرئيس قرر في عيد العمال أن يعدهم وعدًا آخر لن يتحقق، وإن تحقق فسيجلب بعد شهر واحد من تحقيقه ثلاثين خصمًا.

إن اعتماد الإعلام الأيديولوجي وإعلام الإسلام السياسي على بعض أنصاره وجماهيره الضئيلة بين الشعب الذي وصل تعداده تقريبًا إلى مئة مليون، هو نفس درجة اعتماد مريض الإيدز على الشفاء بجهاز عبد العاطي.

إن ما أريد أن أقوله لك، إن صدق أن محمد صلاح أو أبو تريكة قد يصدقان بأنفسهم وجود مقارنة أو أفضلية بينهم، أو أنهم يبحثان عن منافسة بينهم، فأنت حقيقةً تعاني من السباحة في ماء اللفت، وأنصحك أن تتابع هذه السلسلة من المقالات، التي ستجد فيها علامات كثيرة لمرضك.

وأهم الأشياء التي يجب أن تتضح لك في هذا المقال، أن الذي أتى من صباح الخير يا مصر كمقدم أخبار وأخاه الذي أتى من مودرن سبورت مذيع كرة لا يفقه شيئًا في السياسة كل منهما وجه في ذات العملة.

إن كلًا منهما لا يمثل قضية معينة، ولا يستحق الاعتبار له، والدليل القاطع على هذا أن أولهم أتى بشريط فيديو من لعبة إلكترونية، وآخرهم يقوم باقتحام خصوصيات الناس بالدخول على مواقع التواصل الاجتماعي والمجموعات وقوائم الأصدقاء كنوع من السخرية من مؤيدي السيسي، على اعتبار أنهم ليسوا مصريين في النهاية، مسماران في نعش الإنسانية في هذا الوطن الهزلي.

هؤلاء لا يشاهدون أبو تريكة مثلما كنا نشاهد، ولا يهتمون بمحمد صلاح مثلما يهتم به المصريون ويفخرون به، إن كلًا منهما يعبد ما تصنم يده من مفاهيم المصلحة، ويعتلي استوديو برنامجه لكي يقنع الناس للسجود لصنم ما هو الذي ينتجه في كل يوم، وما أريد إنهاءه في هذا الافتراض الذي بدأته بمشاهدة محمد صلاح وأبو تريكة التلفاز في لندن، أن الأكيد الأكيد أن كلًا منهما يشمئز ويحزن من هذا النوع من الدعارة الإعلامية، وأن الذي يجب أن يصل من الشارع المصري لكل منهما هو رسائل العزاء، لأن جهودهم تذهب هباءً ضريبة ارتفاع أصوات «السابحين في ماء اللفت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك