ما زالت شعوب انتفاضات الربيع العربي التي اندلعت في مطلع 2011 تتطلع لاسترداد المليارات من أموالها المنهوبة القابعة في بنوك سويسرا، والتي نهبها الطغاة والمستبدون والمفسدون على مدار عقود زمنية طويلة، فرغم مرور أكثر من أربع سنوات على فرار زين العابدين بن علي من تونس وتنحي حسني مبارك على وقع ثورة ‏25‏ يناير فإن المحققين مازالوا يلهثون لمعرفة مكان الأموال التي نهبها الرجلان أو نهبها رجال وسدنة النظامين.

المعلومات المتوفرة تشير إلى سرقة ونهب عشرات المليارات من الدولارات حيث يقول خبراء من البنك الدولي إن حجم الأموال المصرية المهربة بلغت أكثر من 134 مليار دولار على مدى 30 عامًا ولكن ما تم العثور عليه حتى الآن هو لا شيء تقريبا، والسر وراء ذلك يكمن في وجود ما يسمى بالملاذات الضريبية الآمنة، والتي تسمح للطغاة والفاسدين والخائفين بإخفاء أموالهم في حسابات سرية ربما لا يمكن الوصول إليها أبدًا، أو على الأقل توفير وسيلة لغسيل تلك الأموال القذرة وإعادة تدويرها بصورة آمنة وبعيدة عن الشك، وعلى رأس تلك الملاذات الآمنة للأموال المنهوبة من الشعوب تأتي سويسرا.

كيف بدأت القصة؟

بدأت قصة تحول سويسرا إلى ملاذ آمن لأموال الطغاة في عام 1934 وهو العام التالي لتولي أدولف هتلر المستشارية في ألمانيا وبدء اضطهاد اليهود وغيرهم من الأجناس غير الآرية. وهنا عدلت السلطات السويسرية قوانينها لتستوعب الأموال التي يمكن أن يهربها اليهود إليها بحيث يتم استيعابها في البنوك السويسرية بدون أن يتمكن الألمان من معرفة أصحابها، وضمنت القوانين الجديدة آنذاك ما يعرف الآن باسم سرية الحسابات، وسمحت سويسرا لأصحاب الحسابات أن يضعوا أموالهم في بنوكها بأرقام وليس بأسماء، وجعلت إفشاء سرية الحسابات في البنوك جريمة يعاقب عليها القانون السويسري. وحتى الآن توجد أموال في بنوك سويسرا لم يحدث عليها أي تعاملات منذ أكثر من 70 عامًا، فلم يضف إليها شيء ولم يسحب منها، مما يشير إلى أن أصحابها من اليهود الألمان أو غيرهم ممن ماتوا في الحرب العالمية الثانية.

وتوسعت سويسرا بعد ذلك في مسألة سرية الحسابات في البنوك، مما شجع الحكام الطغاة واللصوص ومهربي الأموال ومن يقوم بغسلها عبر تجارة المخدرات والجنس؛ على إيداع أموالهم في بنوك سويسرا، وعندما بدأت أوروبا وأمريكا في زيادة الضرائب على رجال الأعمال بعد الحرب العالمية الثانية قاموا بنقل أموالهم إلى البنوك السويسرية.

ويعاقب القانون السويسري منذ الثلاثينيات من القرن العشرين أي بنك أو مسئول يفشي – أو حتى يلمح – بمعلومات مصرفية.. بل إن البنوك هناك تتعامل بنظام مشفر لا يتيح حتى للموظفين معرفة أصحاب الحسابات التي يتعاملون معها – كما يتيح للعميل ذاته إيداع ثروته بأسماء مستعارة أو استبدال الأسماء بأرقام سرية لا يعرفها غيره.

بادرة أمل!

لكن رغم ذلك لم تعد أموال الطغاة السابقين آمنة في الحسابات البنكية في سويسرا. وأصبح هناك الآن قانون في سويسرا يسمح بإرجاع الأموال إلى الحكومة الشرعية وليس لعائلات الديكتاتور السابق. وأصبحت هاييتي هي الدولة الأولى التي تستفيد من هذا القانون ولذا حمل اسم قانون دوفالييه الجديد، ومن المتوقع أن تتلقى حكومة هاييتي ما يقرب من4,4 مليون يورو من الأموال المجمدة في المصارف السويسرية العائدة لعائلة “بابا وبيبي دوك” دوفالييه.

حيث طرحت سويسرا قانونًا جديدًا يتعلق بتسهيل تجميد الأصول والأموال المسروقة، لا سيما تلك المتعلقة بما نهبه زعماء ديكتاتوريون من بلدانهم، ما يمهد لإعادة مليارات الدولارات المسروقة إلى الشعوب والبلدان التي نهبت منها.

ومن شأن مشروع القانون أن يسمح لسويسرا بتجميد أصول ما يسمى الأشخاص المكشوفين سياسيًا، كإجراء احترازي، كما سيشكل أرضية قانونية لمصادرة وإعادة الأموال إلى البلدان المسلوبة والمرحلة إلى بنوك سويسرا.

 

وزارة الخارجية السويسرية، قالت في بيان “إن المشروع يركز على جعل رد الأموال المسروقة أكثر كفاءة”، واصفة القانون بأنه الأول من نوعه في العالم، حيث يحتوي مجموعة بنود واضحة في شأن الأموال المنهوبة.

وتكافح سويسرا في السنوات الأخيرة لتجميل صورتها، التي ترسخت منذ عقود بوصفها ملاذًا للمكاسب غير المشروعة، وذلك عبر الحجز على أصول الطغاة المخلوعين، فضلًا عن تخفيف القيود الصارمة المفروضة على السرية المصرفية الصارمة، لمساعدة دول أخرى في كشف التهرب الضريبي.

ثغرات في الإجراءات!

بالفعل تحركت السلطات السويسرية مع بداية الربيع العربي في أوائل 2011، حيث جمدت ما يقرب من مليار فرنك سويسري (1.3 مليار دولار)، من أموال الحكام السابقين في مصر وتونس وليبيا، فضلًا عن أموال للديكتاتور بشار الأسد، الذي يشن على الشعب السوري حربًا دخلت عامها الثالث.
لكن خبراء قانونيين يقولون إن عودة الأصول المسروقة إلى بلدانها الأصلية قد يستغرق سنوات.

المحامي “إنريكو مونفريني” من جنيف، والذي تم تكليف مكتبه لتعقب الأصول التي نهبت من بلدان مثل نيجيريا وتونس؛ اعتبر أن العملية تستغرق وقتًا طويلًا بل ومحبطًا. أما فيكتور فافريكا، رئيس فريق عمل استرداد الموجودات في سويسرا؛ قال إن القانون سيسمح للسويسريين بمصادرة الأصول حتى عندما تكون الدولة المتضررة غير قادرة على توفير الدعم القانوني اللازم، لسبب ما كالنزاع داخل ذلك البلد.

ولم تحسم سويسرا بعد العديد من القضايا المرتبطة بتجميد وإعادة أموال الدكتاتوريين المُطاح بهم، بواسطة قانون يعتبره كثيرون أنموذجًا على المستوى الدولي. لكن هذا لا يمنع الأصول غير المشروعة من مواصلة تدفقها على الساحة المالية السويسرية، حيث كشفت العديد من القضايا المُـعلن عنها في الآونة الأخيرة عن استمرار وجود ثغرات في الإجراءات القانونية المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال.

يتمثل الهدف الرئيسي للقانون الجديد المتعلق بـ”تجميد وإعادة الأصول المتأتية من مصادر غير مشروعة لأشخاص معرّضين للمحاسبة سياسيا في الخارج”، المعروض حاليًا على النقاش في البرلمان الفدرالي، والذي حظي بترحيب خبراء البنك الدولي، في إقامة الدليل للعالم بأن سويسرا لم تعد مأوى حصينًا ومُرحّبًا بأموال الطغاة والمستبدين الأجانب.

 

 
فمنذ قضية ماركوس (الفلبين) في عام 1986، أضحت قائمة أصول الطغاة الذين شوّهوا سمعة الكونفدرالية ومصارفها؛ طويلة. ذلك أن أسماء موبوتو (الزايير سابقا) وأباشا (نيجيريا) وساليناس (المكسيك) ودوفاليي (هايتي) وغباغبو (الكوت ديفوار) وبن علي (تونس) والقذافي (ليبيا) ومبارك (مصر)، وبشار (سوريا) ستظل مقترنة إلى الأبد بتواطُؤ بعض المصارف السويسرية في مسار إفقار ونهب شعوب بأكملها من طرف حكامها.

قال جاك نايرينك، النائب الديمقراطي المسيحي في مجلس النواب السويسري: “لم نعد مستودع الأشياء المسروقة من العالم. لقد أطلق القطاع المصرفي عملية تخليق، كما استنتج أنه ليس من الضروري ممارسة التلاعب لتحقيق النجاح. فقوة الفرنك والاستقرار السياسي والمؤسسات التي تعمل بانتظام، عوامل كافية اليوم لضمان نجاحه”.

اكتشافات جديدة

بعد ما أتاحه الربيع العربي، من فرصة لاسترداد الأموال المنهوبة، فوجئ العديد من المراقبين بحجم الأموال المجمدة في حسابات مصرفية بسويسرا (حوالي مليار فرنك إجمالا)، لكن القضايا التي تورطت فيها شخصيات عمومية أجنبية، ليست بالقليلة. فمن فضيحة الرشاوى الهائلة لشركة بيتروبراس Petrobras، العملاق النفطي البرازيلي وأكبر شركة في البلاد، ووصولا إلى قضية الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش والمقربين منه؛ يتعلق الأمر بمئات الملايين من الفرنكات التي تم تجميدها في الأشهر الأخيرة من طرف المدعي العام للكونفدرالية.

تشير التقارير إلى أن هناك خمسة مليارات من الودائع جمدتها سويسرا إجمالا، ومع أنه من غير الممكن التمييز بين ما هو متعلق بالإجرام (العادي) وبين ودائع شخصيات معارضة سياسيا، لا يقل حجم الأصول المجمدة حاليا في سويسرا من طرف المدعي العام الفدرالي، عن خمسة مليارات من الفرنكات، وفقًا لما أفاد به مكتبه لـ swissinfo.ch.

في أوائل شهر سبتمبر الماضي، أذيع أن مكتب المدعي العام الفدرالي جمّـد أصولا بعشرات الملايين من الفرنكات، في إطار فضيحة فساد مرتبطة بصندوق سيادي ماليزي يُـشرف عليه رئيس الوزراء نجيب رزاق. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث كشفت مجلة ليبدو L’Hebdo، الناطقة بالفرنسية هذا الصيف؛ أن عشرات الملايين من الفرنكات المكتسبة من أنشطة غير مشروعة للحكومة الإريترية مرت عبر حسابات مصرفية في كل من جنيف وزيورخ.

 
قال أوليفيي لونشون، الخبير في المسائل المالية لدى منظمة إعلان برن غير الحكومية: “مع الأسف، لن يُـغيّر القانون الجديد الذي يُـناقَش حاليا في البرلمان، شيئًا من هذه الوضعية. فالتشريع الجديد يتركز على الأصول التي تم تحديدها مُسبقا في سويسرا ولن يحُـول دون تدفق أموال غير مشروعة متأتية من الفساد”.

 
ماذا تقول “فينما” عن هذه المسألة؟ يؤكد فينزانز ماتيس، المتحدث باسم السلطة السويسرية لمراقبة الأسواق المالية (فينما)؛ أن “الإجراءات المتعلقة بشخصيات معرضة سياسيًّا في سويسرا، مطابقة للمقاييس الدولية، بل تتجاوزها في بعض المجالات”. ويؤكد المتحدث أن “مراقبة احترام القواعد التي تنطبق على هذا الصنف من الشخصيات، تمثل عنصرًا مهما في مكافحة غسيل الأموال”. من جهة أخرى، لا يُوجد لدى فينما “أي مؤشر” يدعو إلى التفكير بوجود مشاكل أساسية في تطبيق هذه التراتيب من طرف الوسطاء الماليين.

عقوبات غير رادعة!

 

الساحة المالية السويسرية، وبحكم إدارتها لأكثر من 2200 مليار فرنك من الثروات، أي زهاء 30% من إجمالي الأصول العابرة للحدود في العالم؛ تظل معرَّضة لهذا الصنف من المخاطر بشكل خاص. وفي هذا الصدد، ترى غريتا فينّـر، مديرة معهد بازل للحوكمة، وهي مؤسسة مستقلة غير ربحية، متخصصة في مكافحة الفساد والجرائم المالية، أن “المصارف الخاصة الصغيرة، هي الأكثر هشاشة، لأنها لا تتوفر بالضرورة على الوسائل الكفيلة بإقامة نظام مراقبة متطور”.

 
إضافة إلى ذلك، فإن إغراء تجاوز الضوابط التي يفرضها القانون كبير للمؤسسات المالية الصغيرة، عندما يتعلق الأمر بمبالغ تقدر بعشرات أو مئات الملايين من الفرنكات، مثلما يلاحظ أوليفيي لونشون، خصوصا وأن العقوبات غير رادعة بما فيه الكفاية. وبنبرة فيها الكثير من الأسف، أشار ممثل منظمة إعلان برن إلى أنه “في الولايات المتحدة، يُـمكن أن تصل قيمة الغرامات إلى مليارات الدولارات، في حين أن (فينما) في سويسرا، لا يحق لها فرض أي غرامة، بل إن الحارس السويسري للأسواق المالية لم يرغب – فيما يتعلق بالأصول المتأتية من الربيع العربي – في الكشف عن أسماء المصارف التي أخلّـت بواجباتها بشكل خطير”.

 
والسؤال الذى يطرح نفسه، إلى متى تبقى سويسرا مستودعًا لسرقات الطغاة من الشعوب؟ بينما تعيش الشعوب المنهوبة في أتون أزمات خانقة على كل المستويات من بطالة وفقر ومشروعات معطلة لعدم وجود ميزانيات لإنجازها، وعجز دائم بالموازنات العامة فضلا عن الديون المحلية والخارجية والتي تقدر بالمليارات، في حين لو تم الإفراج عن هذه الأموال المسروقة فسوف تحل الكثير من هذه المشكلات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد